مرّة جديدة، تثبت السلطة في لبنان أنها لا ترى في الناس سوى جيوب قابلة للاستنزاف. زيادة «ملغومة» تُسوَّق على أنها إنجاز أو حلّ للأزمة، لكنها، في الحقيقة، تُدفع من جيوب الفقراء والمقهورين، لا من مكامن الهدر والفساد الحقيقية.
بدلًا من أن تتوجّه الدولة إلى مصادر الإيرادات الكبرى، نراها تختار الطريق الأسهل: المواطن المعتر.
أين عائدات الأملاك البحرية التي استُبيحت لسنوات؟
أين إيرادات الجمارك التي تُهدر بين التهريب والمحسوبيات؟
أين مداخيل المرفأ بعد كل ما جرى؟
أين واردات المطار التي يُفترض أن تكون من أهم روافد الخزينة؟
كل هذه الملفات تعرفها الدولة جيدًا، لكنها تتجنّبها؛ لأنها تتطلب مواجهة أصحاب النفوذ، وتتطلب قرارًا سياسيًا حقيقيًا، كما تتطلب كسر منظومة المصالح.
الأسهل دائمًا هو تحميل العبء على من لا صوت لهم: فرض رسوم جديدة، وزيادة الضرائب غير المباشرة، ورفع التعرفة هنا وهناك. والنتيجة واحدة: الفقير يدفع، والطبقة الوسطى تنهار، فيما يواصل أصحاب الامتيازات الاستفادة من النظام نفسه.
المفارقة أن الدولة لا تعاني من قلّة الموارد فحسب، بل من سوء إدارتها وغياب العدالة في توزيع الأعباء. الإصلاح الحقيقي يبدأ من سدّ مزاريب الهدر، لا من جيوب الناس. يبدأ من تحصيل حقوق الدولة من كبار المنتفعين، لا من رواتب الموظفين ولا من لقمة المواطن.
السؤال ليس: لماذا نحتاج إلى إيرادات؟ بل السؤال هو: لماذا تأتي دائمًا من جيوب الفقراء؟
حين تصبح العدالة الضريبية أولوية، يمكن الحديث عن إصلاح. أمّا أن تبقى الزيادات «ملغومة» وموجّهة نحو الحلقة الأضعف، فهذا ليس إصلاحًا… بل استمرار للنهج نفسه الذي أوصل البلد إلى أزمته.
لبنان لا تنقصه الموارد، بل ينقصه قرار يحمي مواطنيه، بدلًا من أن يحمّلهم فاتورة الفشل.

جورج الزغبي
ناشط إعلامي
