قانونياً، تشكّل وقائع الاتفاقيات الدولية إحدى أهم الركائز الأساسية في القانون الدولي. وما حصل هو بمثابة «إعلان نوايا» وليس اتفاقية بصيغتها النهائية، والهدف منه تنظيم العلاقات بين الدول: لبنان، إسرائيل، وإيران. وهذه الأمور تؤثر بشكل مباشر في الأنظمة السياسية المتأثرة بواقع الحرب التي دارت.
إن «إعلان النوايا» سيواجه، في تطبيقه، تحديات كبرى تتعلق بالسيادة الوطنية، وتضارب المصالح، وغياب الآليات التنفيذية الدولية الصارمة. وهذه التناقضات متعددة، ومنها: أن الصيغة التنفيذية تبدأ بعد مهلة الستين يوماً، والتناقض بين ما يقوله ترامب من أن «رفع الحظر عن الأرصدة المحجوزة هدفه محصور بشراء المواد الغذائية لمصلحة الشعب الإيراني وليس للنظام»، وبين ما يتعلق بمضيق هرمز، إذ يقول ترامب إنه سيفتح نهائياً ومن دون رسوم، بينما تقول إيران العكس. أما في الاتفاق النووي، فيقول ترامب إن إيران قبلت بتفتيش المواقع النووية، فيما يدحض الإيرانيون هذا الأمر.
من المفترض أن يشكّل «إعلان النوايا» حجر الزاوية في القانون الدولي لترسيخ السلام في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، حيث سيُلزم الأطراف المتنازعة، أي إيران وحزب الله، بفضّ النزاع بالطرق السلمية، ويحظّر تهديد السلم الأهلي اللبناني والسلم العربي والسلم الإقليمي. كما يحظّر استخدام القوة الإيرانية على الساحة اللبنانية، بما يهدف إلى إعادة الاستقرار وحماية حقوق الإنسان في كل الدول التي عانت من التدخل الإيراني ضمن حدودها.
وبالعودة إلى ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، فإن مفهوم «وقف إطلاق النار» أو «الهدنة» يعني حرفياً وقف العمليات الحربية بين الأطراف المتقاتلة بناءً على اتفاق خطي محدد. وبالتالي، فإن ما تم الإعلان عنه هو نص قانوني مؤلف من أربع عشرة مادة، ينظّم الهدنة وآليتها التطبيقية.
وفي هذا الإطار، ومع ما يتزامن من مواقف رافضة لهذا التفاهم، من الواجب تذكير هؤلاء بأن معاهدة لاهاي تذكر، في المادتين 40 و41، حالات الخرق. إذ تنص المادة 40 على أن «كل خرق جسيم لاتفاقية الهدنة من قبل أحد الأطراف يعطي الطرف الآخر الحق في عدّها منتهية، بل واستئناف العمليات العدائية الطارئة». كما تنص المادة 41 على أن «خرق شروط الهدنة من طرف أشخاص بإرادتهم يعطي الحق في المطالبة بمعاقبة المخالفين فقط، ودفع تعويضات عن الأضرار الحاصلة إن وُجدت».
ينص اتفاق الإطار على مسار يستعيد بموجبه النظام السياسي اللبناني، بواسطة قواه الشرعية الرسمية ووفق قانون الدفاع الوطني، سلطته السيادية الفعلية والملزمة على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى نزع سلاح حزب الله وكل الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك كل البنى التحتية العسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية المرتبطة بها بشكل غير قانوني، خلافاً لقانون الأحزاب والجمعيات، وتطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني والقرارات الدولية 1559 و1701، ولخطاب القسم والبيان الوزاري.
إن اتفاق الإطار هو المدخل الرئيس لبسط سلطة الدولة على أرض الجنوب، بما سيتيح للحكومة الإسرائيلية الانسحاب تدريجياً من الأراضي التي احتلتها. وعلى النظام السياسي اللبناني رفض أي مزاعم يطلقها أحد أطراف النزاع لرفض هذا الاتفاق، ومنعه من استخدام القوة والفوضى.
إن اتفاق الإطار، في حال نجاحه، يعني زوال التهديد الممارس خلافاً لمندرجات القانون الدولي، وبالتالي سيقضي على أي عذر لوجود الجيش الإسرائيلي في لبنان، علماً أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت، في أكثر من مناسبة، أنه «ليس لديها أي أطماع إقليمية في لبنان».
ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة الأميركية تعمل على حثّ كل شركائها العرب والدوليين على تقديم الدعم الفاعل للنظام السياسي اللبناني، لإعادة الأمور إلى نصابها الشرعي، كدعم القوى المسلحة، وتقديم الدعم المالي لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد، على أن يلتزم النظام السياسي اللبناني بمنع تحويل الأموال المخصصة للإعمار إلى جهات حزبية وكيانات مرتبطة بها، بل حصرها في لجان رسمية شرعية.
الهدف من اتفاق الإطار هو «سلامة السيادة الوطنية اللبنانية»، وهذا يعني سلطة مطلقة للدولة اللبنانية على إقليمها، واستقلالها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية من دون أي تدخل خارجي، إضافة إلى خضوع جميع اللبنانيين والمؤسسات لسلطة القانون بمساواة، لأن الدولة هي الضامن الأول للمجتمع اللبناني، والحامية لحقوق اللبنانيين من خلال إطار قانوني يحقق العدالة للجميع ومن دون استثناء.
إن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، تحت الرعاية العربية والدولية، يعني فقط: لبنان أولاً، لبنان أولاً. لا مصلحة تعلو فوق مصلحة لبنان.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
