«حصار الحصار» ومأزق الرابح والخاسر في مضيق هرمز

«الخيار الدبلوماسي» هو الخيار الإيراني، على ما يقول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يعتبر أنّ واشنطن استدرجت طهران إلى الحرب مُكرهةً، ما اضطرها إلى الدفاع عن نفسها. ذلك أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبر الحرب «نزهة قصيرة» تستجيب خلالها الدولة الإيرانية للأهداف الأميركية. لكنّ خطأً شاب الحسابات الأميركية، إذ قدّر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو «مدة النزهة» بثلاثة أيام، فإذا بها تتجاوز شهورًا مُتعِبة.

صحيح أنّ المقاربات الإيرانية للحرب والدبلوماسية ليست متطابقة داخل إيران، وأنّ ثمة تباينات وفروقات بينها، إلا أنّ القرار يأتي في سياق من النقاش والتشاور، بحيث يصبح ملزمًا للجميع. وهو قرار يتقاطع عبر مؤسسات مختلفة، ولا تتحكم فيه جهة واحدة، وإنما تمليه المصلحة العامة، وخصوصًا فكرة السيادة الإيرانية.

لا شكّ في أنّ إيران منشغلة بمواجهة الحصار المفروض عليها، وكيفية محاصرته، بحيث يكون الهدف النهائي «حصار الحصار» بمختلف وجوهه البحرية والاقتصادية، بما في ذلك سياسات العقوبات. وتتمثل وسائل إيران لتحقيق ذلك.

أولًا، في توسيع شبكة المواجهة إيرانيًا، بهدف رفع تكلفة النفط ومواجهة الضغوط، وإلزام واشنطن بتوسيع نطاق المواجهة بحرًا وجوًا، واستدراجها إلى تورّط بري بمئات الآلاف من الجنود الأميركيين.

وثانيًا، الالتفاف على الحصار من خلال تطوير الطرق الالتفافية التي اعتمدتها طهران منذ ما يزيد على أربعين سنة، وملاءمتها مع الظروف الحالية.

وثالثًا، تعزيز التنسيق مع روسيا والصين، المستفيدتين من الانشغال الأميركي بإيران، للدفع نحو معادلة تعددية قطبية تكون الولايات المتحدة الأميركية المتضرر الأكبر منها.

ورابعًا، تمرّد دول كثيرة، من بينها دول حليفة للولايات المتحدة الأميركية، على الالتزام بالاستجابة للمطالب الأميركية المتعلقة بالحصار.

وخامسًا، المساندة المالية التي تقدمها بكين إلى طهران، من خلال تمكين الطيران المدني الإيراني «المعاقَب» أميركيًا من مواصلة رحلاته بين إيران والصين، بما يدعم إيران ماليًا؛ إذ ليست للصين مصلحة في رؤية إيران تنهار. على العكس، تكمن المصلحة الصينية في استمرار الاستنزاف الإيراني للولايات المتحدة الأميركية.

وسادسًا، توظيف إيران سياسة «حصار الحصار» من خلال ارتفاع الأسعار الحاد في الداخل الأميركي على أبواب الانتخابات النصفية الأميركية، وما قد يترتب عليه من نتائج غير إيجابية للحزب الجمهوري والرئيس ترامب.

وتواجه واشنطن هذه الحسابات الإيرانية بصعوبة، من خلال عدد من الإجراءات التي تتناول إضعاف ما تسميه «الأذرع الإيرانية» في اليمن ولبنان والعراق، ومعالجة مسألة تدفق النفط عبر مضيق هرمز بمدّ خطوط أنابيب نفطية بحرية في المملكة العربية السعودية، ومن العراق باتجاه بانياس في سوريا، وكذلك في اتجاه تركيا.

أي إنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تربط العودة إلى المفاوضات باستباق الانتخابات النصفية الأميركية، لكونها تعرف مسبقًا أنّ طهران تراهن على تحولات في مرحلة ما بعد الانتخابات، التي لا تضع حدًا لهامش المناورة العسكري والاقتصادي والدبلوماسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يمكنه أن يختار بين اتجاهات مختلفة تمليها عليه مقاربته الشخصية لمفهوم «الصفقة».

وبالتأكيد، يمكن لسيد البيت الأبيض أن يأخذ بخيار استخدام السلاح النووي التكتيكي الذي لجأ إليه سلفه، الرئيس جورج بوش الابن، في مطار بغداد. إلا أنّ مثل هذا الخيار قد يدفع إيران، بدورها، إلى استخدام صواريخ متطورة وبعيدة المدى يصل مداها إلى شرق الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ تفيد المعلومات بأنّ كوريا الشمالية زوّدت إيران بمثل هذه الصواريخ. كما أنّ الأمر قد يفتح شهية روسيا لاستخدام أسلحة نووية تكتيكية في أوكرانيا، وكذلك شهية الصين لاستخدامها في تايوان حسمًا للأمور.

واستطرادًا، كانت القوات العسكرية التابعة لجورج بوش الابن على أبواب بغداد وفي مطارها، فيما تقيم قوات دونالد ترامب العسكرية في البحار وفي قواعد عسكرية مهددة.

وعلى ما يبدو، فإنّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يعيق مساعي البيت الأبيض لإعلان إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، من خلال فتح مفاوضات مباشرة روسية-أوكرانية-أميركية قبل الانتخابات النصفية الأميركية. فالرئيس الأوكراني طالب الوسيطين الأميركيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بمزيد من صواريخ «باتريوت» الأميركية، وبتزويد كييف بالطاقة والوقود، وبمشاركة رؤساء مجالس الأمن القومي في بريطانيا والنمسا وألمانيا في أي مفاوضات لإنهاء الحرب.

وهذا أمر يرفضه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفضًا قاطعًا، على ما ينقله الباحث الدكتور رامي الشاعر، المستشار في وزارة الخارجية الروسية.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.