في الرُّؤْيَةِ الإِسْخاتُولُوجِيَّةِ الشِّيعِيَّةِ، تَتَشَكَّلُ صُورَةُ أَحْدَاثِ «آخِرِ الزَّمَانِ» كَسِلْسِلَةٍ مِنَ الوَقَائِعِ الرَّمْزِيَّةِ وَالكَوْنِيَّةِ، الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ فِي التَّارِيخِ، وَانْتِقَالٍ مِنْ عَالَمِ الظُّلْمِ وَالِاخْتِلَالِ إِلَى أُفُقِ العَدَالَةِ الإِلٰهِيَّةِ.
يَحْتَلُّ ظُهُورُ الإِمَامِ المَهْدِيِّ قَلْبَ هٰذِهِ الرُّؤْيَةِ، بِوَصْفِهِ الإِمَامَ الغَائِبَ الَّذِي سَيَعُودُ لِيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا بَعْدَ أَنْ مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا. وَلَا يُفْهَمُ ظُهُورُهُ فَقَطْ كَحَدَثٍ خَارِقٍ، بَلْ كَذُرْوَةٍ لِمَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّمْهِيدِ التَّارِيخِيِّ وَالأَخْلَاقِيِّ، حَيْثُ تَشْتَدُّ الأَزَمَاتُ وَتَتَكَشَّفُ تَنَاقُضَاتُ العَالَمِ، فَيَتَهَيَّأُ المَسْرَحُ لِتَحَوُّلٍ كَبِيرٍ.
وَيَتَرَافَقُ هٰذَا الحَدَثُ، فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، مَعَ عَوْدَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ فِي سِيَاقٍ رَمْزِيٍّ أَوْ رُوحِيٍّ، يُعِيدُ وَصْلَ الحَاضِرِ بِجُذُورِهِ التَّأْسِيسِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُ اسْتِمْرَارِيَّةَ الرِّسَالَةِ فِي بُعْدِهَا العَمِيقِ.
كَمَا يُعْتَقَدُ بِنُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، الَّذِي يَلْعَبُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِي مُوَاجَهَةِ قُوَى الضَّلَالِ، وَيَكُونُ إِلَى جَانِبِ المَهْدِيِّ فِي تَثْبِيتِ العَدْلِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تُذْكَرُ الصَّلَاةُ فِي القُدْسِ، حَيْثُ يَؤُمُّ المَهْدِيُّ النَّاسَ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ المَسِيحُ، فِي مَشْهَدٍ يَرْمُزُ إِلَى وَحْدَةِ الرِّسَالَاتِ.
وَمِنَ العَلَامَاتِ الكَوْنِيَّةِ الكُبْرَى شُرُوقُ الشَّمْسِ مِنَ الغَرْبِ، وَهُوَ انْقِلَابٌ فِي نِظَامِ الكَوْنِ يُشِيرُ إِلَى بُلُوغِ نُقْطَةِ اللَّاعَوْدَةِ.
وَتُضِيفُ الرِّوَايَاتُ الشِّيعِيَّةُ عَلَامَاتٍ أُخْرَى تُعَدُّ مِنْ مُمَهِّدَاتِ الظُّهُورِ، مِنْهَا خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ، الَّذِي يُمَثِّلُ قُوَّةً عُدْوَانِيَّةً تَنْطَلِقُ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَتَسْعَى إِلَى نَشْرِ الفَسَادِ وَالقَمْعِ. وَمِنْهَا أَيْضًا ظُهُورُ اليَمَانِيِّ، الَّذِي يُعَدُّ دَاعِيًا إِلَى الحَقِّ وَمُمَهِّدًا لِلظُّهُورِ.
كَمَا يُذْكَرُ حُدُوثُ «الصَّيْحَةِ» أَوِ النِّدَاءِ السَّمَاوِيِّ، الَّذِي يُسْمَعُ فِي أَرْجَاءِ العَالَمِ، وَيُعْلِنُ اقْتِرَابَ الظُّهُورِ، فَيُثِيرُ ذُهُولَ النَّاسِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُصَدِّقِينَ وَالمُكَذِّبِينَ. وَمِنَ العَلَامَاتِ أَيْضًا خَسْفُ البَيْدَاءِ، حَيْثُ تَخْسِفُ الأَرْضُ بِجَيْشٍ مُعَادٍ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ آيَةً عَلَى التَّدَخُّلِ الإِلٰهِيِّ.
وَتُشِيرُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ إِلَى ظُهُورِ «النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ»، وَهُوَ شَخْصٌ يُقْتَلُ ظُلْمًا قَبْلَ الظُّهُورِ، فَيَكُونُ قَتْلُهُ مِنْ أَشَدِّ العَلَامَاتِ دَلَالَةً عَلَى اقْتِرَابِ التَّحَوُّلِ الكَبِيرِ.
وَإِلَى جَانِبِ هٰذِهِ العَلَامَاتِ الخَاصَّةِ، تُذْكَرُ أَحْوَالٌ عَامَّةٌ تَسُودُ العَالَمَ، مِثْلُ انْتِشَارِ الظُّلْمِ، وَفَقْدَانِ العَدَالَةِ، وَكَثْرَةِ الفِتَنِ، وَتَفَكُّكِ القِيَمِ، وَتَحَوُّلِ الحَقَائِقِ، حَيْثُ يَصِيرُ البَاطِلُ حَقًّا وَالحَقُّ بَاطِلًا فِي وَعْيِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.
هٰذِهِ الأَحْدَاثُ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ رَمْزِيَّةٍ وَقُوَّةٍ سَرْدِيَّةٍ، لَا تُمَثِّلُ فَقَطْ نِهَايَةَ التَّارِيخِ، بَلْ تَعْكِسُ صِرَاعًا دَائِمًا بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَتُجَسِّدُ حُلْمَ الإِنْسَانِ بِعَالَمٍ أَكْثَرَ عَدْلًا، حَيْثُ لَا يَكُونُ الظُّلْمُ قَدَرًا أَبَدِيًّا، بَلْ مَرْحَلَةً عَابِرَةً فِي طَرِيقِ الاكْتِمَالِ.
الإِسْخاتُولُوجِيَا، أَوْ عِلْمُ «أَوَاخِرِ الزَّمَانِ»، تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ الحُقُولِ حُضُورًا فِي الوَعْيِ الدِّينِيِّ الإِسْلَامِيِّ، لِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَسْئِلَةِ المَصِيرِ وَالدَّلَالَةِ وَالعَدَالَةِ المُؤَجَّلَةِ. وَفِي السِّيَاقِ الشِّيعِيِّ، تَكْتَسِبُ هٰذِهِ الرُّؤْيَةُ بُعْدًا خَاصًّا، إِذْ تَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِعَقِيدَةِ «الإِمَامِ الغَائِبِ» وَفِكْرَةِ الِانْتِظَارِ، لَا بِوَصْفِهَا حَالَةً زَمَنِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ كَمَوْقِفٍ وُجُودِيٍّ وَتَارِيخِيٍّ فِي آنٍ مَعًا.
فِي الرُّؤْيَةِ الشِّيعِيَّةِ، لَا تُفْهَمُ الإِسْخاتُولُوجِيَا كَمُجَرَّدِ سَرْدٍ لِأَحْدَاثٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ، بَلْ كَإِطَارٍ تَأْوِيلِيٍّ لِفَهْمِ الحَاضِرِ وَتَفْكِيكِ تَعْقِيدَاتِهِ. فَفِكْرَةُ «الظُّهُورِ» لَيْسَتْ فَقَطْ حَدَثًا زَمَنِيًّا مُؤَجَّلًا، بَلْ هِيَ أَيْضًا تَعْبِيرٌ عَنْ تَوْقٍ دَائِمٍ إِلَى إِقَامَةِ العَدْلِ الإِلٰهِيِّ فِي عَالَمٍ يَرْزَحُ تَحْتَ وَطْأَةِ الظُّلْمِ وَالِاخْتِلَالِ. وَمِنْ هُنَا، يَتَحَوَّلُ «الِانْتِظَارُ» مِنْ حَالَةٍ سُكُونِيَّةٍ إِلَى دِينَامِيَّةٍ نَفْسِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ، تَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى التَّهَيُّؤِ الدَّاخِلِيِّ وَالمُسَاهَمَةِ فِي إِصْلَاحِ الوَاقِعِ، وَلَوْ فِي أَضْيَقِ الحُدُودِ.
غَيْرَ أَنَّ الإِشْكَالِيَّةَ تَبْرُزُ حِينَ يُسْقِطُ الإِنْسَانُ هٰذَا التَّصَوُّرَ عَلَى الوَاقِعِ السِّيَاسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ أَوْ تَبْسِيطِيٍّ. فَكَثِيرًا مَا يُعَادُ تَأْوِيلُ الأَزَمَاتِ وَالحُرُوبِ وَالِاضْطِرَابَاتِ بِوَصْفِهَا «عَلَامَاتٍ» عَلَى اقْتِرَابِ النِّهَايَةِ، مِمَّا يُنْتِجُ نَوْعًا مِنَ التَّفْسِيرِ الغَيْبِيِّ لِلْأَحْدَاثِ، وَيُضْعِفُ القُدْرَةَ عَلَى تَحْلِيلِهَا ضِمْنَ شُرُوطِهَا التَّارِيخِيَّةِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى التَّوَتُّرُ بَيْنَ الإِيمَانِ كَأُفُقٍ مَعْنَوِيٍّ، وَالعَقْلِ كَأَدَاةٍ لِفَهْمِ الوَاقِعِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تَفْتَحُ الإِسْخاتُولُوجِيَا الشِّيعِيَّةُ مَجَالًا لِقِرَاءَةٍ نَقْدِيَّةٍ لِلْوَاقِعِ؛ إِذْ إِنَّ فِكْرَةَ «العَدْلِ المُؤَجَّلِ» تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا إِدَانَةً ضِمْنِيَّةً لِكُلِّ أَشْكَالِ الظُّلْمِ القَائِمِ. فَالِانْتِظَارُ، فِي عُمْقِهِ، لَيْسَ اسْتِسْلَامًا، بَلْ هُوَ رَفْضٌ لِلْوَاقِعِ كَمَا هُوَ، وَتَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّ مَا يَجْرِي لَيْسَ نِهَايَةَ التَّارِيخِ، بَلْ مَرْحَلَةٌ عَابِرَةٌ فِي مَسَارٍ أَطْوَلَ نَحْوَ تَحَقُّقِ العَدَالَةِ.
لٰكِنَّ التَّحَدِّيَ المُعَاصِرَ يَكْمُنُ فِي إِعَادَةِ تَأْوِيلِ هٰذِهِ المَفَاهِيمِ بِمَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَعْقِيدَاتِ العَالَمِ الحَدِيثِ. فَبَدَلَ اخْتِزَالِ الإِسْخاتُولُوجِيَا فِي سَرْدِيَّاتٍ كَارِثِيَّةٍ أَوْ تَوَقُّعَاتٍ زَمَنِيَّةٍ، يُمْكِنُ قِرَاءَتُهَا كَرَمْزِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تَدْعُو إِلَى اليَقَظَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، أَيْ تَحْوِيلُهَا مِنْ «تَنَبُّؤٍ بِالمُسْتَقْبَلِ» إِلَى «نَقْدٍ لِلْحَاضِرِ»، وَمِنِ انْتِظَارٍ سَلْبِيٍّ إِلَى وَعْيٍ فَاعِلٍ يَسْتَشْعِرُ دَوْرَهُ فِي صِيَاغَةِ الدَّلَالَةِ وَتَوْجِيهِ المَسَارِ.
وَإِذَا تَوَسَّعْنَا فِي النَّظَرِ، وَجَدْنَا أَنَّ الإِسْخاتُولُوجِيَا لَا تَعْكِسُ فَقَطْ إِيمَانًا بِالمُسْتَقْبَلِ، بَلْ تَكْشِفُ أَيْضًا عَنْ قَلَقٍ وُجُودِيٍّ عَمِيقٍ يَسْكُنُ الإِنْسَانَ. فَهِيَ لَيْسَتْ وَعْدًا مُطْمَئِنًّا بِقَدْرِ مَا هِيَ مِرْآةٌ لِهَشَاشَةِ الوَاقِعِ الإِنْسَانِيِّ وَعَجْزِهِ أَمَامَ الفَوْضَى وَالظُّلْمِ. وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، يُمْكِنُ فَهْمُ تَعَلُّقِ الإِنْسَانِ بِفِكْرَةِ «النِّهَايَةِ العَادِلَةِ» كَحَاجَةٍ نَفْسِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَقِيدَةً لَاهُوتِيَّةً.
إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ هُوَ تَحْوِيلُ هٰذِهِ الرُّؤْيَةِ إِلَى أَدَاةِ تَخْدِيرٍ جَمَاعِيٍّ، تُبَرِّرُ العَجْزَ وَتُضْفِي شَرْعِيَّةً عَلَى الِانْتِظَارِ السَّلْبِيِّ. فَعِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الِانْتِظَارُ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ الفِعْلِ، وَإِلَى تَعْوِيضٍ عَنِ الفَشَلِ فِي تَغْيِيرِ الوَاقِعِ، يُصْبِحُ خَطَرًا عَلَى الوَعْيِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَعْبِيرًا عَنْ إِيمَانٍ. وَهُنَا تَكْمُنُ الضَّرُورَةُ فِي تَحْرِيرِ الإِسْخاتُولُوجِيَا مِنْ قِرَاءَاتِهَا الجَامِدَةِ، وَإِعَادَةِ تَوْجِيهِهَا نَحْوَ تَفْعِيلِ الطَّاقَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ الكَامِنَةِ فِيهَا.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَعُدْ: مَتَى سَيَحْدُثُ الظُّهُورُ؟ بَلْ أَصْبَحَ: كَيْفَ نُعِيدُ فَهْمَ الِانْتِظَارِ؟ هَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ لِلزَّمَنِ، أَمْ فِعْلٌ أَخْلَاقِيٌّ دَاخِلَ الزَّمَنِ؟ وَهَلْ نَحْنُ مُجَرَّدُ مُتَرَقِّبِينَ لِنِهَايَةٍ مَكْتُوبَةٍ، أَمْ شُرَكَاءُ فِي صِيَاغَةِ الدَّلَالَةِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ العَالَمِ؟
هٰذَا هُوَ التَّحَدِّي الحَقِيقِيُّ الَّذِي تَطْرَحُهُ الإِسْخاتُولُوجِيَا اليَوْمَ عَلَى الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
