كما أعتقد أنني أشرت قبل بضعة أشهر، لا يتطلب إشعال الحرب سوى طرف واحد – وهو في هذه الحالة الولايات المتحدة – لكن إنهاءها يتطلب طرفين، أو ثلاثة أطراف، في السياق الراهن إذا أضفنا إسرائيل إلى جانب إيران.
تتيقّن الولايات المتحدة هذه الحقيقة بالطريقة الصعبة. فقد يكون دونالد ترمب أكثر من مستعد لإنهاء الحرب، ويبدو أنه اقتنع أخيرًا بالفكرة القائلة إنه عندما يجد المرء نفسه داخل حفرة، فإن أفضل ما يمكنه فعله هو التوقف عن الحفر. غير أن طهران، على ما يبدو، ليست مستعدة للتوصل إلى تسوية. بل على العكس من ذلك، لقد استأنفت إيران هجماتها على القواعد الأميركية والدول المجاورة.
ويبدو أن القادة الإيرانيين الجدد يعتقدون أن بلادهم أكثر قدرة على تحمّل القصف العسكري الأميركي من قدرة الولايات المتحدة على تحمُّل ارتفاع الأسعار الناجم عن استمرار إغلاق مضيق هرمز – والآن مضيق باب المندب أيضًا. وربما تنظر إيران كذلك إلى تناقُص المخزون الأميركي من الذخائر الحيوية، فتستنتج أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على مواصلة هذه الضربات فترة أطول.
نتيجة لذلك، لا تبدو إيران في عجلة من أمرها للدخول في اتفاق لوقف إطلاق النار أو لتنفيذ مذكرة تفاهم تعرّضت، عن حق، للانتقاد بسبب سخائها المفرط تجاه طهران. ومن المرجح أن بعض الأطراف في إيران تعتقد أنها ستحصل على صفقة أكثر ملاءمة إذا ما هي صمدت مدة كافية.
مهما تكن دوافع إيران، ومع الإقرار بصعوبة معرفة مَن وما الذي نعنيه بكلمة «إيران» عندما يتعلق الأمر بعملية صنع القرار والقيادة فيها هذه الأيام – إذ من المحتمل جدًا ألّا يكون هناك شخص واحد يمتلك السلطة الكافية لفرض قرار صعب – فإن ما يتبادر إلى الذهن هو عبارة قديمة منسوبة إلى وزير الدفاع الأميركي الأسبق، هارولد براون.
فعندما سُئل براون عن جهود الاتحاد السوفياتي لتحديث ترسانته النووية، قال: «عندما نراكِم، يبنون؛ وعندما نقلّص، يبنون». أو بتطبيق هذه المقولة على السياق الراهن: عندما نهاجم إيران، تهاجم؛ وعندما نتوقف، تهاجم أيضًا.
ردًا على ذلك، استأنفت الولايات المتحدة قصف المواقع العسكرية والصناعية الإيرانية. لكن من الصعب فهم الأسباب التي قد تجعل هذه المقاربة تنجح الآن، بعدما أخفقت في تحقيق أهدافها خلال الأشهر الخمسة الماضية.
أما العمل العسكري الوحيد الذي قد يجبر إيران على تغيير موقفها، بل ربما يدفعها إلى الاستسلام، فيتمثل في مهاجمة البنية التحتية للطاقة التي يقوم عليها اقتصادها. غير أن مثل هذه الخطوة تنطوي على خطر إطلاق إيران هجومًا على البنى التحتية للطاقة والمياه في الدول المجاورة لها. وإذا حدث ذلك، فإن الأزمة القائمة أصلًا ستتحول بين ليلة وضحاها إلى كارثة عالمية.
حتى الآن، امتنع الطرفان إلى حد كبير عن الإقدام على مثل هذا التصعيد. ويشكّل ذلك نسخة شرق أوسطية حديثة من مبدأ «الدمار المتبادل المؤكد»، الذي أبقى الأسلحة النووية خارج ساحة الاستخدام، وساعد على حفظ السلام بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.
ما العمل إذًا؟
تتمثل الوسيلة الفضلى لتعزيز دوافع إيران إلى التوصل لوقف لإطلاق النار في حرمانها من القدرة على استخدام مضيق هرمز، وتشديد العقوبات على الناقلات التي تحمل النفط الإيراني وعلى شركات التأمين التي توفر التغطية لها.
وينبغي لواشنطن أيضًا تطوير بدائل من مضيق هرمز، وتحسين القدرات الدفاعية لدول الخليج في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
بالطبع، لا يَعِد أيٌّ من هذه الإجراءات بحل سريع، لكن الاقتصاد الإيراني يمثل «كعب أخيل» بالنسبة إلى طهران. لذلك، فإن تصعيد الضغوط الاقتصادية عليه يوفر المقاربة الأفضل لإقناع القادة الإيرانيين بأن إعادة فتح المضيق والقبول بوقف إطلاق النار يصبّان في مصلحة البلاد.
قد يستغرق تحقيق ذلك بعض الوقت، وربما يتطلب القبول بترتيبات خاصة بالمضيق تمنح إيران صلاحيات أوسع مما نرغب فيه. غير أن ذلك سيكون، على الأرجح، الثمن الواجب دفعه من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وضمان التدفق الحر للطاقة وحركة السفن والبضائع الأخرى.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
