منعوا الصورة… فهزمهم الصوت

 

بات وقفُ الحرب الإسرائيلية على فلسطين فرصة الإعلام لفتح أبواب قطاع غزة، وسيكشف العالم حجم الدمار الذي حلّ بها على مدى عامين من القصف المتواصل.

فالدمار الذي حل في القطاع غير مسبوق: مدنٌ ومخيماتٌ بمؤسساتها وبنيتها التحتية وبساتينُ زراعية في محيطها سُويت بالأرض، ولم يُترك لمليوني ونصف فلسطيني سوى البحث عن لقمةٍ وملاذٍ في ركام الحياة.

ما بعد الحرب سيكون مشروعاً مفتوحاً أمام الصحفيين ليروا ويسجلوا ما ظلّ محجوباً خلف ستار من المنع والتعتيم الإعلامي.

ستظهر القصص الإنسانية التي سيحكيها الفلسطينيون بأصواتهم، لتوثّق في سجل تاريخي جديد عبر وسائل الإعلام الحديثة، التي لم تكن متاحة في الحروب السابقة.

وسيتكشّف للعالم حجم المأساة التي منعت إسرائيل نقلها، عبر حظر دخول الصحفيين الأجانب والعرب وقتل أكثر من 270 صحفياً فلسطينياً — في واحدة من أكثر معارك الوعي تحدياً لحرية الصحافة في العصر الحديث.

إنها معركة الحقيقة المطاردة بأحدث الأسلحة الإسرائيلية والغربية معاً.

فما جرى في غزة سيُقارن بما شهدته هيروشيما وناجازاكي ودريسدن ومعسكرات الاعتقال النازية من قبل، غير أن الفارق اليوم هو في الأدوات الإعلامية التي باتت بيد الصحفيين والمدونين والمواطنين حول العالم، ممن يوثقون ويشاركون لحظةً بلحظة دون انتظار الإذن من أحد.

لقد أثبتت الحرب أن وسائل التواصل الاجتماعي، بتقنياتها وسرعة انتشارها، قادرة على هزيمة الإعلام التقليدي الغربي، الذي فقد حياده وتورط في تبرير الحرب تحت سطوة المال والولاء لصناع السلاح والسياسة.

وقفُ الحرب إذن لا يعني نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية: معركة الوعي.

فالسردية الفلسطينية باتت أقوى، بينما تهاوت السردية الإسرائيلية التي احتمت طويلاً بادعاءات “السامية” لتبرير القمع ومنع النقد.

وتمضي الصحافة لتروي ما عاشه الفلسطينيون كما عاش البوسنيون والعراقيون واليهود من قبل — آلاماً مشتركة توحد الإنسانية في مواجهة الهمجية الصهيونية.

إنها معركة السردية الفلسطينية ضد السردية الصهيونية، ومعركة الذاكرة ضد النسيان.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.