يمكن للمؤرخين أن ينظروا إلى الحروب بوضوح بعد انتهائها. أمّا أثناء اشتعالها، حين تتزاحم الحقائق والأكاذيب على جذب الانتباه، فإن فهم ما يجري يصبح بالغ الصعوبة. ومع ذلك، وبما أننا نعيش اليوم في خضم الحرب في إيران، فإن محاولة فهم ما يحدث تبقى ضرورية، مهما بلغ الالتباس.
في وضعها الراهن، تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا جوية تبدو موجّهة أساسًا إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني. فكلاهما يرى في امتلاك إيران سلاحًا نوويًا خطرًا وجوديًا عليهما، بصرف النظر عن وسيلة إيصال هذا السلاح. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران قادرة فعليًا على تصنيع سلاح نووي قابل للاستخدام العملي، غير أن مجرد احتمال ذلك – وإن كان ضئيلًا – كفيل بإنتاج عواقب كارثية.
أظهر الهجوم الأميركي الأول على برنامج التطوير النووي الإيراني بوضوح أهمية هذا الهدف. ولما لم يحقق الهجوم المذكور نجاحًا كاملًا، انتقلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شنّ حملة جوية أوسع بكثير، بهدف تحقيق غاية ثانية: فرض تغيير في النظام، أو – في الحد الأدنى – إلحاق أضرار جسيمة تطيل أمد التعافي، على أمل أن تفرز المرحلة اللاحقة حكومة أكثر حذرًا. ومن العوامل التي دفعت إدارة ترامب إلى الاعتقاد بإمكانية تغيير النظام، التظاهرات الواسعة المناهضة له، والتي ملأت الشوارع وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، ما جعل إسقاط النظام يبدو نتيجة محتملة لأي هجوم عسكري. غير أن تغيير النظام لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني (بوصفه الهدف الأساسي)، ولإنتاج إيران أقل زعزعة لاستقرار المنطقة.
لقد جرى منذ ذلك الحين تعيين مرشد أعلى جديد لقيادة الدولة، يتمتع بطباع مشابهة لسلفه، غير أنه يبدو أقل نفوذًا؛ إذ تشير المعطيات إلى تقاسمه القرار مع رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، كما لا يبدو أنه يملك سيطرة كاملة على القوة العسكرية الأساسية في البلاد، أي «الحرس الثوري».
وفي ظل تدمير جزء كبير من منظومة الحكم، بما في ذلك القيادة والبنية التحتية الوطنية – ما يعني فقدان القيادة والسيطرة ووجود حكومة شبه مشلولة – يبدو أن الحرس الثوري بات ينفّذ عملياته استنادًا إلى قرارات قادته هو، بحكم الأمر الواقع، وربما وفق أولوياته الخاصة. ويتجلى ذلك في قيام الرئيس الإيراني، الذي يُعد ضعيفًا نسبيًا لكونه إصلاحيًا، بتقديم اعتذارات للدول الإقليمية التي تعرّضت لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ في المراحل الأولى من الصراع. ويُرجّح أن الحرس الثوري تصرّف كقوة عسكرية من دون توجيه سياسي واضح، فشنّ ضربات عميقة وبعيدة ضد ما اعتبره تهديدات. وفي هذه المرحلة، يُحتمل أن تكون هناك محاولة جارية لإخضاع الحرس الثوري لسلطة الحكومة الجديدة، في الوقت الذي تحاول فيه هذه الحكومة بلورة استراتيجيتها وأهدافها، بما يتجاوز مجرد البقاء. طبعًا، لا يعني ذلك أن الحرس الثوري خرج عن السيطرة، بل إن الضربة الأولى وضعته في موقع يجمع بين الدور العسكري ودور صانع القرار، فيما هدفت اعتذارات الحكومة إلى الحد من انخراط الدول المستهدفة في الأعمال العدائية التي تقودها القوى الغربية.
وانطلاقًا من ذلك، فإن الهدف الأساسي للولايات المتحدة وإسرائيل يتمثل في شلّ الحرس الثوري أو تدميره بشكل منهجي، قبل أن تتمكن الحكومة الجديدة من بسط سلطتها. فتدمير الأخير من شأنه أن يجعل الحكومة الجديدة عاجزة عسكريًا قبل أن تُحكم قبضتها على السلطة، ما يضعها في موقع هش وربما يائس أيضًا.
إن الحرس الثوري منظمة مسلّحة ومدرّبة جيدًا، تمتلك قوات برية وأسلحة متطورة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ. وهو منتشر على نطاق واسع في مختلف أنحاء إيران، ويتولى مهام الأمن الداخلي، فضلًا عن خوض الحروب البرية التقليدية. وفي حين لا يُعرف على وجه الدقة مدى انتشار منظوماته الصاروخية والمسيّرة، غير أنه من الواضح أن هذه الأنظمة تحتاج إلى إعادة إمداد بالذخائر من مستودعات تخزين. ومن ثمّ، فإن المهمة الأساسية للولايات المتحدة وإسرائيل تتمثل في تحديد الشبكات اللوجستية التي تغذي هذه القوات الموزعة، وتدميرها. ويمكن الافتراض أيضًا أن هذه الشبكات قابلة للرصد عبر الأقمار الصناعية، ثابتة في مواقعها، وبعيدة عن المراكز السكانية الكبرى. وهذا يعني، نظريًا، أن جزءًا كبيرًا من القتال بين القوات الأميركية والإسرائيلية، من جهة، والحرس الثوري، من جهة أخرى، سيجري في مناطق نائية لا في المدن. ويُذكر في هذا السياق أن عدد الطائرات الغربية التي أُسقطت لا يزال محدودًا جدًا، ما يشير إما إلى ضعف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية أو إلى تدميرها، أو إلى محدودية المعلومات الصادرة من داخل إيران.
وثمّة بُعد حيوي آخر لهذه الحرب، يتمثل في النفط. فإيران مصدر رئيسي لهذه المادة عالميًا، وإن لم تكن المصدر الوحيد. وعلى المدى الطويل، يُرجّح أن يُشلّ الحرس الثوري، وأن يعمد منتجو نفط آخرون إلى زيادة إنتاجهم، أو أن يتدفق النفط الروسي – الذي يخضع حاليًا لضغوط أميركية – بوتيرة أكبر. ومن منظور الولايات المتحدة وإسرائيل، يشكّل هذا الإطار الزمني ما يمكن تسميته «مدة صلاحية» الحرب؛ إذ ينبغي إنهاؤها قبل أن ترتفع الأسعار، ولا سيما في الولايات المتحدة، بشكل حاد. فمن وجهة نظر واشنطن، تبقى كلفة المعيشة مسألة أهم من إيران ذاتها. وهذا ما يفسر محاولة الإيرانيين إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع نفط العالم. فإذا أدى الأمر إلى حساسية مفرطة في أسعار الطاقة، من شأن ذلك أن يشكّل مشكلة جوهرية للولايات المتحدة، ويقوّض الجهد الحربي برمته.
بدوره، يبدو مضيق هرمز، في تقديري، الساحة الحاسمة التي سيُحدد فيها مصير الحرب إلى حد كبير. فإيران دولة شاسعة، تضم صحارى واسعة وبعضًا من أكثر السلاسل الجبلية وعورة في العالم. وإرسال قوات برية لاحتلالها سيكون بالغ الصعوبة وذات كلفة هائلة. لا بل من المرجح أن تكون أي حرب برية في إيران طويلة وغير ناجحة. وعليه، فإن سيناريو الاحتلال يبدو مستبعدًا، لا سيما في ضوء موقف الرئيس دونالد ترامب السابق من الحروب البرية الطويلة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مفتاح الحرب سيكون في الحفاظ على استمرار الحركة عبر مضيق هرمز، بينما تتكفل القوة الجوية بتدمير الحرس الثوري—وهو أمر قد يتحقق في غضون أشهر لا عقود.
ومن الأهمية بمكان أن الزمن الطويل اللازم لإصلاح المنشآت النفطية المتضررة يمنح الحرس الثوري خيارًا إضافيًا. فعلى الرغم من اعتذار الرئيس، لم تتوقف الهجمات بالكامل على منشآت نفطية في دول إقليمية أخرى، ما أدى بالفعل إلى خفض إنتاج النفط فيها بدرجات متفاوتة. كما أن زيادة الإنتاج في مناطق أخرى من العالم عملية معقدة وتستغرق وقتًا. وكل ذلك يعني أنه إذا لم تتمكن الحكومة الإيرانية الجديدة من كبح الحرس الثوري، أو لم ترغب في ذلك، وإذا صعّد الأخير هجماته على المنشآت النفطية الإقليمية، فقد نشهد تراجعًا كبيرًا في القدرة العالمية على إنتاج النفط، وارتفاعًا حادًا في الأسعار، بما يهدد الاقتصاد العالمي. وحتى لو بقي مضيق هرمز مفتوحًا، فإن ذلك وحده لن يكون كافيًا لإزالة خطر أزمة اقتصادية عالمية إذا استؤنفت الهجمات على المنتجين الإقليميين. وفي حال تحقق هكذا سيناريو، ستواجه الولايات المتحدة وسائر الدول المستهلكة للنفط أزمة اقتصادية حادة تتطلب وقتًا طويلًا للتعافي، حتى بعد استئناف الإنتاج، ما سيضع ترامب أمام أزمة سياسية داخلية.
أمام واشنطن، إذًا، ثلاثة خيارات: الأول، محاولة شلّ قدرات الحرس الثوري الصاروخية والمسيّرة بسرعة؛ الثاني، العمل على إنشاء نظام جديد قادر وراغب في بسط السيطرة على الحرس الثوري؛ والثالث، خوض معركة حاسمة في مضيق هرمز. كما يمكنها السعي إلى مزيج من هذه الخيارات الثلاثة، مع ما يرافق كل منها من تحديات جسيمة.
وهنا نصل إلى دور روسيا والصين. فروسيا أقل ميلًا للتدخل؛ إذ إن جيشها منخرط في القتال في أوكرانيا، والأهم أنها قد تستفيد اقتصاديًا وسياسيًا من تدمير إنتاج النفط في الشرق الأوسط، بما يوفر لموسكو موارد مالية ونفوذًا إضافيًا. أما الصين، فوضعها مختلف. إذ رغم تنويعها لمصادر الطاقة، فإن ارتفاع أسعار النفط سيضر باقتصادها، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات (التي ستصبح أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية). وبالنظر إلى انكشاف الصين، وإلى المفاوضات الجارية بينها وبين واشنطن، فمن غير المرجح أن تقدم بكين دعمًا عسكريًا لإيران. فهي بدورها، على الأرجح، تأمل في أن يتمكن طرف ما من كبح الحرس الثوري.
في المحصلة، تتوقف نتائج الحرب على ما إذا كانت طهران قادرة أو راغبة في السيطرة على الحرس الثوري، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستخاطران بشن هجوم أوسع نطاقًا. فالمخاطر باتت تتصاعد على المستوى العالمي، مع ترجيح أن تمضي الولايات المتحدة نحو تدمير الحرس الثوري.
ومن زاوية عسكرية، يبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان يمكن تحقيق هذه الأهداف بالاعتماد أساسًا على القوة الجوية، نظرًا لأن الحرب البرية ستكون على الأرجح طويلة ومكلفة بشريًا وماليًا. فإذا لم تتمكن الضربات الجوية من تحقيق الهدف، فإن المجهول يتمثل في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستلجأ في نهاية المطاف إلى حرب برية – وهي نمط من الحروب ثبت منذ الحرب العالمية الثانية أنه بالغ الكلفة، وغالبًا ما انتهى بالفشل.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
