ليس السؤال: هل كل أسطوانة مفرغة مدفع؟ فهذا سؤال يُجاب عنه بالنفي. لكن السؤال الأوجع: لماذا يُصرّ كثيرون على حشو جذوع التوت بالبارود، ثم يتفاجأون حين تتطاير شظاياها الخشبية في كل اتجاه، فتصيب الحليف والصديق، وترتد إليهم محرقة أيديهم ولا تُصيب الهدف؟
الفرق بين الأسطوانة المفرغة والمدفع الحديدي ليس شكلاً، بل هو جوهرٌ ونتيجةٌ. الأولى تنفجر عشوائياً، فلا تصمد لارتداد واحد، فتصبح نيراناً صديقة بامتياز. والثاني يُصنع بحسابات الفولاذ وزاوية الرمي ومسار القذف، فيرفع احتمال إصابة الهدف ويُحدّ من الإصابة الجانبية، ويتوقع مسار الارتداد قبل أن ينطلق.
هذا التشبيه هو مفتاح قراءة تصريح النائب جميل السيد بعد خطاب الرئيس نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر. ففي التصريح، نجد أسطوانة محشوة بشحنة عاطفية هائلة، وفوهة موجهة نحو بعبدا والسراي، وفتيلاً مضرماً بسرعة. لكن ارتدادها كان عنيفاً: ما إن أطلقها صاحبها حتى انحرف المسار، فأصاب رئيس مجلس النواب، ثم ارتدت شظاياها إليه، كاشفة أن ما ظنه مدفعاً لدك حصون السلطة لم يكن سوى جذع توت لا يصمد للارتداد.
في الميدان السياسي، لا يكفي أن تمتلك أسطوانة وتحشوها بالبارود؛ المهم نوعية المادة. خشب التوتة يتسع للشعارات والعواطف، وينفجر بضوضاء، لكن شظاياه لا تذهب حيث يُراد، بل تصيب الحليف وتتفرق بلا جدوى. أما فولاذ المدافع، فيصنعه المهرة ليضبطوا مسار القذف ويحددوا الهدف قبل الإطلاق.
تصريح النائب ينطلق من نية مشروعة: معارضة السلطة التنفيذية ومطالبتها بالكشف والمحاسبة. لكن طريقته هي التي استخدمت جذع توتة. فلما قال إن كلام بري «موقف شخصي» لا يكفي، وإن الواجب أن يدعو المجلس لعرض المفاوضات وإلجام السلطة لئلا يبقى الكلام «حبراً على الهواء»، كان كمن يحشو التوتة ويوجهها نحو السراي، لكنه نسي أنه يمسك جذعاً لا يصمد للارتداد. فإذا أعدنا صياغة الجملة من المجهول إلى المعلوم، تبين أن الفاعل الحقيقي للطلب هو النائب نفسه. فهو يطلب من رئيس المجلس ما يستطيع هو بدءه، ويسأل غيره وهو يؤخر نفسه. أليس النائب جزءاً من المجلس الذي يطالب بفتحه؟ هنا انحرفت الفوهة، فأصابت رئيس المجلس، وهو جزء من المؤسسة التي يطالب النائب بتفعيلها، بدلاً من أن تبقى الإصابة محصورة بالسلطة التنفيذية التي أعلن استهدافها. وهذه هي النيران الصديقة بعينها.
العبارة الأكثر إثارة في التصريح: «الانقسام على الحق خير من الإجماع على الباطل». هي في جوهرها شحنة بارود نقية، لكن مأزقها أنها وُضعت في جذع خشبي (خطاب خارج سقف المؤسسات)، فتحولت إلى شظية لا تميز بين صديق وخصم. فالانقسام على الحق، في المدفع الفولاذي، يعني المخالفة المبنية على الحجة في مجلس النواب، تحت القبة، بين السجلات والمحاضر. أما في جذع التوتة، فيعني التفرق في الفضاء الافتراضي حيث لا يحتفظ الهواء بصوت ولا يصدر حكماً. وهنا ترتد الشظية: إذا كان الانقسام خيراً، فلماذا لا يبدأ في المجلس حيث يسجل ويُصوت عليه؟ لماذا يبقى صدى في المنصات، وينتظر أن يفتح له الآخرون باب المؤسسة، مع أن في يده أدوات برلمانية تتيح له أن يبدأ منها؟
هذا الارتداد الذاتي هو أخطر ما في النيران الصديقة. فالشظية التي تنطلق لتصيب بعبدا تعود بسؤال نقدي هندسي أكثر دقة: لا يسأل فقط: أين أنت من الفعل؟ بل يسأل: ما الفعل الذي تلا غياب الاستجابة؟ فإذا كان الطلب الأول قد واجه عدم استجابة، فالأجدر أن ننظر إلى أثره الثاني: هل تحوّل إلى مذكرة نيابية؟ هل سُجّلت المطالبة في مضابط المجلس؟ هل استُخدمت إحدى الأدوات البرلمانية المتاحة لمتابعتها؟ أم بقيت صدىً في الهواء ينتظر أن يلتقطه الآخرون؟ هنا يكون الميزان دقيقاً، وتُختبر حقيقة الفولاذ من الخشب. فالميزان الذي تضعه في يد الآخرين، يجب أن يصلح ليُوضع في يدك، وإلا كان ميزاناً خشبياً لا يزن شيئاً.
وهنا لا بد من أن يخضع هذا النص نفسه للقاعدة ذاتها. فليس الغرض منه إصدار حكم على النائب، ولا اتهامه بالتناقض، ولا وضعه في دائرة الاتهام. الغرض منه اختبار الحجة التي طرحها بالمعيار الذي طالب بتطبيقه على الآخرين. فإن صحّت حجته، فنحن معه، وإن انكشف لها عيب، فلا يعيبنا أن نقول ذلك، لأننا نطبق على كلامنا ما نطالب بتطبيقه على كلام غيره. وهذا هو الفرق بين النقد الهندسي والنقد العفوي: الأول يبدأ بمساءلة نفسه قبل أن يمسك بمساءلة غيره.
ثم استحضار الإمام موسى الصدر، يزيد المسألة حساسية. فالإمام كان رجل الدولة والمؤسسة، واستدعاؤه يحمل شحنة معنوية هائلة، لكن الهندسة الصحيحة تسأل: هل نستدعيه شاهداً على مواقفنا أم معياراً يحاكمها؟ فإن كان معياراً، فأول ما يمتحنه هو الفارق بين صرخة الحق في قعر المؤسسات وصدى الحماسة على المنصات. فمشروع الصدر لم يكن صرخة في الهواء، بل كان هندسة لدولة وإصلاحاً لنظام. فأي استدعاء له يحمل سؤالاً على المستدعي: هل يسير في طريق المعيار، أم يستعير الهالة ليغلف بها توتة خشبية؟ هنا ترتد الشظية: فإذا كان الانقسام على الحق قيمة سياسية، فأين ينبغي أن يُختبر ويُترجم إلى موقف مؤسسي؟ وإذا كان إرثه العمل التراكمي، فكيف يطلب الآخرون بالخطوات العملية ويبقى هو في دائرة المطالبة دون تحديد خطواته؟ انحراف الفوهة يتجلى هنا: الكلام عن الصدر يحول إرثه من مشروع دولة إلى ذخيرة احتجاج، ومن معيار للفعل إلى شاهد يشهد علينا لا لنا.
في الخلاصة، فإن السياسة الحقة، كهندسة المعارك، لا تُعرف بكثرة البارود، بل بدقة التوجيه وشجاعة المساءلة الذاتية قبل المطالبة بمساءلة الآخرين. تصريح النائب نموذج لكيف يتحول النقد السياسي، حين يختل ميزان الفولاذ والخشب، إلى نيران صديقة تصيب الحليف وترتد إلى صاحبها. فالحل الهندسي في خطوتين: أن ندرك أن كل أسطوانة مفرغة ليست مدفعاً، فنصنع أدواتنا من حديد المؤسسات لا خشب العواطف. وأن نصحح زاوية الفوهة نحو المكان الصحيح: تحت القبة، حيث تحسب الارتدادات ويعرف المسار، وحيث يمكن للكلمة أن تكون مدفعاً لا توتة. عندها فقط، تنتقل السياسة من فوضى «دَكِّ التوتة» إلى صناعة الدولة. من حشا جذعاً وظنه مدفعاً أصاب قلبه قبل أن يُصيب الهدف، ومن أطلق النيران دون معرفة الارتداد وجد أقرانه من الجان فوق رماد التوتة. وحين يتطابق القول والفعل في مدفع الدستور، تزول علة الخشب، ويثبت أن السياسة فن ضبط الارتداد قبل أن تكون فن إطلاق النار.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
