قبل ساعات من انعقاد الجلسة التشريعية لمجلس النواب، يجد ملف الجامعة اللبنانية نفسه في بؤرة السجال القانوني والمؤسساتي. إن النقاش الدائر حول اقتراح تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 66/2009، الذي يرمي إلى إتاحة تجديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية، يتجاوز الأبعاد الإجرائية الآنية، لينخرط في صلب نقاش بنيوي أعمق يتعلق بعلم الاجتماع السياسي وفلسفة الحوكمة الأكاديمية، وحدود مرونة التشريع، وقدرة المؤسسات العامة الكبرى على إدارة استمراريتها في ظل أزمات وطنية مركبة.
ومن منظور السوسيولوجيا السياسية، وتحديداً من وحي أطروحات السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر حول أنماط السلطة والبيروقراطية الحديثة، تتبدى لنا إشكالية الجامعة اللبنانية كنموذج تطبيقي للصراع الدائم بين “عقلنة القواعد الإدارية” و”متطلبات الفعالية القيادية”. ففي حين يؤصل فيبر للنموذج البيروقراطي بوصفه حكماً للقواعد الموضوعية المجردة التي تحمي المؤسسة من الذاتية والشخصنة، فإنه في الوقت ذاته يعترف بالدور الحاسم للقيادة والشرعية العقلانية-القانونية التي تحتاج إلى هامش من الحركة لإخراج البنى المؤسسية من حالة “القفص الحديدي” والجمود الإداري، لا سيما في لحظات التحول والأزمات الوجودية.
ويفرض هذا المدخل المعرفي نزع صفة الشخصنة أو التسييس الظرفي عن الطرح؛ فالمسألة لا ترتبط بكفاءة رئيس الجامعة الحالي أو بفرص أي مرشح محتمل، بل تتمحور حول سؤال سوسيولوجي ومؤسساتي أوسع: إلى أي مدى يستطيع النص التشريعي أن يوازن بين ضرورة تداول المسؤولية القيادية التي يفرضها النموذج العقلاني، وحاجة المؤسسة إلى الاستقرار والتراكم الاستراتيجي الذي تقوده قيادة تنفيذية متمكنة؟
فالجامعة اللبنانية، بوصفها الجامعة الوطنية الرسمية الوحيدة، ليست مجرد إدارة تخضع لدورة تعيينات دورية، بل هي مؤسسة أكاديمية معقدة تتراكم داخلها الخبرات، والبرامج، والشراكات، والأنظمة الإدارية، والمشاريع التطويرية. ومن هنا، فإن أي نقاش حول قواعد قيادتها العليا لا ينبغي أن يُختزل في الأشخاص، بل يجب أن ينطلق من إعادة التفكير في هندسة الحوكمة القادرة على حماية المؤسسة من مخاطر الشلل الإداري كما من مخاطر الشخصنة والتسييس الفئوي.
أثر المداورة الزمنية على التراكم المؤسسي
حين اتجه المشرّع اللبناني عام 2009 إلى حظر التجديد المتتالي لرئيس الجامعة وعمدائها ومديري الفروع، كان مدفوعاً برؤية تشريعية تهدف إلى تكريس مبدأ تداول المسؤولية ومنع احتكار المواقع الأكاديمية والإدارية العليا. وقد عكس هذا الخيار رغبة مشروعة في تعزيز دينامية التداول داخل مؤسسة عانت تاريخياً من تأثيرات سياسية وشخصية في إدارة مواقعها القيادية.
غير أن إخضاع هذه التجربة للتقييم المؤسسي بعد مرور سنوات طويلة يفرض طرح سؤال مختلف: هل حققت المداورة الزمنية أهدافها المرجوة فقط، أم أنها أنتجت أيضاً كلفة بنيوية مرتبطة بانقطاع التراكم الإداري والاستراتيجي؟
ولعل القراءة السوسيولوجية لآثار هذه المداورة الزمنية تجد تأصيلها الأعمق في أطروحة السوسيولوجي الأمريكي روبرت ميرتون (Robert K. Merton) حول “العواقب غير المقصودة للفعل الاجتماعي المخطط” (Unintended Consequences)، وتحديداً مفهومه عن “الطقوسية البيروقراطية” (Bureaucratic Ritualism). يوضح ميرتون كيف أن القواعد الصارمة التي توضع أصلاً كـ “وسائل” لتحقيق أهداف نبيلة (مثل منع الاحتكار وتكريس الديمقراطية عبر المداورة)، تنحرف مع الوقت لتتحول هي نفسها إلى “غايات” مطلقة يُتعبد في محرابها. وفي حالة الجامعة اللبنانية، أدت صلابة النص القانوني إلى حالة من “القصور المدرَّب” (Trained Incapacity)؛ حيث يصبح تطبيق بند انتهاء الولاية بشكل آلي وجاف أهم من حماية استقرار المرفق العام واستكمال مشاريعه الحيوية، مما يولد عواقب غير مقصودة تضر بجوهر العملية الأكاديمية وصورتها الاستراتيجية.
إن المؤسسات الجامعية الكبرى لا تعمل وفق دورات قصيرة الأمد، إذ إن الخطط الأكاديمية، ومشاريع الهيكلة، والتحول الرقمي، وبناء الشراكات الدولية، وتطوير الأنظمة المالية والإدارية، تحتاج عادة إلى رؤية زمنية تتجاوز ولاية قيادية واحدة لكي تبلغ مرحلة النضج وتظهر نتائجها. ومن هنا، فإن فرض تغيير القيادة بصورة آلية عند نهاية مدة محددة قد يؤدي إلى ما يعرف في أدبيات الإدارة العامة بمفهوم “صدمة التناوب غير السلس” (Disruptive Turnover)، حيث تخسر المؤسسة جزءاً من ذاكرتها التنظيمية، وتضطر الإدارة الجديدة إلى استهلاك جزء كبير من ولايتها في فهم الملفات المتراكمة، وإعادة بناء شبكات العمل الداخلية والخارجية، بدلاً من توجيه الجهد نحو تطوير المؤسسة.
ولا يعني ذلك أن تغيير القيادات يمثل بالضرورة عاملاً سلبياً؛ فالتجديد الإداري قد يكون مصدراً مهماً للتطوير وإدخال رؤى جديدة. إلا أن الإشكالية تظهر عندما يتحول التداول من آلية لتحقيق الحيوية المؤسسية إلى قاعدة زمنية جامدة لا تأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف وحاجات المؤسسة. فالجامعة ليست مشروعاً شخصياً لرئيسها، بل هي كيان تراكمي يعتمد على استمرارية المعرفة التنظيمية، وعلى قدرة الإدارة على متابعة المشاريع بعيدة المدى دون انقطاع قسري.
الجامعة كمؤسسة تنظيمية معقدة: الإطار النظري للتحليل
لا يمكن فهم إشكالية استقرار القيادة الجامعية من خلال منطق مدة الولاية وحده، بل يجب النظر إلى الجامعة بوصفها مؤسسة تنظيمية معقدة تجمع بين وظائف متعددة: إنتاج المعرفة، وإدارة الموارد، وبناء الشبكات الأكاديمية، والحفاظ على الاستقلالية العلمية، وضمان استمرارية الخدمات التعليمية.
وتشير أدبيات الإدارة الجامعية الحديثة، ولا سيما أعمال الباحث بيرتون كلارك (Burton R. Clark) حول طبيعة الجامعة المعاصرة، إلى أن المؤسسات الأكاديمية الناجحة لا تقوم فقط على تداول القيادات، بل على قدرتها على تحقيق توازن بين التجديد القيادي والمحافظة على التراكم المؤسسي. فالقيادة الجامعية ليست مجرد وظيفة إدارية، بل هي عملية بناء طويل الأمد للقدرات التنظيمية والهوية المؤسسية.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون حول رغبتنا في بقاء الشخص أو تغييره، بل حول طبيعة النظام القيادي الذي يسمح للمؤسسة بالاستفادة من الخبرة المتراكمة، مع الحفاظ على آليات المساءلة والتجديد. وهنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من منطق “الاستمرارية الشخصية” إلى مفهوم أكثر دقة هو “الاستمرارية المؤسسية المشروطة بالأداء”؛ أي أن بقاء القيادة لا يكون قيمة بحد ذاته، كما أن تغييرها لا يكون فضيلة بحد ذاته، بل يخضع كلاهما لمعيار قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
النماذج الجامعية المقارنة بين المرونة والمساءلة
تكشف القراءة المقارنة للأنظمة الجامعية في عدد من الدول المتقدمة أن الحوكمة الأكاديمية الحديثة لم تعد تقوم على مبدأ التداول الزمني الآلي وحده، بل أصبحت تعتمد على معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين استقرار القيادة، وتقييم الأداء، وقدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ففي النظام الجامعي الفرنسي، وبعد إصلاحات استقلالية الجامعات، ولا سيما ضمن الإطار التشريعي المعروف بقانون استقلالية الجامعات (Loi relative aux libertés et responsabilités des universités – LRU)، يُنتخب رئيس الجامعة عادة لولاية محددة قابلة للتجديد مرة واحدة متتالية. ويهدف هذا النموذج إلى تأمين فترة زمنية تسمح للقيادة الجامعية بتنفيذ برنامجها، مع إبقاء باب التداول مفتوحاً وعدم تحويل المنصب إلى موقع دائم.
أما في كندا، فتتبنى الجامعات الكبرى نموذجاً أكثر مرونة، حيث تُحدد ولاية رئيس الجامعة عادة بفترة أولى تمتد نحو خمس سنوات، وتُربط إمكانية التجديد بتقييم الأداء والنتائج المحققة، وليس بمجرد انقضاء مدة زمنية حدية. ويستند هذا النموذج إلى فكرة أساسية مفادها أن استمرار القيادة لا ينبغي أن يكون حقاً شخصياً، بل نتيجة علاقة مؤسساتية واضحة بين الأداء والثقة.
وفي بريطانيا، تعتمد الجامعات العريقة نموذجاً يقوم على دور مجالس الأمناء أو المجالس الحاكمة في تقييم أداء رئيس الجامعة وربط استمراره بقدرته على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة. فالقيادة الجامعية لا تُقاس فقط بمدة شغل المنصب، بل بمدى نجاحها في تطوير الجامعة، وتعزيز موقعها الأكاديمي، وإدارة مواردها بكفاءة.
وتكشف هذه النماذج أن الاتجاه العالمي المعاصر يميل إلى الانتقال من منطق “المداورة الزمنية الآلية” إلى منطق “المساءلة القائمة على الأداء” (Performance-Based Accountability). وهذا لا يعني إلغاء مبدأ التداول، بل يعني إعادة صياغته بطريقة تمنع أن تتحول مدة الولاية إلى عائق أمام استكمال المشاريع الاستراتيجية. ومن هنا، فإن الاستفادة من التجارب المقارنة تعني استخلاص مبدأ عام مفاده أن المؤسسات الناجحة لا تحمي نفسها فقط من خطر استمرار الأشخاص، بل تحمي نفسها أيضاً من خطر فقدان الخبرة والتراكم عندما تصبح القواعد الجامدة أقوى من حاجات المؤسسة الفعلية.
التأصيل القانوني لمفهوم مرونة التشريع
من الناحية الفقهية والقانونية، لا يمكن النظر إلى التشريع باعتباره نصاً جامداً منفصلاً عن الواقع الاجتماعي والمؤسساتي الذي ينظمه. فالقانون ليس غاية قائمة بذاتها، بل هو أداة لتحقيق المصلحة العامة وتنظيم عمل المؤسسات وضمان انتظامها. وينطلق هذا التصور من مبدأ أساسي راسخ في القانون الإداري هو مبدأ “سير المرافق العامة بانتظام واطراد” (Continuity of Public Service).
ويُعدّ هذا المبدأ من المبادئ العامة المستقرة في القانون الإداري التي توجه تفسير النصوص المتعلقة بالمرافق العامة؛ إذ يفرض على الدولة تأمين استمرار المرافق الحيوية وعدم السماح بتعطلها أو تعثرها نتيجة قصور في القواعد التنظيمية أو عدم ملاءمتها للظروف المستجدة.
ولا يعني ذلك تجاوز القانون أو تعطيل قواعد الحوكمة، بل يعني أن القانون نفسه يجب أن يمتلك قدرة على التكيف مع الواقع؛ فالتشريع الناجح ليس هو الذي يبقى ثابتاً مهما تغيرت الظروف، بل هو الذي يحافظ على الغاية التي وُضع من أجلها عبر تعديل الوسائل عندما تصبح غير ملائمة. ومن هنا يبرز مفهوم “التكيف التشريعي” (Legislative Flexibility)، أي قدرة المشرّع على مراجعة بعض القواعد عندما تكشف التجربة العملية أن التطبيق الحرفي لها قد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع الهدف المؤسسي الذي أراد القانون تحقيقه.
فالقانون رقم 66/2009 جاء في سياق تاريخي هدفه تعزيز المداورة ومنع احتكار المواقع القيادية. غير أن مرور سنوات طويلة على تطبيقه يفرض إجراء مراجعة تقييمية جادة: هل ما زالت الوسيلة التي اعتمدها المشرّع تحقق الغاية المرجوة؟ أم أن بعض جوانبها أصبحت تحتاج إلى إعادة ضبط بما ينسجم مع حاجات الجامعة الحالية؟ إن مراجعة النص التشريعي لا تعني بالضرورة التراجع عن فلسفة التداول، بل قد تعني الانتقال إلى صيغة أكثر توازناً تجمع بين التداول والاستقرار.
وفي حالة الجامعة اللبنانية تحديداً، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب غياب مجلس الجامعة، وهو أحد المكونات الأساسية في بنية الحوكمة الأكاديمية. فهذا الغياب لا يمكن أن يتحول إلى عامل إضافي لتعطيل قدرة المؤسسة على إنتاج الحلول، بل يجب أن يدفع نحو معالجة الخلل المؤسساتي وتأمين انتقال إداري منظم. ومن هذا المنظور، فإن التعديل المقترح لا ينبغي أن يُفهم بوصفه منح استمرارية تلقائية لشخص معين، بل باعتباره إعادة فتح لإمكان الاختيار ضمن آلية قانونية تبقي سلطة التعيين النهائية ضمن الأطر الدستورية والإدارية المعتمدة في البلاد.
غياب مجلس الجامعة وإشكالية الحوكمة
يشكل غياب مجلس الجامعة اللبنانية أحد أكثر العناصر حساسية في النقاش الدائر حول تعديل قانون تنظيم الجامعة. فالمجلس ليس مجرد هيئة استشارية، بل يمثل ركناً أساسياً في بنية الحوكمة الأكاديمية، إذ أناط به القانون أدواراً مركزية في إدارة العملية المؤسسية، ولا سيما في ما يتعلق بدرس طلبات الترشيح لمنصب رئيس الجامعة، والنظر في الاعتراضات، واختيار قائمة المرشحين ورفعها إلى الجهات المختصة قانوناً.
وهنا تكتسب مقاربة عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كروزيه (Michel Crozier) في تحليله للظاهرة البيروقراطية أهمية قصوى، لا سيما عند إسقاطها على الإدارات العامة في المجتمعات المتوسطية التي تتميز بمركزية شديدة وتداخل معقد للولاءات والمصالح. يرى كروزيه في كتابه العمدة “الظاهرة البيروقراطية” أن الفاعلين داخل المؤسسة لا يتعاملون مع القوانين كأطر تنظيمية محايدة، بل كأدوات في صراع القوة والنفوذ. وفي ظل غياب مجلس الجامعة، يتسع ما يطلق عليه كروزيه “مناطق عدم اليقين” (Zones of Uncertainty)؛ وهي المساحات الهلامية التي تفتقر لقواعد حسم واضحة.
في هذه البيئة، يتحول جمود النص التشريعي أو غياب الهياكل الرقابية إلى “مورد قوة” تستخدمه الأطراف السياسية والأكاديمية المتنافسة لتعزيز مواقعها أو لتعطيل خصومها، بدلاً من أن يكون أداة لتحقيق الفعالية التنظيمية. إن “الجمود” البيروقراطي في القراءة الكروزيهية ليس مجرد خلل طارئ، بل هو استراتيجية دفاعية تلجأ إليها البنى المؤسسية المتوسطية لحماية توازناتها الهشة عند مواجهة أي استحقاق تغييري، مما يفسر صعوبة إنتاج توافقات داخلية سلسة.
لذلك، فإن غياب المجلس يطرح إشكالية تتجاوز مسألة الشغور الإداري لتصل إلى سؤال أعمق يتعلق بشرعية آليات إنتاج القيادة الجامعية وسلاستها؛ فكيف يمكن ضمان سلامة مسار الاختيار في ظل غياب إحدى الجهات الهيكلية التي حددها القانون أصلاً للمشاركة في هذا المسار؟ غير أن هذا الواقع المعقد لا ينبغي أن يؤدي إلى نتيجة عكسية، أي اعتبار غياب المجلس سبباً كافياً لتعطيل قدرة الجامعة على التكيف؛ فغياب هيئة قانونية بسبب تقاعس السلطة التنفيذية المتعاقبة عن تشكيلها لا يمكن أن يتحول إلى قيد دائم يمنع المؤسسة من معالجة استحقاقاتها الأساسية وتجاوز عثراتها الإدارية.
وهنا تظهر مفارقة مؤسساتية واضحة: فالمشكلة الأولى تتمثل في عدم استكمال بنية الحوكمة، والمشكلة الثانية تتمثل في احتمال استخدام هذا النقص ذاته كذريعة لمنع أي تعديل أو معالجة قانونية منقذة للمرفق العام. ولذلك فإن المقاربة الأكثر اتزاناً تقتضي معالجة الأمرين معاً بالتوازي: إعادة تفعيل مجلس الجامعة كأولوية مؤسساتية قصوى، مع إيجاد آلية انتقالية مرنة تضمن عدم تعرض الجامعة للفراغ القاتل. وفي هذا السياق، لا بد من التمييز الدقيق بين حماية المؤسسة من الفراغ الإداري، وضمان عدم استخدام الظروف الاستثنائية لتجاوز قواعد الحوكمة والرقابة العامة. فالمؤسسة القوية ليست التي تتمسك بالنص الحرفي بمعزل عن إكراهات الواقع، كما أنها ليست التي تتجاوز القوانين بحجة الضرورة، بل هي التي تطور بوعي آليات قانونية ذكية تحقق التوازن المطلوب بين الشرعية الدستورية والاستمرارية العملية.
إشكالية القانون الظرفي بين حماية المؤسسة وخطر الشخصنة
في المقابل، يثير معارضو التعديل إشكالية قانونية مهمة تتمثل في احتمال تحول التشريع إلى ما يعرف في الفقه القانوني بمفهوم “القانون الظرفي” (Loi de circonstance)، أي القانون الذي يُصاغ لمعالجة حالة محددة أو استحقاق قائم بدلاً من وضع قاعدة عامة مجردة. وتستند هذه المخاوف إلى أن توقيت طرح التعديل يتزامن مع انتهاء ولاية رئيس الجامعة الحالي، مما قد يعطي انطباعاً بأن النص لا يعالج مشكلة عامة بقدر ما يستجيب لحالة خاصة بذاتها.
إن عدم جواز “القانون الظرفي” لا يتوقف فقط عند حدود استفادة شخص معين منه أو ملاءمته لمصلحة فردية عابرة، بل يكمن في المقام الأول في مدى افتقاد النص لمعياري العمومية والتجريد؛ وهما الركنان الجوهريان لشرعية أي قاعدة قانونية في دولة القانون. فإذا جُرّد النص من طابعه العام ليصبح مفصلاً على قياس حالة بعينها، فإنه يفقد طبيعته التشريعية ويتحول إلى قرار إداري مقنّع يخل بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون وتكافؤ الفرص.
غير أن معالجة هذه الإشكالية لا تكون برفض مبدأ المرونة التشريعية، بل بضمان أن يكون التعديل عاماً ومجرداً وقابلاً للتطبيق على كل من تنطبق عليه الشروط القانونية مستقبلاً. فالفرق جوهري بين تعديل يهدف إلى منح شخص محدد حق البقاء، وتعديل يعيد تنظيم شروط تولي المنصب بوجه عام بحيث يتيح المنافسة الشفافة أمام جميع أصحاب الكفاءة. الأول يمثل خروجاً على مبدأ عمومية القانون، أما الثاني فهو ممارسة طبيعية لوظيفة المشرّع في تطوير القواعد القانونية وتحديثها.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتركز فقط على سؤال مدى استفادة الرئيس الحالي من التعديل، بل على سؤال أكثر عمقاً: هل ينتج النظام الجديد آلية عادلة وشفافة لاختيار الأفضل؟ ولهذا فإن أي تعديل تشريعي في هذا الاتجاه قد يحتاج إلى ضمانات واضحة تمنع تضارب المصالح، وتحافظ على تكافؤ الفرص، وتضمن أن تكون إعادة الترشح خاضعة لتقييم مؤسسي صارم لا إلى اعتبارات سياسية أو شخصية عابرة.
الاستمرارية المؤسسية والاستمرارية الشخصية: ضبط الإشكالية
يتمحور جوهر الخلاف حول مفهومين قد يبدوان متعارضين في الظاهر، لكنهما يعبران عن حاجتين مؤسساتيتين متكاملتين في العمق: استمرارية المؤسسة وتجدد القيادة. فالمدافعون عن التعديل ينطلقون من أن الجامعة اللبنانية تمر بمرحلة استثنائية دقيقة تحتاج فيها إلى تراكم الخبرة واستكمال مشاريع استراتيجية قائمة، وأن تغيير القيادة في لحظة حرجة كهذه قد يؤدي إلى خسارة جزء كبير من هذا التراكم المعرفي.
أما المعارضون فيرون أن فتح باب التجديد قد يؤدي إلى إضعاف مبدأ التداول العام، وإعادة إنتاج نمط من الاستمرارية الشخصية في المواقع العامة، بما يتعارض كلياً مع الفلسفة الإصلاحية التي قام عليها قانون 66/2009.
والواقع أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الاستمرارية بحد ذاته، بل بالسؤال الجوهري حول مصدر هذه الاستمرارية ومشروعيتها: هل تستمد مشروعيتها من الشخص الذي يشغل الموقع كفرد، أم من قدرة المؤسسة الذاتية على ضمان انتقال سلس ومتراكم بين القيادات المتعاقبة؟ فالجامعة لا ينبغي أن تعتمد على بقاء أي فرد مهما بلغت كفاءته، لأن المؤسسة التي ترتبط مصيرياً بشخص واحد تصبح هشة في بنيتها؛ وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تتجاهل قيمة الخبرة المتراكمة وتفرض تغييراً آلياً جافاً دون تقييم حقيقي للأداء قد تخسر موارد إدارية وتخطيطية لا تُعوض بسهولة.
ولهذا فإن الحل الأكثر نضجاً يكمن في الانتقال الحاسم من مفهوم استمرارية الأشخاص إلى مفهوم استمرارية الأداء المؤسسي؛ أي أن معيار استمرير القيادة لا يكون الرغبة في الحفاظ على الشخص كامتياز، كما أن معيار تغييرها لا يكون مجرد انتهاء المدة الزمنية كعقوبة، بل قدرة القيادة الحقيقية على تحقيق أهداف استراتيجية واضحة وقابلة للقياس والتقييم الفعلي.
نحو نموذج لبناني متوازن لحوكمة الجامعة
إن الخروج من الثنائية الحادة والاصطفاف التقليدي بين خياري “التجديد المطلق” و”المداورة الجامدة” يتطلب إعادة صياغة النموذج الحاكم للجامعة اللبنانية برمتها. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في وجود إمكانية للتجديد بحد ذاتها، ولا في وجود قاعدة للتداول كقيمة مجردة، بل في غياب نظام مؤسساتي متكامل يربط القيادة بالمحاسبة والتقييم الفعلي للأداء. ومن هنا يمكن تصور نموذج عملي متوازن يقوم على مفهوم “الاستمرارية المشروطة بالأداء”، بحيث يصبح التجديد ممكناً قانوناً ولكن ضمن ضوابط مؤسساتية صارمة تمنع تحوله إلى حق شخصي أو تمديد مغلق.
ويفترض هذا النموذج المأمول تطبيق مجموعة من المبادئ البنيوية المتكاملة:
- تحديد سقف زمني صارم وواضح لعدد مرات التجديد المتاحة قانوناً، بما يمنع بشكل قاطع احتكار الموقع القيادي ويحافظ على حيوية مبدأ التداول العام.
- ربط أي تجديد أو إعادة ترشح بتقييم دوري وموضوعي للأداء المؤسسي، يشمل مدى تنفيذ الخطط الاستراتيجية المقرة، وتحسين الإدارة المالية، وتعزيز الإنتاج الأكاديمي والبحثي، وتطوير شبكة العلاقات الدولية للجامعة.
- إعادة تفعيل مجلس الجامعة فوراً وتعزيز دوره الرقابي الأكاديمي، باعتباره الضامن الأساسي للتوازن بين الاستقلالية العلمية والرقابة الإدارية للمؤسسة.
- وضع قواعد قانونية صارمة لمنع حالات تضارب المصالح، خصوصاً عندما يكون شاغل الموقع الحالي للرئاسة من بين المرشحين المؤهلين للاستمرار أو إعادة التعيين.
- تعزيز استقلالية ونزاهة آليات اختيار القيادات الجامعية، بحيث يصبح معيار الكفاءة والقدرة الإدارية المثبتة هو العامل الحاسم والوحيد في الاختيار، بعيداً عن ضغوط الاصطفافات السياسية أو المحاصصات والتوازنات الخارجية الطارئة.
بهذه الصيغة المتكاملة، لا تتحول المرونة التشريعية إلى باب خلفي للتمديد المفتوح غير الخاضع للمساءلة، ولا تتحول المداورة إلى قاعدة جامدة قد تطيح بمشاريع المؤسسة وتضر بمصالحها العليا فالغاية النهائية في النهاية ليست حماية الأشخاص أو إقصاءهم، بل حماية الجامعة الوطنية نفسها كصرح للجميع.
خريطة القوى النيابية وموازين التعطيل البرلماني
تنعكس هذه الفلسفات المتعارضة بوضوح على المشهد النيابي عشية الجلسة التشريعية المرتقبة، حيث تشير تقديرات صحفية واكبت التحضيرات البرلمانية وتصريحات معلنة لممثلي الكتل الأساسية إلى تقارب شديد بين مؤيدي التعديل ومعارضيه، مما ينقل معركة الحسم من مضمون المادة القانونية إلى كواليس آليات إدارة الجلسة وتأمين نصابها القانوني.
ووفقاً لتلك التقديرات الصحفية المتقاطعة ومواقف الكتل المعلنة، تتألف جبهة المؤيدين للتعديل من ائتلاف نيابي وازن يقارب ثمانية وخمسين نائباً؛ ويبرز في طليعة هذه الجبهة ثنائي حركة أمل وحزب الله (بنحو اثنين وثلاثين نائباً) تماشياً مع مواقفهما المؤيدة للحفاظ على استقرار الهيكل التنظيمي الحالي للجامعة وتفادي الفراغ؛ وينضم إلى هذا الخيار تكتل المردة وحلفائه (بنحو ثمانية نواب)، واللقاء الديمقراطي (بنحو ثمانية نواب) انطلاقاً من مقاربة معلنة تؤثر حماية استمرارية المرفق العام في الظروف الراهنة، فضلاً عن مجموعة من النواب المستقلين والوسطيين (يقدرون بنحو عشرة نواب) يتجهون لتجنب الشغور الإداري في رئاسة الجامعة.
في المقابل، تتشكل جبهة المعارضين للتعديل المقترح من كتلة متماسكة تشير التقديرات الصحفية وبيانات القوى السياسية إلى أنها تضم نحو خمسين نائباً؛ ويقود هذا التوجه تكتل الجمهورية القوية (بنحو تسعة عشر نائباً) تمسكاً بمبدأ المداورة ورفض الاستثناءات التشريعية، ويتقاطع معه تكتل لبنان القوي (بنحو أربعة عشر نائباً)، ينضم إليهم نواب حزب الكتائب وتكتل “تجدد” (بنحو ثمانية نواب)، بالإضافة إلى عدد من نواب التغيير والمستقلين (بنحو تسعة نواب) يرفعون هواجس ترتبط بضرورة صون آليات الحوكمة الرشيدة وتجنب القوانين المفصلة؛ في حين يُتوقع أن يبقى عدد من النواب المستقلين خارج هذا الاصطفاف المباشر عبر الغياب أو الامتناع عن التصويت.
وفي ظل هذا التقارب الرقمي الحرج بين الجبهتين، يصبح العامل الحاسم في المعركة ليس فقط الأصوات داخل صندوقة الاقتراع البرلمانية، بل القدرة العملية لكل طرف على اللعب بورقة النصاب القانوني المطلوب لانعقاد الجلسة التشريعية وهو خمسة وستون نائباً؛ وهنا يتحول سلاح “تطيير النصاب” إلى أداة سياسية برلمانية أساسية يمكن للمعارضة استخدامها بكفاءة لتعطيل تمرير التعديل المقترح وإحباطه تحت قبة البرلمان. وبذلك، يتحول الاستحقاق من نقاش تقني حول مادة قانونية إلى اختبار حقيقي لطبيعة النظام البرلماني اللبناني وقدرته على إنتاج تسويات وسطية تحمي المؤسسات الوطنية الكبرى في زمن الأزمات الوجودية.
الخلاصة والاستشراف السوسيولوجي
تكشف قضية تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 66/2009 أن النقاش حول رئاسة الجامعة اللبنانية يتجاوز بكثير مسألة إدارية ظرفية مرتبطة بانتهاء ولاية رئيس أو بإمكان تجديدها، ليتحول إلى اختبار سوسيولوجي وتاريخي أوسع لطبيعة العلاقة البنيوية بين التشريع والمؤسسة في لبنان، وبين قواعد الحوكمة ومتطلبات الواقع العملي المعقد.
في العمق، نحن أمام توتر بنيوي وتاريخي مستمر بين منطقين مشروعين في إدارة شؤون الدولة ومؤسساتها العامة:
- المنطق الأول: ينطلق من أولوية صيانة القاعدة القانونية المستقرة وعموميتها، ويرى أن حماية الجامعة اللبنانية واستقلاليتها تمر حتماً عبر تكريس مبدأ المداورة ومنع ربط المناصب القيادية بالأشخاص أو القوى الداعمة لهم؛ ووفق هذا المنظور المعياري، فإن فتح باب التجديد يمثل مساساً بفلسفة قانون 2009 الإصلاحية، ويضعف مبدأ تداول السلطة داخل الصرح الأكاديمي.
- المنطق الثاني: يستند بالكامل إلى أولوية الاستمرارية المؤسسية وواقعية الأداء، ويرى أن حماية الجامعة الوطنية في زمن الانهيارات الكبرى لا تكون بالتشبث بقواعد صماء قد تؤدي إلى الشلل، بل عبر الحفاظ على التراكم المعرفي والإداري؛ ووفق هذا المنظور الواقعي، فإن النص القانوني إذا تحول بتطبيقه الآلي إلى عامل مهدد لاستقرار المرفق العام أو متسبب في إدخاله نفق الفراغ، فإنه يفقد غايته الأساسية ويستوجب التعديل والتطوير فوراً تلبية لحاجة المؤسسة.
ولا يمكن ولا ينبغي حسم هذا السجال السوسيولوجي والسياسي عبر تغليب أحد المنطقين وإلغاء الآخر بالكامل؛ لأن كليهما يلامس حقيقة بنيوية من أزمة النظام المؤسساتي اللبناني. فالمداورة تظل صمام أمان ضروري لحيوية المؤسسة ومنع شخصنة السلطة، لكنها تفقد قيمتها إذا تحولت إلى أداة عمياء تقصي الكفاءات وتجهض الخطط بعيدة المدى؛ والاستمرارية تظل شرطاً أساسياً لنجاح واستقرار المشاريع الكبرى، لكنها تتحول إلى خطر داهم إذا اتُخذت كغطاء لتثبيت الأشخاص وتكريس المحسوبيات السياسية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي والعميق المطروح أمام المشرّع اللبناني اليوم ليس في المفاضلة التبسيطية بين بقاء شخص الرئيس الحالي أو تغييره، بل في القدرة على صياغة فلسفة تشريعية جديدة للجامعة الوطنية؛ فلسفة تنظر إلى القانون بوصفه أداة حية تخدم حيوية المؤسسة وتكيفها، وتبني مرونة منضبطة بالمعايير والمساءلة، وتجعل الكفاءة والأداء هما معيار البقاء أو التغيير. إن مستقبل الجامعة اللبنانية واستقرارها لا يتوقفان على اسم رئيسها المقبل بقدر ما يتوقفان على شجاعة الدولة في بناء نموذج حوكمة ناضج، يجعل المؤسسة بآلياتها ومجالسها أقوى من هيمنة الأشخاص، وأكثر مرونة وعصمة من نصوص القوانين الجامدة.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
