المرايا المعكوسة في أعين السفراء: عيسى «يُؤمرك» لبنان… وهكابي «يُؤسرل» أميركا؟

إن صناعة الهيمنة في الخطاب الدبلوماسي المعاصر لا تقتصر على فرض المواقف السياسية، بل تتجاوزها إلى هندسة الوعي وتفكيك المرجعيات. وتتجلى هذه المفارقة بأوضح صورها عند إخضاع تصريحات سفيرين أمريكيين لاختبار البنية الخطابية: ميشال عيسى في بيروت، ومايك هكابي في تل أبيب. وكلا الرجلين يمثل القوة العظمى ذاتها، لكن الخطاب المنبثق عن لسان كل منهما يرسم صورة معكوسة تماماً للآخر، محكوماً باصطدام الذاكرة الشخصية أو العقيدة الدينية بموقع الوظيفة الإمبراطورية.

ليست المفارقة في أداء السفيرين مجرد اختلاف في المواقف أو في أسلوب ممارسة الدبلوماسية، بل الأعمق هو اختلاف زاوية النظر: العين التي ينطلق منها كل منهما في تعريف المصلحة، وتحديد الصديق والخصم، وقراءة العلاقة بين الأصل والموقع.

عيسى لبناني الأصل، يحمل معه ذاكرة لبنانية مرتبطة بالحرب الأهلية، لكنه يتحدث من موقع أميركي عن لبنان ومصالح مكوناته. أما هكابي، الأميركي الذي ينتمي إلى البيئة الإنجيلية الصهيونية، فيحمل إلى موقعه الدبلوماسي في إسرائيل رؤية دينية وتاريخية تجعل إسرائيل جزءاً من السردية التي يروي بها الأميركي معنى بلاده. ومن هنا يمكن صياغة المفارقة على النحو الآتي: عين عيسى أميركية إسرائيلية، أما عين هكابي فهي إسرائيلية أميركية.

المثل اللبناني بوصفه مفتاحاً للقراءة

يختزن الموروث الشعبي اللبناني قاعدة واضحة في ترتيب دوائر القرب: «أنا وخيّي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب». لكن المثل الذي يصلح مفتاحاً أكثر استفزازاً لهذه المقارنة هو: «البغض بين الأقارب والغيرة بين الجيران».

ولا يُقصد بالمثل هنا إثبات شعور نفسي لدى شخص بعينه، ولا الادعاء بأن البغض أو الغيرة حالة داخلية يمكن معرفتها من دون دليل. إنما يُستخدم بوصفه عدسة سوسيولوجية للسؤال عن اتجاه القرب والابتعاد في الخطاب السياسي: من يبدو أقرب إلى من؟ ومن تُعرّف مصلحته بوصفها أولوية؟ ومن يُطلب منه أن يغيّر سلوكه كي يتجنب عقوبة الآخر؟ هنا يصبح المثل مدخلاً لفحص العين، لا لاتهام النيات.

أولاً: عيسى — عندما يصطدم الأصل بالموقع

ميشال عيسى ليس دبلوماسياً أميركياً عادياً في لبنان. فكونه من أبناء لبنان، ومن بلدة بسوس، يمنحه سيرة شخصية تجعل علاقته بهذا البلد مختلفة عن علاقة دبلوماسي لم يعرف لبنان إلا من خلال ملفاته الرسمية. لكن المفارقة تبدأ عندما يتحول هذا الأصل إلى خلفية شخصية بينما يصبح الموقع الأميركي هو الإطار الذي تُعرّف من خلاله المصلحة اللبنانية.

في تصريحاته الأخيرة، تحدث عيسى عن مصلحة الطائفة الشيعية، وعن ضرورة عودة أبناء الجنوب إلى قراهم وبيوتهم، وقال إن واشنطن تريد مصلحة هؤلاء، لكنه ربط المشكلة بمسؤولية جزء من البيئة الشيعية عن عدم فهم مصالحها، في سياق الحديث عن سلاح حزب الله. هنا لا تكمن أهمية الكلام في موقفه من حزب الله وحده، بل في بنية السؤال الذي ينتجه.

وبتطبيق آلية التفكيك المنهجي لتصريحاته، يتكشف خطابياً ممر ذهني مدروس: تبدأ البنية النصية بفرض سؤال استجوابي مفروض (ألا ترغب في عودة أهلك؟)، ثم تزرع احتمالاً موجهاً (التعطيل ليس من الأمريكي، بل من عدم فهمكم)، لتصل إلى الاستنتاج النهائي القاضي بأن الحل هو الاستجابة لما تطلبه واشنطن. وهنا يتجلى التناقض البنيوي الصارخ بين قناع “الحرص الأبوي” ولغة الاحتقار المعرفي والوصاية الاستعمارية.

فبدلاً من أن يكون السؤال المركزي: ماذا تفعل إسرائيل في لبنان؟ يصبح السؤال: ماذا ينبغي للبنانيين أن يفعلوا حتى لا ترد إسرائيل؟ والفارق بين السؤالين كبير. الأول يضع فعل الاعتداء والسيادة في مركز النقاش. أما الثاني فيجعل سلوك الطرف المستهدف جزءاً من تفسير الاعتداء عليه.

وهكذا يصبح تعريف «المصلحة» سابقاً على النقاش حولها: واشنطن تقول للبنانيين ما هي مصلحتهم، ثم تقيس مدى عقلانية اللبنانيين بمدى قبولهم بهذا التعريف. وهنا تحديداً تظهر دلالة «العين الأميركية الإسرائيلية»: ليس بمعنى أن عيسى إسرائيلي، ولا بمعنى إثبات ولاء شخصي لإسرائيل، بل بمعنى أن المصلحة اللبنانية تُقرأ داخل إطار سياسي أميركي يأخذ الأمن الإسرائيلي ومقتضياته في الحسبان بصورة مركزية. من خلال هذه النقلة، يُنقل محور النقاش من السؤال السيادي الأصلي: «من يعتدي على لبنان ويحتل جزءاً من الجنوب؟»، إلى السؤال الهندسي الموجه للضحية: «لماذا لا تفهمون مسؤولياتكم كما تراها واشنطن؟». وبهذا، ينسحب العدوان الإسرائيلي إلى خلفية المشهد، ويتقدم إلى الواجهة سلوك البيئة الشيعية وضرورة تعديل خياراتها، مما يشكل عملية إعادة توزيع للمسؤولية تنقل عبء الجريمة من الجلاد إلى الضحية، وتستخدم الأصل اللبناني ذريعة لتمرير خطاب ابتزاز سياسي ناعم.

الذاكرة حين لا تعود كافية لصناعة الموقف

تزداد المفارقة تعقيداً عندما تدخل الذاكرة الشخصية إلى المشهد. فبحسب ما أوردته تقارير صحافية، ترتبط سيرة عيسى ببلدة بسوس، كما أشير إلى مقتل أحد أقاربه خلال الحرب الأهلية على يد قوات درزية كانت تقاتل في المنطقة آنذاك. هذه الذاكرة، إذا صحت دلالتها السياسية، لا تعني بالضرورة أن الماضي يفسر كل موقف لاحق، لكنها تطرح سؤالاً مهماً عن العلاقة بين الذاكرة والموقع.

هل تبقى الذاكرة الوطنية رابطةً جامعة عندما يدخل صاحبها موقعاً دولياً له مصالحه وأولوياته؟ أم يمكن أن تتحول الذاكرة نفسها إلى مسافة، بحيث يصبح الماضي جزءاً من تفسير الحاضر لا جزءاً من التضامن معه؟ هنا يجب الحذر من تحويل السيرة الشخصية إلى تفسير نفسي جاهز. فلا يمكن إثبات «البغض» من السيرة وحدها. لكن يمكن فحص اتجاه الخطاب، وملاحظة من يُحمَّل المسؤولية، ومن تُعرّف مصلحته، ومن يُطلب منه تغيير سلوكه.

ثانياً: هكابي — عندما تصبح إسرائيل جزءاً من قصة أميركا

في الجهة المقابلة، يقدم مايك هكابي مفارقة مختلفة. هكابي ليس يهودياً، بل هو رجل دين إنجيلي أميركي ذو توجهات صهيونية مسيحية واضحة. ولذلك فإن علاقته بإسرائيل لا تقوم فقط على الحسابات الاستراتيجية التقليدية بين دولتين، بل تتداخل فيها قراءة دينية وتاريخية لمكانة إسرائيل. هكابي ليس دبلوماسياً تقليدياً يتحرك بمنطق المصالح البراغماتية الصرفة، بل هو مبشر مسيحي إنجيلي يتحرك بمنطق العقيدة والتاريخ.

وعندما دخل في سجال مع الإدارة الأمريكية نفسها ورئيسها حول من يدين لمن بالوجود، لم يعتبر أن إسرائيل هي وحدها المدينة للولايات المتحدة بحمايتها، بل قلب المعادلة كلياً معلناً أن الولايات المتحدة نفسها مدينة لوجودها وتراثها للأساس اليهودي-المسيحي وإسرائيل. قال إن أميركا ما كانت لتوجد من دون إسرائيل ومن دون الأساس اليهودي، وإن على مهمته ألا تقتصر على تمثيل الولايات المتحدة في إسرائيل، بل أن تمثل أيضاً أهمية إسرائيل بالنسبة إلى الأميركيين.

هنا يحدث انقلاب في اتجاه النظر. فالسفير الأميركي لا يشرح فقط لماذا تحتاج أميركا إلى إسرائيل، بل يضع إسرائيل داخل الرواية التي تشرح كيف تنظر أميركا إلى أصلها ووجودها. وهذا أكثر من تأييد سياسي. إنه إدخال إسرائيل في المجال الرمزي للهوية الأميركية. وهكابي هنا لا ينقل موقفاً سياسياً خارجياً، بل يدخل إلى السياسة الأمريكية محامياً عن أصل هوياتي وعقائدي يربط بقاء أمريكا ذاتها بالمشروع الإسرائيلي.

لكن هكابي لا يتحول بذلك تلقائياً إلى «ممثل إسرائيلي» داخل الإدارة الأميركية. فمواقفه نفسها تكشف أنه يستطيع، في الوقت ذاته، انتقاد ممارسات إسرائيلية، كما فعل عندما وصف مستوطنين عنيفين بأنهم «إرهابيون». المسألة إذن ليست اختزال الرجل في ولاء أحادي، بل فهم المرجعية التي تنظم نظرته إلى العلاقة الأميركية الإسرائيلية.

ترامب وهكابي: خلاف على اتجاه العلاقة

تظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً عند مقارنته بموقف دونالد ترامب. ترامب تحدث عن العلاقة من موقع القوة الأميركية. فبالنسبة إلى ترامب، لولا الولايات المتحدة ولولاه شخصياً لما بقيت إسرائيل على ما هي عليه. إنه خطاب يجعل أميركا مصدر الحماية والقوة، ويضع إسرائيل في موقع الدولة التي استفادت من القوة الأميركية. أما هكابي فيعيد بناء العلاقة من الاتجاه المعاكس: أميركا نفسها مدينة، في روايته، لليهود وإسرائيل بجزء من أصلها التاريخي والحضاري.

وهنا لا يكون الخلاف مجرد خلاف في العبارة، بل خلافاً على مصدر الشرعية الرمزية للعلاقة. ترامب يقول، بمعنى سياسي، إن إسرائيل تحتاج أميركا. وهكابي يقول، بمعنى تاريخي وديني، إن أميركا نفسها لا يمكن فهمها خارج إسرائيل والأساس اليهودي. إنها علاقتان مختلفتان في الاتجاه، حتى لو التقتا في دعم إسرائيل.

مرآتان مختلفتان

من هنا تتضح المقارنة بين الرجلين. عيسى يحمل أصلاً لبنانياً إلى موقع أميركي، لكن خطابه عن لبنان يبدو محكوماً بإطار أميركي يرى الأمن والمصلحة من زاوية تتقاطع بقوة مع المنظور الإسرائيلي. وهكابي يحمل عقيدة دينية وتاريخية أميركية إلى موقع دبلوماسي في إسرائيل، لكنه يستخدمها لإعادة تفسير أميركا نفسها من خلال علاقتها بإسرائيل. الأول ينظر إلى لبنان من خارج عينه اللبنانية. والثاني ينظر إلى أميركا من داخل عين إسرائيلية. وهذا هو سبب أهمية وصف العين: لأن المسألة لا تتعلق فقط بما يقوله السفير، بل بالمرجعية التي تحدد له ما الذي يستحق أن يُرى أولاً.

وهنا تكتمل حلقة المفارقة المعكوسة: السفير ذو الأصل اللبناني يتحدث إلى أبناء وطنه السابق كما لو أنهم قاصرون بحاجة لأن يتعلموا من واشنطن معنى مصلحتهم، بينما السفير الأمريكي الأصلي يتحدث إلى مواطنيه كما لو أن عليهم أن يتعلموا من إسرائيل شيئاً عن أصل وجودهم وتاريخهم.

من الدبلوماسية إلى هندسة المعنى

الدبلوماسي لا ينقل السياسة الخارجية فقط؛ إنه يساهم أيضاً في إنتاج المعنى الذي تُفهم من خلاله هذه السياسة. عندما يقول عيسى للبنانيين إن مصلحتهم تكمن في قبول مسؤوليات معينة، فهو لا يقدم لهم موقفاً أميركياً فحسب، بل يدخل في تعريف المصلحة اللبنانية نفسها. وعندما يقول هكابي إن وجود أميركا مرتبط بالأساس اليهودي، فهو لا يدافع عن إسرائيل فقط، بل يضعها داخل السردية التي تشرح معنى أميركا بالنسبة إلى الأميركيين.

في الحالتين، تصبح المسألة أعمق من سؤال: هل السفير مع إسرائيل أم ضدها؟ السؤال الأكثر دقة هو: من أين يرى السفير العالم الذي يتحدث عنه؟ فالعين ليست مكاناً جغرافياً، بل مرجعية سياسية وثقافية تحدد ما الذي يظهر في المقدمة، وما الذي يتراجع إلى الخلفية.

إن هذه الثنائية تثبت أن الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تدار بالفراغ؛ بل تُستحضر لها شخصيات وخطابات تعيد تشكيل الشرعية بحسب الحاجة الاستراتيجية. عند عيسى، تُطمس الذاكرة المحلية وتُخضع المصلحة اللبنانية للمقاييس الإمبراطورية؛ وعند هكابي، تُرفع العقيدة الدينية لتعلو فوق الحسابات السياسية البحتة. وفي الحالتين، يظل السؤال الإبستمولوجي قائماً: عندما ينطق السفير باسم الإمبراطورية، من الذي يتكلم حقاً وفق موازين القوة والمعنى؟

ومن هنا تصبح المقارنة بين عيسى وهكابي كاشفة لظاهرة أوسع: قد يحمل الإنسان أصلاً ينتمي إليه، أو عقيدة يؤمن بها، لكن الموقع الذي يحتله يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات التي ينظر من خلالها إلى ذلك الأصل أو إلى تلك العقيدة.

الخاتمة: البغض بين الأقارب

لعل المفارقة بين عيسى وهكابي ليست في اختلاف موقفيهما، بل في اختلاف العين التي ينظر بها كل منهما: عيسى ينظر إلى لبنان بعين أميركية إسرائيلية، وهكابي ينظر إلى أميركا بعين إسرائيلية أميركية. وعندما تتقدم العين على الأصل، ويصبح القريب موضوعاً للمساءلة أكثر من الغريب، لا يبقى إلا المثل اللبناني القديم ليقول كلمته الأخيرة: «البغض بين الأقارب والغيرة بين الجيران».

ففي لحظة يتحول فيها الأصل إلى أداة، والعين إلى مرجعية، والموقع إلى إطار يعيد تعريف المصلحة، يصبح السؤال الأعمق: هل يمكن لهندسة الخطاب الدبلوماسي أن تستعيد معنى السيادة، أم أن العين الإمبراطورية ستظل تعيد تعريف القريب والبعيد وفق حاجتها الاستراتيجية، تماماً كما يفعل الأقارب حين يبغضون والجيران حين يغارون؟

مقالات الكاتب

د.عاطف الموسوي

المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.