بعد استشهاد المؤهل الأول علاء كامل شحادة… سؤال إلى الدولة اللبنانية:

من يحقن دماء اللبنانيين… ومن يمتلك الشجاعة الكافية للإجابة؟

الشهادة في وجدان اللبنانيين ليست حدثًا عابرًا، إنما هي ذروة الفداء حين تكون في مكانها وزمانها وقضيتها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: متى تتحوّل الشهادة من سموّ المعنى إلى خسارة وطنية لا ضرورة لها؟ ومتى يصبح الصمت عن دماء تُسفك بمثابة تواطؤ غير مباشر مع نزيفٍ مستمرّ يطال خيرة شباب لبنان؟

إن الإعلان عن نبأ استشهاد المؤهل الأول علاء شحادة، ابن المديرية العامة للأمن العام، ابن الأم الثكلى بشقيقه سابقًا، وزوج المرأة العاملة أيضًا في الدولة اللبنانية، والأب لطفلين، لا يمكن أن يكون رقمًا جديدًا يُضاف إلى سجل الضحايا. لقد توقّف الشهيد مع زملائه لإنقاذ جريح على الطريق، بدافع النخوة والواجب الإنساني، الذي لا يزال أصالةً عربية يعتزّ بها لبنان ومنطقة إقليم الخروب، بعد أن فقدها كثير من العرب. لكن الغارة الإسرائيلية الثانية التي وقعت خلال حادثة سبلين استهدفتهم في منطقة مدنية، تقع شمال الليطاني، وبعيدة عن أي تهديد عسكري. إن استهداف المدنيين والعناصر الأمنية أثناء قيامهم بواجب إنساني يُعدّ «جريمة حرب» واضحة في القانون الدولي، لا لبس فيها.

العدو الإسرائيلي عدوٌّ وحشيّ المعتقد، مُجرم السلوك، وهذا أمر يجب ألّا يكون موضع خلاف بين اللبنانيين. لكن السؤال الأصعب، الذي لا يمكن تجاوزه، هو: كيف قبلنا أن تصبح طرقات لبنان كلّها مساحاتٍ مستباحة للموت؟ وكيف تُركت البيئات المدنية خطوط تماس مفتوحة، من دون ردّة فعل رسمية وازنة، ومن دون قرار وطني جامع؟

لقد خاض لبنان صراعاتٍ في وقتٍ سابق كان لها معنى، وكانت نتيجتها تحقيق الردع والحماية. أمّا اليوم، وبعد الالتزام اللبناني التام باتفاق وقف إطلاق النار، فإن السؤال المشروع والعاجل هو: ما الجدوى من استمرار سقوط الضحايا؟ وهو سؤال لا يصدر عن جبن، بل عن مسؤولية وطنية، وعن حق الناس في الحياة. فمنذ بدء الالتزام بالاتفاقية، سقط أكثر من خمسمئة ضحية، فيما تستمرّ الاعتداءات والخروقات اليومية.

من أجل ماذا يسقط هؤلاء الضحايا؟ وكيف يمكن تبرير استمرار هذا النزيف؟ ولا ينفصل هذا السؤال عن أداء الحكومة اللبنانية، التي تبدو وكأنها تقدّم — عن قصد أو عن عجز — تنازلاتٍ مجانية في المحافل الدولية. فقد قيل رسميًا إن منطقة جنوب الليطاني قد فُرِّغت تمامًا من السلاح، بينما نشهد يوميًا كشف أنفاق وتفجير عتاد يُعثر عليه، بدل ضمّه إلى عتاد الجيش الوطني. وكلّ ذلك يجري من دون حماية حقيقية للمدنيين، ومن دون رادع فعلي للعدوان، فيما يُلقى العبء على «لجنة الميكانيزم» التي ثبت عجزها.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الخطابات عالية السقف التي تُطلق هنا وهناك، والتي تُثبت الأحداث أنها لا تُترجم حمايةً فعليةً للأرواح، بل تبقى في إطارها الإنشائي، من دون أن تلامس واقع الناس أو تُسهم في بناء وعي وطني جامع. وحين يصبح الهاجس الأكبر هو تحدّي الدولة والمؤسسات الشرعية، نكون أمام تحوّل خطير في مفهوم المقاومة والوطنية.

الأخطر من ذلك أنّ أشكال التحدّي تتّسع يومًا بعد يوم. فبعد عرقلة عمل القضاء العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت، عدنا إلى الاستعراضات غير المجدية عبر التدخلات في ملف صون أملاك الدولة العقارية في الجنوب، لمصلحة مافيات العقارات، من دون إغفال محاولة تأمين حماية جديدة لأصحاب المصارف والسياسيين من ذوي الياقات البيضاء، مرتكبي الجرائم الاقتصادية، وممتهني الاستيلاء على المال العام.

الدولة هنا لا تبدو ضعيفة فحسب، بل «سائبة»، بلا إرادة سيادية، فيما ينحصر همّ الطبقة السياسية في تمرير قوانين للإفلات من العقاب تحت شعارات تقنية جوفاء، مثل «الفجوة المالية»، في حين يُطلب من الناس أن تبتلع خسائرها — أرواحًا وأموالًا — بصمت.

في بلدتي مزبود، كما في عموم إقليم الخروب، لم يكن خبر استشهاد علاء مجرد نبأ. لقد كان — وسيبقى — وجعًا جماعيًا: أمٌّ ثكلى تخسر ابنها الثاني بعد رحيل أولها في الغربة، وأرملة تكتم دموعها أمام طفلين يتيمين، وصورة للألم الذي لا يختص منطقة دون أخرى، بل هو ألم الأمهات والأرامل في كل جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت. هذا الوجع المشترك يجب أن يكون جسرًا لتواصل إنساني يذكّرنا بأن الدم واحد، والخسارة واحدة، والسؤال واحد.

من هنا، أوجّه خطابي إلى رئيس مجلس النواب، الأستاذ نبيه بري، لا من موقع الخصومة، بل من موقع المسؤولية التاريخية، وأنت الذي قدت التفاوض باسم لبنان وتعرف أنّ الوساطة الأميركية لا يمكن أن تكون محايدة. فدولة الرئيس، باسم دماء الشهداء وآخرهم علاء شحادة، ما هي الرؤية الصريحة لمستقبل لبنان؟

نحن لا نحتاج إلى خطاب تعبوي جديد، بل إلى إجابة سياسية واضحة: إلى أين نحن ذاهبون؟ وكيف تُحقن دماء اللبنانيين؟ وما هو السقف الواقعي للمواجهة ومرجعيتها الوطنية؟

نعم، نحن متوافقون على أنّه لا قيامة للبنان من دون دولة ذات هيبة. لكن هيبة الدولة لا تعني القمع ولا الافتراء على كرامات الناس، بل تعني «بسط السيادة الكاملة»، وأن تكون الدولة الجهة الوحيدة المخوّلة بأن تقرّر متى وكيف ولماذا يُدافع عن الوطن. وهذا لا يعني إنكار وجود عدو دائم على الحدود، بل يعني مقاربته بعقل الدولة الواعي، من خلال مسارين: الأول، خطاب وطني موحّد يجمع كل اللبنانيين حول مصلحة لبنان العليا. والثاني، التمسّك بحق الدفاع عن النفس ضمن حدود القانون الدولي، من دون تعريض المدنيين للخطر.

وفي هذا المشهد، تبرز مسؤولية خاصة لأبناء إقليم الخروب، لا من منطق المناطقية، بل لأنّ منهم النائب العام التمييزي، ومدير قوى الأمن الداخلي، ووزير الداخلية. دم علاء شحادة، ابن الدولة وابن هذا الإقليم، يطلب موقفًا واضحًا: هل ستتحوّل شهادته إلى مسار عدالة حقيقي وحماية لما تبقّى من هيبة الدولة؟ وهل سيُمنع تحويل دماء الشهداء إلى مادة استهلاك في الصراعات السياسية؟

إنّ أي مسار وطني لا يكتمل من دون محاسبة العدو الإسرائيلي أمام المحاكم الدولية باسم الدولة اللبنانية. فأين الحكومة من هذا الواجب؟ لسنا بحاجة إلى بيانات استنكار، بل إلى خطوات فعلية.

وحين أتذكّر علاء شحادة، ابن بلدتي مزبود، فإنني لا أكتب من منطلق العاطفة فحسب، بل من موقع المواطن الذي يرى في استشهاد كل لبناني مرآة لخلل أعمق، ومسؤولية أوسع ملقاة على عاتق الدولة وأولي الأمر. فما كان مني إلّا أن قلت ما يجب قوله في وجه سلاطين هذا الزمن السيّئ: اللهم إنّي قد بلّغت، اللهم فاشهد.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.