تشهد الساحة اللبنانية حاليًّا مرحلة بالغة التعقيد، تتقاطع فيها المسارات السياسية الإقليمية مع وقائع ميدانية لا تزال معرّضة للتفجير. فقد وُقّعت أولًا مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف في 18 حزيران/يونيو، نصّت على وقف الأعمال العسكرية في جميع الجبهات بما فيها لبنان، ثم وُقّع في 26 حزيران/يونيو اتفاق إطاري من 14 بندًا بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، لينتقل المشهد إلى مسار لا تزال فاعليته قيد الاختبار، علمًا أن الاتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وعودة المهجّرين بنزع سلاح الجماعات المسلحة في لبنان. وكانت المرحلة التي سبقت التوقيع قد اتسمت بالتصعيد العسكري والغارات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، إلى جانب أوامر إخلاء طاولت مناطق بكاملها.
في قلب هذا المشهد، يشكّل ملف النزوح أحد أكثر الملفات هشاشة وتعقيدًا. فمع تسجيل سقوط أكثر من 4,247 شخصًا وإصابة 12,195 منذ بداية الأعمال العدائية في 2 آذار/مارس 2026 وحتى 28 حزيران/يونيو 2026، بحسب إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية، وتضرر أو تدمير ما يزيد على 61,000 وحدة سكنية منذ بداية آذار/مارس وحتى 8 أيار/مايو 2026 بحسب المركز الوطني للبحوث العلمية، ووجود أكثر من مليون نازح في لبنان، تتبلور صورة أزمة تتجاوز البُعد الإنساني المباشر لتلامس البنيتين السياسية والأمنية للدولة اللبنانية؛ إذ لم تعد العودة إلى الجنوب مسألة رغبة فردية أو قرار جماعي، بل باتت رهينة تداخل مجموعة عوامل مع بعضها بعضًا، من استمرار العمليات العسكرية، وغياب التسوية النهائية، والدمار الواسع في البنى السكنية والخدمات الأساسية، إلى انعدام التمويل الكافي لإعادة الإعمار.
في هذا السياق، ما عادت “العودة” مفهومًا ثابتًا، بل تحوّلت إلى ممارسة متدرجة ومجزّأة، تتراوح بين زيارات استكشافية قصيرة وعودة مؤقتة محفوفة بالمخاطر، في ظل قلق دائم من تجدّد الحرب وغياب الضمانات السياسية والأمنية المستقرة. هكذا، يصبح سؤال العودة في لبنان اليوم ليس سؤال “متى يعود النازحون؟”، بل “تحت أي شروط، وفي أي بيئة سياسية وأمنية، وبأي كلفة إنسانية ومادية؟”، ما يجعل من هذه المرحلة لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على إدارة واحدة من أعقد أزمات النزوح في تاريخ لبنان الحديث.
حجم النزوح والكارثة الإنسانية بالأرقام
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والجهات المحلية، إلى أن لبنان يواجه واحدة من أعمق أزمات النزوح في تاريخه الحديث، لا من حيث الحجم العددي فحسب، بل من حيث الكثافة النسبية مقارنة بعدد السكان، واتساع نطاق الانهيار الإنساني المصاحب لها.
يُقدَّر إجمالي عدد النازحين في البلاد ما بين مليون و1.4 مليون نازح بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أي ما يزيد على 20 في المئة من السكان، في واحدة من أعلى نسب النزوح عالميًّا، في مؤشر يعكس حجم التحوّل الديموغرافي المؤقت الذي فرضته الحرب على البنية الاجتماعية اللبنانية. ويعيش هؤلاء النازحون أوضاعًا متباينة بين مراكز إيواء جماعية ومساكن مؤقتة وشقق مستأجرة، وسط تفاوت كبير في مستويات الخدمات والاستقرار.
أما في ما يتعلق بالقدرة الاستيعابية، فقد استقرّ نحو 134,800 نازح داخل 642 مركز إيواء جماعي، بحسب “وحدة إدارة مخاطر الكوارث”، توزّعت في مختلف المناطق اللبنانية، حيث بلغت هذه المراكز في بيروت وجبل لبنان حدّها الأقصى من القدرة الاستيعابية، ما دفع السلطات والجهات الإنسانية إلى تحويل موجات جديدة من النازحين نحو الشمال والبقاع ومناطق أقل ضغطًا، وإن كانت أكثر هشاشة من حيث الخدمات الأساسية.
في هذا السياق، تبرز هشاشة البنية الاجتماعية للفئات المتضررة، حيث يشير تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 15 حزيران/يونيو إلى أن أكثر من نصف النازحين هم من النساء والفتيات، إلى جانب وجود نحو 16 ألف امرأة حامل تواجههن تحدياتٌ مضاعفة في ظل تدهور القطاع الصحي واستهداف إسرائيل بالقصف المتعمّد عددًا من المراكز الطبية وخدمات الرعاية الأولية؛ هذا البعد الديموغرافي يضيف فصلًا إضافيًّا من التعقيد إلى الأزمة، حيث تتحوّل الاحتياجات الصحية والحماية الاجتماعية إلى عنصر حاسم في استدامة الحياة اليومية للنازحين.
وعلى الرغم من اتساع حجم الكارثة الإنسانية، فإن الاستجابة التمويلية الدولية لا تزال محدودة جدًّا، في حين قدّر وزير المالية اللبناني، ياسين جابر، حجم أضرار الحرب بـ20 مليار دولار أميركي في أقل تقدير، وهو ما ينعكس على مستوى الخدمات الإغاثية، ويهدد استمرارية الحد الأدنى من الاستجابة، بما في ذلك الغذاء والرعاية الصحية وإدارة مراكز الإيواء.
عمليًّا، ترسم هذه الإحصاءات صورة أزمة إنسانية مركّبة تتداخل فيها أبعاد النزوح الجماعي مع الانهيار الجزئي للبنى الخدماتية، في ظل وجود فجوة تمويلية حادة، تعكس بدورها حدود القدرة الدولية والمحلية على احتواء تداعيات الحرب.
العامل العسكري: بين نص الاتفاق وواقع الميدان
على الرغم من توقيع اتفاق الإطار في واشنطن وما رافقه من إعلان عن مسار تهدئة، فإن المشهد الميداني في جنوب لبنان يعكس واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث يبقى أقرب إلى حالة خفض تصعيد هشٍّ منه إلى وقف إطلاق نار مستقر؛ إذ لا يزال العامل العسكري هو الأكثر تأثيرًا في مسار عودة النازحين، بل يمكن القول إنه العامل الأساسي الذي قد يعيد إنتاج النزوح نفسه بصورة دورية؛ ففي العمق الجنوبي، يستمر الاحتلال العسكري الإسرائيلي داخل مناطق لبنانية متقدمة، بخاصة في أقضية بنت جبيل وصور ومرجعيون، وأجزاء من النبطية، مع تسجيل توغلات برية وغارات وصلت إلى أطراف قرى مثل كفرتبنيت والنبطية الفوقا المتاخمة لمدينة النبطية، ما يعكس انتقال العمليات من حدود الاشتباك التقليدي إلى مساحات داخلية أكثر حساسية، تُفرّغ مفهوم السيادة اللبنانية الميدانية من مضمونه العملي. وإلى جانب ذلك، كانت أوامر إخلاء شاملة قد صدرت لعدد من البلدات في جنوب لبنان، بما فيها محيط مدينة صور ومناطق متاخمة لها، في مؤشر على أن ثمّة مناطق لا تزال تُدار عسكريًّا بمنطق المساحات الأمنية، لا بمنطق العودة المدنية.
في موازاة ذلك، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرئيل، حيث أقدم الجيش الإسرائيلي ليل الأحد في 28 حزيران/يونيو 2026 على تفجير نفق في بلدة مجدل زون في جنوب لبنان، في خطوة وصفتها إسرائيل بأنها استهداف بنية تحتية تابعة لحزب الله، مشددة على أنها أبلغت الولايات المتحدة بها مسبقًا. وقد ترافق ذلك مع استمرار العمليات الجوية في الجنوب، ما عكس تناقضًا بين النص السياسي والواقع الميداني، الأمر الذي يدفع إلى توصيف الوضع القائم بأنه حرب استنزاف منخفضة الوتيرة، لا وقفًا فعليًّا لإطلاق النار.
هذا الواقع يعيد تعريف مفهوم العودة نفسه، حيث ما عاد مرتبطًا بالإعلان عن وقف الأعمال العسكرية فحسب، وهو ما يجعل القرار الفردي بالعودة رهنًا بتقلبات ميدانية يومية، لا بضمانات سياسية مستقرة. بذلك، يتحول الوضع الميداني إلى حاجز دائم أمام أي عودة شاملة، ويُبقي النازحين في حالة انتظار مفتوح على احتمالات التدهور في أي لحظة.
الدمار الواسع معوّقًا بنيويًّا للعودة
إلى جانب العامل العسكري، يشكّل حجم الدمار المادي أحد أكثر المعوّقات عمقًا وتعقيدًا أمام عودة النازحين، حيث إن الأمر ما عاد يتعلق بسلامة الأفراد فحسب، بل بغياب البيئة الحياتية نفسها أيضًا التي يمكن أن تستوعب عودة سكانية مستقرة.
وتشير التقديرات الميدانية والإحصاءات المنشورة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 61,000 وحدة سكنية؛ وهذا رقم يعكس اتساع نطاق الاستهداف العمراني الذي طاول قرى وبلدات بكاملها، لا مجرد أحياء محدودة. إن نمط الدمار هذا لا يعكس خسائر فردية معزولة، بل يشير إلى تحوّل في طبيعة المشهد العمراني نحو مساحات غير صالحة للسكن، حيث تصبح العودة الفعلية للسكان غير ممكنة، حتى في حال تراجع العمليات العسكرية، أو توقفها. إضافة إلى ذلك، لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر بشكل مباشر على عشرات القرى في جنوب لبنان، أو ما يوازي نحو 6 في المئة من مساحة البلاد الإجمالية، بحسب تقارير محلية لبنانية.
يزيد من تعقيد هذا الواقع حجم الردم الهائل الناتج من عمليات الهدم والانهيار، حيث تُقدّر الكميات بنحو 8.5 مليون متر مكعب و12.5 مليون طن من الردم، ما يعكس مستوى غير مسبوق من التدمير البنيوي الذي يعوّق حتى عمليات إعادة التأهيل الأولية. هذا وتشير التقديرات إلى أن كلفة إزالة الردم وحدها قد تصل إلى 250 مليون دولار بحسب تقرير للمركز الوطني للبحوث العلمية، وهو رقم يضع عبئًا إضافيًّا على منظومة تمويل منهكة أساسًا.
أما على مستوى البنية التحتية، فإن الصورة لا تقل قتامة، حيث تعاني مناطق واسعة من انهيار شبه كامل في شبكات إمداد الكهرباء والمياه وشبكات الطرقات في جنوب لبنان، مع انقطاع خدمات أساسية في عدد من القرى، ووجود معوقات مادية تحول دون الوصول إلى الأحياء المتضررة أو إعادة ربطها بشبكات الدولة. هذا الانهيار لا يعطل العودة فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم المنطقة القابلة للحياة في ذاته، حيث إن ثمّة قرًى قد تدمرت بالكامل.
في المحصلة، لا يمكن فصل الدمار عن مسار العودة، حيث يتحول إلى عامل بنيوي مستقل يعادل في تأثيره العامل العسكري، بل يتجاوزه في بعض الحالات من حيث الاستمرارية؛ فحتى في حال تراجع العمليات العسكرية أو توقفها، يبقى غياب السكن والبنية التحتية شرطًا مفقودًا يحول دون تحوّل العودة من حركة فردية مؤقتة إلى استقرار جماعي دائم.
البُعد السياسي وحدود التسوية
يُعد العامل السياسي اليوم الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة العودة، حيث لم يُفضِ توقيع اتفاق الإطار إلى ضمانات قابلة للتطبيق على الأرض. فهو لا ينص على انسحاب إسرائيلي، بل يربط إعادة انتشار الجيش الإسرائيل بمسار نزع سلاح حزب الله، من دون جدول زمني محدد، بينما يُسند التحقّق من التنفيذ إلى ترتيبات تبقى فاعليتها على الأرض قيد الاختبار.
في المقابل، يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائمًا في مناطق داخل الأراضي اللبنانية لحين استكمال الترتيبات الأمنية، مع استمرار العمليات الميدانية بوتيرة متقطعة بعد التوقيع، ما يُبقي نقاط احتكاك تحول دون استقرار فعلي. وبذلك تظل التهدئة في طور الإدارة المؤقتة للصراع، ويبقى مسار العودة رهنًا بتطبيق ميداني لم تتضح معالمه بعد.
إلى جانب ذلك، يبقى نظام الضمانات الدولية محدودًا وغير مكتمل، حيث إن آلية المتابعة التي أُعلن عنها لمراقبة وقف الأعمال العدائية لا تزال قيد التبلور، من دون أن تتضح آليات تنفيذها أو قدرتها على الحؤول دون تجدد العمليات العسكرية. وهذا ما يُبقي الاتفاق، حتى في حال تطبيقه، في إطار الترتيبات السياسية التي يصعب البناء عليها. وبذلك، يظل المشهد السياسي اللبناني في هذه المرحلة خاليًا من إطار نهائي متكامل ينظم ثلاث ركائز أساسية مترابطة: وقف مستدام لإطلاق النار، إعادة الإعمار الشامل، وعودة السكان بشكل آمن ونهائي. وهذا الغياب البنيوي للإطار السياسي لا يؤخر عودة النازحين فحسب، بل يجعلها غير قابلة للتثبيت أيضًا، حيث تبقى كل خطوة عودة رهينة بإمكانية انهيار التفاهمات، أو تبدل ميزان القوى الميداني.
أزمة التمويل وإعادة الإعمار
إلى جانب الفراغ السياسي، تبرز أزمة التمويل عاملًا حاسمًا في تأخير مسار عودة مستدامة للنازحين، حيث لا يمكن فصل عودة السكان عن قدرة الدولة والمجتمع الدولي على تمويل إعادة بناء البيئة التحتية والنظم المعيشية. وتشير البيانات المتاحة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار تعاني من فجوة تمويل حادة، حيث لم تتأمّن مبالغ مالية مهمة مرتبطة بإعادة الإعمار. وقد انعكس هذا العجز المالي مباشرة على الأرض من خلال تباطؤ عدد من برامج إعادة الإعمار والترميم أو توقفه، سواء في البنى السكنية أو في الخدمات الأساسية. كما لا تزال الجهود محصورة في نطاق التدخلات الطارئة، من دون الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار البنيوي الطويل الأمد، ما يكرّس حالة من الانتظار بدلًا من التعافي الفعلي.
في هذا السياق، يبرز غياب خطة دولية واضحة وشاملة لإعادة بناء القرى الجنوبية باعتباره أحد أبرز المعوّقات، حيث لم يبلور حتى الآن إطار تمويلي أو تنفيذي متكامل يحدد أولويات الإعمار، أو يربط التمويل بجدول زمني ملزم، أو يضمن استمرارية المشاريع في الأمدين المتوسط والبعيد.
وبسبب هذا الفراغ، باتت العودة مرتبطة عمليًّا بقدرة الدولة اللبنانية المحدودة على توفير ثلاثة عناصر أساسية: التعويض عن الخسائر السكنية والمادية، ترميم المنازل والبنى المتضررة، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وطرقات. غير أن هذه العناصر، في ظل الأزمة المالية العامة والانهيار المؤسساتي في لبنان، تبقى خارج نطاق القدرة التنفيذية الفعلية للدولة، ما يجعل العودة مشروطة بتمويل خارجي لم يتبلور بالشكل الكافي بعد. هكذا، تتحول أزمة التمويل من مجرد معوّق تقني إلى عامل سياسي-اجتماعي يحدد إيقاع العودة ويؤجلها إلى أجل غير معروف.
لا بد من الإشارة إلى أنّ اتفاق الإطار ربط إعادة الإعمار والدعم الدولي، لا سيما الأميركي، بتنفيذ مجموعة من الالتزامات الأمنية وفق مراحل محددة، تشمل بسط سلطة الدولة ونزع سلاح الجماعات المسلحة ومنع تمويلها أو استفادتها من أموال إعادة الإعمار.
الخوف من تجدد الحرب عاملًا نفسيًّا وسياسيًّا
إلى جانب العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، يبرز البُعد النفسي بوصفه أحد أكثر المحددات تأثيرًا في سلوك النازحين تجاه العودة، بل يمكن اعتباره العامل الذي يحول دون تحويل أي تهدئة إلى استقرار اجتماعي دائم؛ فالتجربة اللبنانية في المرحلة الممتدة منذ آذار/مارس 2026 لم تُنتج شعورًا باليقين، بل كرّست حالة من عدم الثقة لدى السكان، سواء تجاه استمرارية التهدئة أو إمكانية تحولها إلى وقف إطلاق نار دائم. فقد أظهرت الوقائع الميدانية استمرار الغارات الجوية والخروقات العسكرية بعد توقيع اتفاق الإطار، ما قد يعزز قناعة راسخة بأن الوضع الحالي لا يتجاوز كونه هدنة متقطعة قابلة للانهيار في أي لحظة. هذا الإدراك ما عاد مجرد قراءة إعلامية أو سياسية، بل تحوّل إلى عامل سلوكي مباشر يحدد قرارات العودة الفردية.
في هذا السياق، يتجذّر الخوف من العودة، ثم النزوح مجددًا هاجسًا مركزيًّا، خصوصًا لدى العائلات التي عاشت تجارب نزوح متكرر خلال فترات زمنية قصيرة. ولا يرتبط هذا الخوف حصرًا بإمكانية تجدد القصف والأعمال العسكرية، بل بانعدام القدرة على تحمل كلفة النزوح المتكرر ماديًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا أيضًا.
بناءً على ذلك، لا تُفهم العودة على أنها قرار نهائي، بل تحوّلت في معظم الحالات إلى عودة استكشافية، أو ما يمكن تسميته “العودة المعلّقة”، حيث يزور أفراد القرى المتضررة زيارات قصيرة بهدف تفقد المنازل أو استعادة بعض الممتلكات، قبل العودة مجددًا إلى أماكن النزوح. كما تتكرر أنماط الزيارات اليومية أو المؤقتة، بما يعكس حالة من التردد بين الرغبة في العودة وغياب شروط استدامتها. بذلك، يصبح العامل النفسي امتدادًا مباشرًا للعامل العسكري والعامل السياسي، حيث لا ينتج الخوف من مجرد توقعات، بل من تجربة واقعية متكررة أعادت تشكيل علاقة السكان بالمكان، وحوّلت العودة من فعل استقرار إلى فعل مؤقت مشروط بالحذر الدائم.
تحديات الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية
في قلب هذا المشهد المركّب، تبدو الدولة اللبنانية ومؤسساتها أمام اختبار بالغ الصعوبة، يتجاوز إدارة أزمة النزوح إلى إعادة تعريف دورها ووظائفها في ظل أوضاع أمنية وسياسية واقتصادية شديدة التداخل. فالمعطيات الميدانية تشير إلى وجود عجز واضح في قدرة الدولة على ضبط الواقع الميداني في جنوب لبنان، في ظل استمرار التوترات والخروقات العسكرية، ما يحدّ من إمكانية توفير بيئة مستقرة تسمح بعودة آمنة وواسعة للنازحين. ويزيد الاتفاق الإطاري من ثقل هذا التحدي، حيث يُحمّل الدولة ومؤسساتها العسكرية التزامات أمنية موسّعة ترتبط بتنفيذ بنوده.
يظهر هذا العجز أيضًا في مستوى القدرة على تأمين العودة الآمنة والمستدامة للسكان، حيث تتحوّل العودة في كثير من الحالات إلى مسار فردي أو عائلي غير منظّم، يخضع لتقديرات شخصية مرتبطة بالمخاطر، أكثر مما يستند إلى خطة وطنية واضحة. ويبرز تحدٍّ إضافي يتمثل في إدارة ملف الألغام والذخائر غير المنفجرة والدمار الواسع، وهو ملف تقني وأمني وإنساني في آنٍ واحد، يتطلب إمكانات لوجستية ومالية كبيرة تفوق قدرة المؤسسات المحلية.
في موازاة ذلك، يتعرض الجيش اللبناني لضغط متزايد يتمثل في أداء دور تحذيري أكثر من كونه تمكينيًّا، حيث تتركز مواقفه الرسمية على دعوة المدنيين إلى التريث وعدم العودة إلى المناطق الحدودية، في ظل استمرار المخاطر الأمنية. هذا الواقع يعكس مفارقة أساسية: المؤسسة العسكرية، التي يُفترض أن تكون أحد أعمدة تسهيل العودة، تتحوّل عمليًّا إلى جهة ضبط وحماية تمنع العودة غير الآمنة، في ظل غياب شروط الاستقرار.
هذا ويتجلى أحد أبرز مكامن الضعف في غياب خطة وطنية متكاملة للعودة وإعادة الإعمار، قادرة على دمج الأبعاد الأمنية والإنسانية والاقتصادية ضمن رؤية موحدة؛ هذا الغياب يترك الملف موزَّعًا بين جهات عدة، من دون مرجعية تنفيذية واحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية من النزوح إلى الاستقرار. وما يزيد من تعقيد المشهد وجود أزمة تنسيق واضحة بين الدولة اللبنانية والبلديات والمنظمات الدولية، حيث تتداخل الصلاحيات وتتفاوت القدرات التنفيذية، ما يؤدي إلى فجوات في الاستجابة، سواء على مستوى إدارة مراكز الإيواء أو إطلاق مشاريع إعادة الإعمار أو تنظيم العودة التدرّجية.
في ضوء ما سبق، يتضح أن عودة النازحين إلى جنوب لبنان في المرحلة الراهنة لا تزال أقرب إلى حالة “العودة المعلّقة” منها إلى مسار استقرار نهائي ومستدام. فهي عودة تتحرك ضمن هامش ضيق بين الضرورة الإنسانية من جهة، والقيود الأمنية والسياسية والاقتصادية من جهة أخرى، الأمر الذي يجعلها عملية غير مكتملة البنية وقابلة للتراجع في أي لحظة. أضف إلى ذلك أن المشهد العام يعكس استمرار تداخل أربعة مستويات رئيسية تتحكم في مسار العودة، وهي الأمن و السياسة والاقتصاد والدمار، حيث لا يمكن أيًّا منها أن يُحَلّ بمعزل عن الآخر. فغياب أحد عناصر الاستقرار في أي مستوى سيؤدي إلى إعادة إنتاج التعثر في المستويات الأخرى.
بناءً عليه، فإن التحول من عودة استكشافية إلى عودة دائمة لا يمكن أن يتحقق من دون حزمة شروط مترابطة، في مقدِّمها تسوية سياسية نهائية للنزاع العسكري قابلة للتطبيق قد لا يكفي الاتفاق الإطاري وحده لبلوغها، يُضاف إلى ذلك تمويل فعلي وشامل لإعادة الإعمار، وضمانات أمنية دولية ومحلية قادرة على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد التصعيد. فمن دون ذلك، ستبقى عودة النازحين إلى قراهم مجرد مبادرات فردية محدودة لا عودة فعلية قابلة للاستمرار.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، مختصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية في جوانبها النظرية والتطبيقية. يعمل المركز على تعزيز البحث العلمي المنهجي والعقلانية في فهم قضايا المجتمع والدولة، ويتجاوز ذلك إلى دراسة علاقات الوطن العربي ومجتمعاته بمحيطه المباشر، وبالسياسات العالمية المؤثرة فيه، بجميع أوجهها.
