ما بالُ المبادرات تترى هذه الأيام، وتتسابق الرعايات الرسمية والمجتمعية إلى احتضانها إعلامياً؟ تعدّدت المسمّيات، وتنوّعت الأهداف، ويبقى الأهم بالنسبة إلينا بلورة خطة عمل واضحة تؤتي ثمارها اليانعة، لننعم بنفعها ونجني فوائدها، ونبرهن من خلالها على قبولنا التحدي الصعب، وعلى أن ذاكرتنا العمرانية والحضارية لن تغيب عن الوجود، كما يخطط لذلك الصهاينة، أعداء الإنسانية والوجود.
وقد انطلقت هذه المبادرات من عقالها منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار المزعوم في أواسط شهر نيسان الماضي، لتثبت مقولة شيخ الصحافيين اللبنانيين الراحل، الأستاذ طلال سلمان: «الهزيمة ليست قدراً». وشُمّرت السواعد، وبدأ الانتقال من طور جلد الذات وترديد عبارات «لو… لو…»، إلى طور البحث عن فرص جدية، والعمل الحثيث لتدارك ما يمكن إنقاذه.
ومع ذلك، تجدر ملاحظة أن بعض هذه المبادرات سرعان ما كبا وهجها في اليوم التالي للإعلان عنها، ومنها ما إن يظهر بريقه ليلة الإطلاق ويمتد بضعة أيام، وربما أسبوعين أو أكثر بقليل، حتى يخبو ضوؤه فجأة، وتتلاشى أطيافه وسط زحمة الأيام. غير أن الأمل يبقى معقوداً على ألّا يلين العزم، وألّا تتراجع المثابرة في سبيل تحقيق المراد من هذه المبادرات الغنية بمآثرها.
مهندسو بيروت تداركوا الأمر
تداعينا إلى نقابة المهندسين في بيروت لحضور إطلاق مبادرة ترعاها النقابة تحت مسمّى «حماية الذاكرة العمرانية والتراثية للبنان»، بعدما تعرّض، وما زال يتعرّض، ثلث وطننا لبنان لتدمير ممنهج ينفّذه العدو الغاشم، ويطال مختلف مكوّنات بنيته التحتية، ومنازل سكانه، وأبنية مؤسساته الحكومية والخاصة، ومنشآته الاقتصادية، من مبانٍ سياحية ومصانع ومستودعات ومزارع حيوانية، فضلاً عن ثروته الزراعية، بما فيها الحقول والبساتين والمراعي والغابات والأحراج.
وتنطلق المبادرة من اعتبار أن حماية المبنى هي حماية للذاكرة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تشكّلت حوله على مرّ الأزمان؛ فهو إرث متراكم عبر التاريخ، ينبغي الحفاظ عليه قبل أن يُمسي الحطام السردية الوحيدة المتبقية.
وتقوم المبادرة بالشراكة مع قيادة الجيش اللبناني، والوزارات المعنية، والأجهزة والمؤسسات الرسمية، والجامعات وروابطها الأكاديمية، ولا سيما كليات العمارة، والبلديات واتحاداتها المناطقية، والنقابات وروابطها المهنية، والهيئات المتخصصة وكوادرها الاستشارية، والجمعيات وطواقمها اللوجستية، والمنظمات الدولية وفروعها المحلية.
نقيب بيروت كان سبّاقاً
استُهل اللقاء بكلمة للمهندس فادي حنّا، نقيب المهندسين في بيروت، الذي استذكر الشهداء المئة من أعضاء النقابة الذين سقطوا في هذه الحرب، وكان من بينهم مَن عمل معه ضمن ماكينته الانتخابية الأخيرة للفوز بمنصب النقيب.
وأبدى حنّا خشيته العظمى من هذا الصمت الدولي المطبق إزاء الارتكابات المتواصلة التي يقوم بها العدو الصهيوني من دون هوادة، مستهدفاً المواقع الأثرية والأبنية التراثية، من سرايات قديمة، ومنازل عتيقة، ودور عبادة تشمل الكنائس والمساجد والمقامات التاريخية.
وأطلق نداءً شدّد فيه على أن إعادة الإعمار هي، في الأصل، مشروع وطني جامع قبل أن تكون منهجاً هندسياً خاصاً، مؤكداً ضرورة عدم محو الذاكرة العمرانية لمجتمعنا، أو إضاعة ما شيّده السلف. كما تعهّد بوضع جميع إمكانات النقابة في خدمة هذه المبادرة النبيلة، التي تشمل إنشاء قاعدة بيانات مركزية للمناطق المنكوبة، تتضمّن إرثها التاريخي وميزاتها الخاصة، وكل ما كان قائماً فيها قبل الدمار المهين الذي افتعله بنو صهيون، آملاً ألّا يُواجَه هذا العمل بالخذلان والتثبيط من الجهات الأخرى، ولا سيما بعض الأجهزة الحكومية.
فرع العمارة هو المعني الأول
ثم اعتلى المنصة المهندس بسام علي حسن، رئيس فرع المهندسين المعماريين الاستشاريين في نقابة المهندسين في بيروت، فأكد أن أمننا الثقافي والاجتماعي والعمراني غير قابل للإلغاء، مهما تسلّطت عليه قوى الشر والعدوان الجائر المستبد.
كما رأى أن عملية إعادة الإعمار بعد هذه الحرب المدمّرة هي من أقسى التحديات التي تواجه مجتمعنا المتهالك أصلاً، إذ يتكامل فيها البعد الحضاري والإنساني مع المقتضيات والشروط الفنية، مع مراعاة الحفاظ على الإرث العمراني والاستقرار الثقافي وتخطيط المدن، إلى جانب تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي.
من جهته، شدّد المهندس إيلي حاوي، مدير مرصد القضايا العمرانية، على أننا لا نخسر البنيان والعمران فحسب، بل نخسر أيضاً الذاكرة الحافظة لتراثنا وهويتنا وكينونة وجودنا، مطالباً بإعادة تشكيل الأمكنة لرفع معنويات الأهالي وغرس الأمل في نفوسهم. وأضاف: «إننا نجمع شتات الذاكرة لنثبت للعالم بأسره أننا أهل للعيش بسلام ووئام».
د. حبيب صادق منسق المبادرة
وأخيراً، أخذ الكلام الدكتور المهندس حبيب إبراهيم صادق، رئيس لجنة تنسيق المبادرة، طارحاً تساؤلاً مفعماً بالتحذير والجدية في آن واحد: «ليس المهم إعادة بناء الحاضرة فحسب، بل الأهم هو كيف تعود هذه الحاضرة إلى الحياة؛ فهي تراث متراكم من العادات والتقاليد وأساليب العيش».
ثم ألقى الدكتور صادق بيان إعلان المبادرة، معدّداً الجهات التي أبدت رغبتها في المساندة والمشاركة في إنجاحها، وفي تحمّل أعباء المهمة المرجوة، بما يتيح لها تحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها.
وتسعى هذه المبادرة، من خلال مرصد القضايا العمرانية في نقابة المهندسين في بيروت، إلى حشد مختلف الخبرات والتجارب الناجحة، سواء أكانت هندسية أم أكاديمية أم قانونية أم ثقافية.
وفي ختام كلمته، أوضح الدكتور صادق أن النقابة لا تطرح نفسها بديلاً من الدولة، بل تؤدي دوراً مكمّلاً من خلال المجتمع المدني الأكاديمي والمهني، مشدداً على ضرورة ألّا تُترك المناطق المفجوعة رهينة التسويات السياسية المجحفة والمحاصصة المقيتة.
الحوار مع الجمهور
بعد ذلك، أُعطي المجال للحضور لطرح استفساراتهم، والاستماع إلى ملاحظاتهم وتعليقاتهم بشأن العمل المزمع القيام به. فاستهل الكلام المحامي زياد بيضون، نائب رئيس بلدية بنت جبيل، الذي شرح الجهود الجبارة التي بذلتها المدينة من أجل توثيق وتدوين مختلف حالات الدمار، سواء أكان شاملاً أم جزئياً، والناتج من العدوان الصهيوني الغادر الذي ما زالت تداعياته متواصلة من دون انقطاع. كما أشار إلى تجهيز ملف توثيقي متكامل، مرفق بالصور الإيضاحية اللازمة التي تظهر المواقع قبل الدمار وبعده.
بدوره، أثنى منسق المبادرة، الدكتور حبيب صادق، على الجهود الجبارة التي بذلتها مدينة بنت جبيل، والتي كانت سبّاقة في هذا المضمار الذي لم يخضه سوى قلّة، منوّهاً بأن إدارة المبادرة ستطرح تجربة مدينة بنت جبيل الصامدة نموذجاً معيارياً ناجحاً، لكي تنهج على منواله بقية المدن والبلدات والقرى المتضررة من العدوان الظالم.
في المقابل، التمس السيد إسكندر بركة، رئيس بلدية مشغرة ورئيس اتحاد بلديات البحيرة، الاهتمام بالمنطقة الخاصة بالدباغات في وسط المدينة، إضافة إلى المغاور في منطقة السهل، نظراً إلى ما تتمتع به هذه المواقع من أهمية تاريخية وتراثية في منطقة البقاع الغربي.
ومن جهة أخرى، دعا المهندس علي سميح رمضان، المدير العام للمديرية العامة للتنظيم المدني في لبنان، إلى عدم انتظار المساعدات الموعودة للبدء بتنفيذ المطلوب، في ظل عدم توافر الظروف الأمنية المساعدة والاعتمادات المالية اللازمة.
وأكد المهندس علي رمضان أيضاً أن التنظيم المدني يعمل على حماية الذاكرة العمرانية الورقية للمحافظات المتضررة، بالشراكة التامة مع نقابة المهندسين. كما أعرب عن الاستعداد للتعاون الكامل مع النقابة وتسهيل العمل، بما يساهم في إنجاح المبادرة وتنفيذ الأهداف التي ترنو إلى تحقيقها.
كذلك، أدلى عدد من الحاضرين، كلٌّ في مجال اختصاصه، بتعليقاتهم واقتراحاتهم وتوصياتهم بشأن تعزيز عمل المبادرة، من أجل أن تبلغ شاطئ الأمان الذي يرغبه لها الجميع.
النوايا صادقة والأمل معقود
الآمال عريضة، والنوايا صادقة، لكن العقبات جمّة، والمحبِطون كُثر، والبلد في حاجة ماسّة إلى مثل هذه المبادرة الحيوية التي تحفظ، ولو بالحد الأدنى، ذاكرتنا التراثية المتمثلة في عمران صاحبنا منذ بزوغ الموئل اللبناني في تاريخ هذه المنطقة الحيوية، المنتصبة على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، مهد الحضارات ومنبت الرسالات.
وتزداد أهمية هذه المبادرة بعد ما لمسناه من حرص كبير لدى مختلف الفرقاء في الوطن المنهك على الحفاظ على الماضي التليد، مع مراعاة خصوصيات المدن والبلدات، كلٌّ بحسب تنوعه وتميّزه، ولا سيما أن الجميع أبدوا استعدادهم الكامل للمساهمة في إنجاح هذا المشروع الحيوي، لما يمثله من حفاظ على الأصالة الحية التي ميّزت الشعب اللبناني على مرّ الأزمنة والعصور.

أحمد مالك عبدالله
ناشط إعلامي وباحث في تدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل.

مهندسو بيروت تداركوا الأمر
نقيب بيروت كان سبّاقاً
فرع العمارة هو المعني الأول
د. حبيب صادق منسق المبادرة
الحوار مع الجمهور
النوايا صادقة والأمل معقود