ماذا لو جلسنا أمام أبنائنا في نهاية العام الدراسي، ولم نسألهم أولًا: «كم حصلتم؟»، بل سألناهم: «ماذا أصبحتم تعرفون أن تفعلوا؟»
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يكشف مشكلة عميقة في التعليم. فنحن نملك أنظمة دقيقة لقياس ما يحفظه الطالب، ونعرف كيف نقارنه بزملائه، ونستطيع أن نرتب الطلاب من الأول إلى الأخير. لكننا أقل قدرة على الإجابة عن سؤال آخر: هل أصبح هذا الطالب أكثر قدرة على التفكير، واتخاذ القرار، والتعامل مع الفشل، والعمل مع الآخرين؟
ليست المشكلة في الامتحانات. فالامتحان أداة ضرورية، وله وظيفة لا يمكن إنكارها: قياس جانب من تعلم الطالب، ومساعدة المدرسة على معرفة ما إذا كان قد حقق أهدافًا تعليمية محددة. كما أن التقييم الموحد يمكن أن يوفر، في بعض الحالات، معيارًا أكثر وضوحًا وعدلًا للمقارنة بين الطلاب.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى غاية.
عندما يصبح الهدف الحقيقي للطالب هو الحصول على العلامة، وللمعلم إنهاء المنهج، وللأسرة رؤية اسم ابنها في قائمة المتفوقين، قد نكتشف أننا نجحنا في تدريب الطالب على اجتياز النظام التعليمي أكثر مما دربناه على مواجهة الحياة.
تخيل طالبًا يستطيع حفظ تعريف طويل في مادة العلوم، لكنه عندما يواجه خبرًا منتشرًا على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعرف كيف يتحقق من صحته.
وتخيل آخر يحصل على درجات ممتازة، لكنه عندما يختلف مع زميله لا يستطيع إدارة الخلاف إلا بالغضب أو الانسحاب.
وثالثًا يعرف كيف يحل مسائل كثيرة في الكتاب، لكنه عندما يواجه مشكلة جديدة لا تشبه أي سؤال تدرب عليه، ينتظر شخصًا آخر ليخبره بما يفعل.
هل هؤلاء طلاب فاشلون؟ بالتأكيد لا. لكن هذه الأمثلة تذكّرنا بأن النجاح الأكاديمي ليس مرادفًا للجاهزية للحياة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال الذي نطرحه على المدرسة. بدل أن نسأل فقط: «كم تعلم الطالب؟»، علينا أن نسأل أيضًا: «ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟» وهذا لا يحتاج إلى هدم النظام التعليمي، بل إلى توسيعه.
يمكن، مثلًا، أن يُطلب من الطلاب تنفيذ مشروع جماعي يعالج مشكلة حقيقية في المدرسة أو الحي: ترشيد استهلاك المياه، تنظيم مكتبة، إعداد حملة للقراءة، أو دراسة مشكلة بيئية محلية. هنا لا يكفي أن يحفظ الطالب المعلومات؛ عليه أن يبحث، ويتحقق، ويقسم العمل، ويتواصل مع زملائه، ويواجه العقبات، ثم يعرض النتيجة ويدافع عنها.
وفي مادة اللغة العربية، لماذا لا يُقاس تعلم الطالب فقط بحفظ القواعد والإجابة عن أسئلة الاختبار؟ لماذا لا يُطلب منه كتابة مقال، أو إجراء مقابلة، أو تحليل خبر، أو الدفاع عن رأي بالحجة؟
وفي الرياضيات، لماذا لا ننتقل أحيانًا من السؤال الذي يقول «احسب» إلى سؤال يقول: «لديك ميزانية محددة، كيف ستتخذ قرارك؟ وما الأسباب التي دفعتك إليه؟»
هنا لا نلغي المعرفة؛ بل نعطيها حياة.
لكن هناك مهارة أخرى ربما نحتاج إلى تعليمها لأبنائنا أكثر من أي وقت مضى: كيف يفشلون.
هذه العبارة قد تبدو غريبة في مدرسة اعتادت أن تحتفل بالنجاح، لكنها ضرورية.
فالطفل الذي يتعلم أن الخطأ فضيحة قد يكبر خائفًا من التجربة. والطالب الذي يعتقد أن العلامة المنخفضة تعني أنه أقل قيمة من غيره، قد يختار دائمًا الطريق الآمن، حتى عندما يكون الطريق الجديد أكثر فائدة.
لذلك يمكن للمدرسة أن تمنح الطالب فرصة لإعادة المحاولة في بعض المشروعات والمهام. إذا كتب مقالًا ضعيفًا، لا تكون القصة قد انتهت عند علامة منخفضة؛ يمكن أن يحصل على ملاحظات، ويعيد الكتابة، ويشرح ما الذي غيّره ولماذا.
وإذا فشل مشروع جماعي، يمكن أن يصبح الفشل نفسه موضوعًا للتقييم: أين أخطأنا؟ هل وزعنا الأدوار جيدًا؟ هل كانت خطتنا واقعية؟ ماذا سنفعل بصورة مختلفة في المرة المقبلة؟
هنا يتعلم الطالب درسًا لا تمنحه له علامة كاملة: أن الفشل ليس هوية، بل معلومة.
إنه يخبرنا أن شيئًا ما لم ينجح، لكنه لا يخبرنا أننا لن ننجح.
وهذا بالضبط ما يحتاج إليه الإنسان خارج المدرسة.
فالحياة المهنية والشخصية لا تسير وفق جدول إجابات نموذجية. المشاريع تفشل، والاختيارات تخطئ، والعلاقات تحتاج إلى إصلاح، والخطط تتغير. الإنسان الذي لم يتعلم كيف يراجع نفسه بعد الخطأ قد يجد الفشل أكبر من قدرته على مواجهته.
لكن هل يجب أن نختار بين الامتحان والمهارات الحياتية؟ لا.
المشكلة ليست «امتحانًا أم لا امتحان». المشكلة هي أن نعتمد على أداة واحدة للحكم على تعلم إنسان متعدد القدرات.
فالطبيب لا يُقاس فقط بامتحان نظري، والمهندس لا يُقاس فقط بقدرته على تذكر القوانين، والكاتب لا يُقاس بعدد القواعد التي يستطيع حفظها.
المعرفة ضرورية للجميع، لكن قيمتها تظهر عندما تتحول إلى ممارسة.
لذلك يمكن أن يحتفظ النظام بالاختبارات، ويضيف إليها ملفات إنجاز، ومشروعات، وعروضًا شفوية، وأعمالًا جماعية، ومهام لحل مشكلات واقعية. لا لتخفيف المعايير، بل لقياس نطاق أوسع من القدرات التي يحتاجها الإنسان خارج المدرسة.
وهنا يأتي دور المعلم.
المعلم في مدرسة المستقبل ليس مجرد ناقل للمعلومات. وفي عصر يستطيع فيه الطالب الوصول إلى كم هائل من المعلومات خلال ثوانٍ، تصبح مهمة المعلم أكثر أهمية: أن يساعد الطالب على التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، وعلى طرح السؤال المناسب، وعلى التفكير في النتائج، وعلى تحويل المعرفة إلى موقف وفعل.
أما الأسرة، فعليها أيضًا أن تعيد النظر في السؤال الذي تطرحه كل مساء.
ليس خطأ أن نسأل أبناءنا عن علاماتهم. لكن من المهم أن نسألهم كذلك: ماذا تعلمت اليوم؟ ما السؤال الذي جعلك تفكر؟ هل أخطأت في شيء؟ ماذا فعلت عندما أخطأت؟ هل ساعدت زميلًا؟ هل اكتشفت شيئًا تحبه؟
هذه الأسئلة قد لا تظهر في الشهادة، لكنها تظهر لاحقًا في شخصية الإنسان.
وفي النهاية، ليست وظيفة المدرسة أن تجعل الطفل متفوقًا على ورقة فقط. وظيفتها أن تمنحه شيئًا يبقى معه عندما تنتهي الورقة. أن تمنحه القدرة على التعلم حين لا يكون هناك معلم. والقدرة على السؤال حين لا تكون هناك إجابة جاهزة. والقدرة على المحاولة حين يكون احتمال الفشل قائمًا. والقدرة على النهوض عندما لا تسير الأمور كما أراد.
فالمدرسة التي تنجح في تعليم الطالب كيف يحفظ الإجابة قد تصنع متفوقًا. أما المدرسة التي تعلّمه كيف يصنع الإجابة، وكيف يراجعها، وكيف يغيّرها عندما يكتشف خطأها، فهي تصنع إنسانًا قادرًا على التعلم طوال حياته.
وربما يكون هذا هو الاختبار الذي يستحق أن نحاسب مدارسنا عليه: ليس كم طالبًا حصل على أعلى علامة؟ بل كم طالبًا خرج من المدرسة وهو أكثر قدرة على أن يفكر، ويختار، ويتحمل المسؤولية، ويتعلم من خطئه، ويضيف شيئًا إلى العالم من حوله؟
عندها فقط لا تكون المدرسة قد علّمت أبناءنا كيف ينجحون في الاختبار. تكون قد أعطتهم ما هو أبقى: القدرة على أن يتعلموا كيف ينجحون في الحياة.

فاروق خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
