تراكمت، خلال السنوات الست الماضية، الأحداث الضاغطة على السكان في لبنان. وبرز بصورة واضحة التدهور الحاد في القدرة الشرائية، الذي دفع عددًا كبيرًا من السكان إلى إحداث تعديل جذري في سلوكهم الاستهلاكي، تمثّل في تقليص عدد الوجبات الغذائية والحدّ من استهلاك بعض المواد.
وقد جاءت الحرب الأخيرة حاملةً معها ضغوطًا إضافية، نتجت من ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا بسبب إغلاق مضيق هرمز وصدمة أسعار النفط، إضافة إلى عدم توافر الأسمدة الزراعية في الأسواق الدولية وارتفاع أسعارها. ونتيجة لذلك، أصبح أكثر من ربع سكان لبنان مهددين بنقص حاد في الغذاء، إذ تُظهر التقديرات الأخيرة المرتبطة بالحرب الإقليمية أن 1.24 مليون شخص في لبنان يُصنَّفون، خلال الفترة الممتدة بين نيسان/أبريل وآب/أغسطس، ضمن الفئات التي ستعاني من «أزمة غذائية»، وصولًا إلى احتمال وقوع بعضهم في حالة «الطوارئ الغذائية»، بحسب تصنيفات برنامج الأغذية العالمي.
إن هذا التجذّر في هشاشة بنية الأمن الغذائي يوسّع نطاق القلق من مجرد أزمة أسعار وعدم توافر الغذاء، ليشمل حلقة مغلقة تتغذى من هذه الهشاشة وتنتج مزيدًا من الأزمات الاجتماعية والمالية. فكل موجة تضخم جديدة، أو تراجع في الدخل، أو خفض في المساعدات، أو صدمة أمنية، لا تصيب أسرًا مستقرة فحسب، بل تضغط أيضًا على فئات استُنزفت قدراتها منذ عام 2019.
والأسوأ لم يأت بعد؛ إذ إن الأسر التي كانت تمتلك هوامش للبقاء والاستمرار والصمود باتت هي الأخرى معرضة للتهديد نفسه، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في حلقة الأزمة الغذائية.
ومن زاوية السياسات والتدخلات الحكومية، تحتم هذه الديناميات تغيير طريقة قراءة الموضوع ومقاربته. فالأمن الغذائي لا يمكن التعامل معه باعتباره استجابة إغاثية موسمية، ولا باعتباره مسألة مراقبة أسعار فحسب، بل ينبغي فهمه بوصفه حلقة ضغط بدأت بانهيار سعر الصرف، ثم تعمقت مع الدولرة وتراجع المداخيل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، قبل أن تزيد الحرب الأخيرة، وتضرر الزراعة، وتراجع التمويل، من إحكامها.
لذلك، كلما طال بقاء الأسر داخل هذه الحلقة المفرغة، صار الخروج منها أكثر صعوبة؛ لأن التعافي لا يحتاج إلى ضبط الأسعار أو استقرارها فحسب، بل إلى تحسين الدخل أيضًا، وتخفيف الديون، واستعادة القدرة على الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم معًا.
أسعار الغذاء قبل تثبيت سعر الصرف وبعده
يمكن تقسيم مسار أسعار الغذاء في لبنان إلى مرحلتين أساسيتين. ففي المرحلة الأولى، الممتدة منذ بداية الأزمة المالية حتى صيف عام 2023، كان العامل الأساسي هو انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية في مقابل الدولار الأميركي.
وخلال تلك المرحلة، ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 19,845 في المئة، وفق الحساب المبني على مؤشر أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي، والمنشور ضمن قواعد بيانات تتابع السلسلة نفسها.
وقد كان تضخم أسعار الغذاء يُقرأ أساسًا بوصفه ترجمة مباشرة لفقدان الليرة اللبنانية قيمتها. فكانت كل موجة تدهور في سعر الصرف تنتقل مباشرة إلى كلفة الخبز والحبوب والخضار واللحوم وسائر المواد الأساسية.
لكن المرحلة الثانية، التي بدأت مع تثبيت سعر الصرف الفعلي اعتبارًا من صيف عام 2023، تحمل دلالة مختلفة. فبعد استقرار سعر صرف الليرة عند مستوى 89,500 ليرة للدولار، لم يعد ممكنًا حصر تفسير ارتفاع أسعار الغذاء بانهيار سعر الصرف، ولا سيما أن أسعار الغذاء ارتفعت منذ صيف عام 2023 حتى نهاية نيسان/أبريل الماضي بنحو 70 في المئة، وفق مؤشر أسعار الغذاء.
وهذا يعني أن الأزمة انتقلت من تضخم ناتج من انهيار العملة إلى تضخم بالدولار نفسه، أي إلى ارتفاع في الكلفة الفعلية للغذاء، حتى بالنسبة إلى الأسر التي أصبح جزء من دخلها مدولرًا.
لم يكن مصدر هذا التضخم واحدًا. فقد أتى جزء منه من «تصحيح» أسعار سلع وخدمات كانت قيمتها الفعلية بالدولار قد انخفضت خلال سنوات الانهيار المالي والاقتصادي، قبل أن تبدأ بالعودة تدريجيًا إلى مستويات أعلى مع توسع الدولرة واستقرار سعر الصرف.
ويظهر ذلك خصوصًا في الخدمات المحلية، إذ ارتبط تراجع التضخم في لبنان باستقرار سعر الصرف والدولرة شبه الكاملة لأسعار الاستهلاك، لكنه بقي مصحوبًا بتضخم مستمر في قطاعات الخدمات المحلية، مثل الإيجارات والنقل والكهرباء.
وخلال هذه المرحلة، ارتفعت الإيجارات بنحو 61 في المئة، وتعرفة النقل بنحو 43 في المئة، وبند «المسكن والمياه والغاز والكهرباء والمحروقات الأخرى» بنحو 68 في المئة. وهذا يعني أن تضخم أسعار الغذاء يتحرك ضمن موجة أوسع من إعادة تسعير الكلفة المعيشية بالدولار، بدءًا من الإيجار، مرورًا بالخدمات والطاقة، وصولًا إلى النقل.
وثمة جزء آخر من التضخم هو تضخم مستورد، إذ يعتمد لبنان على الاستيراد لتأمين الجزء الأكبر من حاجاته الغذائية الأساسية، وخصوصًا الحبوب. وقد شكّلت الحرب الروسية ـ الأوكرانية صدمة كبيرة في أسواق السلع العالمية، في ظل اعتماد لبنان الكبير على استيراد القمح بصورة خاصة.
لذلك، عندما ترتفع أسعار القمح والزيوت والحبوب أو كلفة الشحن عالميًا، ينتقل جزء من هذه الكلفة إلى السوق اللبنانية، حتى في ظل تثبيت سعر الصرف. وهذا ما جعل التضخم بعد عام 2023 مختلفًا عن تضخم مرحلة الانهيار؛ فلم يعد مصدره انهيار الليرة وحده، بل بات يتأثر أيضًا بالأسعار العالمية التي تنتقل إلى السوق المحلية من خلال الاستيراد والتسعير بالدولار.
إضافة إلى ذلك، فتحت الدولرة الباب أمام هوامش تسعير أوسع داخل السوق. فحين تصبح الأسعار مقوّمة بالدولار أو محسوبة على أساسه، لا يعني ذلك أن السعر يعكس الكلفة وحدها. ففي سوق ضعيفة الرقابة، ومجزأة، وتعمل في ظل درجة مرتفعة من عدم اليقين، يميل التجار والمستوردون إلى تحميل الأسعار هوامش تحوط إضافية، تحسبًا لتبدل الكلفة، وصعوبة التمويل، وتقلب تكاليف الشحن، واحتمال تغير الأسعار لاحقًا.
وبمعنى آخر، تحولت الدولرة من أداة لتخفيف أثر انهيار سعر صرف الليرة إلى إطار يسمح بإعادة تسعير السلع والخدمات صعودًا، حتى عندما لا يكون سعر الصرف هو المحرك المباشر.
وبذلك، لم يعد تدهور سعر الصرف هو المحرك الأساسي للتضخم، إذ باتت الأسعار مدفوعة بعوامل بنيوية في الاقتصاد السياسي اللبناني. وبهذا المعنى، لم يكن تثبيت سعر الصرف كافيًا لوقف تضخم أسعار الغذاء، لأنه عالج قناة واحدة من قنوات التضخم، فيما بقيت قنوات الكلفة المستوردة، وتصحيح الأسعار بالدولار، وهوامش التسعير في السوق، تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
ومن زاوية أوسع، بقي التضخم المحلي في لبنان أعلى بكثير من التضخم العالمي، على الرغم من استقرار سعر صرف الليرة منذ آب/أغسطس 2023. أي إن تثبيت سعر الصرف لم يُنهِ أزمة الأسعار، بل كشف وجهًا جديدًا منها، يتمثل في تحرك الأسعار داخل اقتصاد مدولر، في وقت بقيت فيه المداخيل وشبكات الحماية الاجتماعية أضعف من أن تواكبها.
ومع التصعيد الإقليمي الأخير، ظهرت حساسية الأسعار تجاه أي صدمة إضافية. فمنذ نهاية شباط/فبراير حتى نهاية نيسان/أبريل، ومع بداية الحرب في المنطقة وصدمة أسعار النفط، ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان بنحو 5.7 في المئة خلال شهرين فقط، على أساس شهري، وفق الحساب المبني على مؤشر أسعار الغذاء.
كما ارتفعت كلفة سلة الحد الأدنى للبقاء الغذائي في آذار/مارس وحده بنحو 6 في المئة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات بعد الإجراءات المالية الداخلية والتصعيد الإقليمي.
الفقر وانهيار القدرة الشرائية
لا يتحول ارتفاع الأسعار إلى أزمة أمن غذائي إلا عندما يتزامن مع انهيار الدخل، وهذا ما حصل في لبنان. فقد ازداد الفقر أكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير، ليصل إلى 44 في المئة من مجموع السكان في عام 2022.
وكان لعوامل عدة، من بينها الأزمة الاقتصادية، وانهيار قيمة العملة المحلية، والتضخم، دور في التراجع الحاد في القدرة الشرائية للأسر. ولم يظهر هذا التراجع في حجم الإنفاق فحسب، بل في نوعية الغذاء أيضًا.
فبحسب تقييم البنك الدولي نفسه، لم تكن الأسر تتعامل مع الأزمة من خلال خفض الإنفاق على الطعام فحسب، بل من خلال تغيير نظمها الغذائية والانتقال إلى خيارات أرخص وأقل تنوعًا. وهنا يصبح الفقر مسألة غذائية مباشرة، إذ إن الأسر لا تختار ما تحتاج إليه غذائيًا، بل ما تستطيع دفع ثمنه.
ويقدم برنامج الأغذية العالمي الصورة نفسها من منظور تقديم المساعدات؛ فمنذ بداية الأزمة الاقتصادية في تشرين الأول/أكتوبر 2019، تراجعت قدرة الأسر اللبنانية، ولا سيما الأكثر فقرًا، على تأمين الغذاء الكافي.
ويزيد ضعف شبكات الحماية الاجتماعية من حدة المشكلة. وقد ورد في تقرير لبرنامج الأغذية العالمي عن بناء أنظمة الحماية الاجتماعية أن البرنامج الوطني لاستهداف الفقر توسع من 5,000 أسرة في عام 2014 إلى 75,000 أسرة في عام 2023، قبل أن تؤدي قيود التمويل في عام 2024 إلى الانتقال من تحويلات شهرية إلى تحويلات كل شهرين، ثم إلى توقف البرنامج في حزيران/يونيو 2024.
وهذا يعني أن الأسر كانت تواجه موجة أسعار مرتفعة في لحظة كانت فيها أدوات الدعم المنتظم تتراجع، بدلًا من أن تتوسع.
ولا تقف الصلة بين الفقر والغذاء عند حدود القدرة على شراء السلع الأساسية؛ ففي لبنان، أصبح الغذاء نفسه إحدى أدوات قياس الفقر. فقد بُني خط الفقر المحدّث في تقييم البنك الدولي وفق منهجية «كلفة الحاجات الأساسية»، أي احتساب كلفة الحد الأدنى من الغذاء الضروري لتأمين 2,400 سعرة حرارية يوميًا، ثم إضافة كلفة الحاجات غير الغذائية الأساسية.
وهذا يعني أن الأسرة التي لا تستطيع تأمين غذاء كافٍ لا تكون أمام مشكلة معيشية فحسب، بل تدخل مباشرة في صلب تعريف الفقر نفسه.
وتظهر الأرقام الأخيرة أن هذا الضغط لم ينتهِ مع الاستقرار النسبي في سعر الصرف. فوفق تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان «آفاق الفقر الكلي»، في نيسان/أبريل 2026، بقيت نسبة الفقر بين اللبنانيين مرتفعة في عام 2025، مع تراجع طفيف فقط من نحو 37 في المئة في عام 2024 إلى 36 في المئة في عام 2025، بعدما كانت قد بلغت ذروتها في عام 2024 نتيجة اضطرابات الحرب والانكماش الاقتصادي.
وهذا يعني أن قسمًا واسعًا من الأسر دخل مرحلة ما بعد الانهيار من دون هامش حماية فعلي، في ظل غياب مدخرات كافية، أو دخل ثابت، أو شبكة دعم قادرة على امتصاص موجات الأسعار الجديدة.
وهكذا تظهر الصلة المباشرة بين الفقر والغذاء. فالأسرة الفقيرة لا تتأثر بارتفاع أسعار الغذاء بالطريقة نفسها التي تتأثر بها الأسرة الأعلى دخلًا. وبالنسبة إلى الفئات الهشة، فإن الغذاء ليس بندًا يمكن تأجيله، لكنه ليس البند الوحيد أيضًا في ميزانية الأسرة.
لذلك، عندما ترتفع كلفة الإيجار والكهرباء والمياه والنقل والدواء، تضطر الأسرة إلى تمويلها من الدخل نفسه الذي تشتري منه الطعام.
ويشير البنك الدولي إلى أن أسعار التعليم ارتفعت بنحو 38.8 في المئة، والإيجارات بنحو 27 في المئة، والغذاء والمشروبات غير الكحولية بنحو 20.4 في المئة في عام 2025. أي إن المنافسة لا تكون بين الإنفاق على الغذاء والسلع الكمالية، بل بين الغذاء وحاجات أساسية أخرى، وكل ارتفاع في كلفة إحداها يضغط على كمية الغذاء أو نوعيته.
وهذا يفسر المرحلة الأولى من انعدام الأمن الغذائي، التي تظهر في صورة تحول في نوعية الاستهلاك، مثل خفض كمية اللحوم والدجاج، وشراء أصناف أرخص، وزيادة الاعتماد على النشويات، وخفض استهلاك الخضار والفاكهة، أو الاستغناء عن وجبات كانت جزءًا من النظام الغذائي الطبيعي للأسرة.
وهذا ما يجعل الفقر مسألة غذائية قبل أن يصل إلى مرحلة الجوع. فالأسر لا تنتقل فجأة من الاكتفاء إلى الجوع، بل تمر أولًا بمرحلة تآكل بطيء في جودة الغذاء وتنوعه.
وعندما لا تملك الأسر ما يكفي من الغذاء أو الموارد اللازمة لشرائه، تلجأ إلى استراتيجيات تكيف غذائية، مثل الاعتماد على أطعمة أقل كلفة أو خفض عدد الوجبات.
ومن هنا، ارتفعت نسبة الأسر اللبنانية التي استخدمت استراتيجيات تكيف متوسطة من 40 في المئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 إلى 45 في المئة في آب/أغسطس 2024. وهذا يكشف أن قسمًا واسعًا من الأسر كان يدير غذاءه يوميًا تحت الضغط، حتى قبل موجات التصعيد الأوسع.
وتصبح الصورة أوضح عند النظر إلى مؤشرات الأمن الغذائي نفسها. فبحسب البنك الدولي، تراجع انعدام الأمن الغذائي من ذروة بلغت 24 في المئة في أواخر عام 2024 إلى نحو 13 في المئة في مطلع عام 2026، لكنه بقي مرتفعًا مقارنة بالمستويات التاريخية.
وهذا التراجع لا يعني خروج الأسر من الهشاشة، بل انتقالها من ذروة الأزمة إلى وضع قابل للانكسار مجددًا. والدليل أن الحرب الأخيرة تسببت في رفع عدد الأشخاص الذين يواجهون أزمة غذائية في لبنان إلى نحو 1.24 مليون شخص بعد نيسان/أبريل 2026، أي نحو ربع السكان المشمولين بالتحليل.
وبهذا المعنى، فإن الفقر هو ما يفسر التحول السريع لارتفاع أسعار الغذاء إلى أزمة أمن غذائي في لبنان. فقد تبقى الأسواق مفتوحة، وقد تكون السلع متوافرة، لكن القدرة على الوصول إليها تتراجع.
ومع كل صدمة جديدة، لا تبدأ الأسر الفقيرة من الصفر، بل من مستوى سابق من الاستنزاف، يتمثل في الديون، وفقدان المدخرات، وتراجع تنوع الغذاء، وعدم ضمان المساعدات.
لذلك، عندما يرتفع سعر الغذاء بعد تثبيت سعر الصرف، أو تتراجع المساعدات، أو ترتفع كلفة الخدمات الأساسية، تكون النتيجة المباشرة دفع أسر جديدة من الفقر النقدي إلى الفقر الغذائي، ثم إلى انعدام الأمن الغذائي.
تسريع الحرب لانعدام الأمن الغذائي
قبل الحرب الأخيرة، كان لبنان يعيش أصلًا حالة من الهشاشة الغذائية المزمنة. فمنذ أيلول/سبتمبر 2022، بقي عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة عاجلة، أي المصنفين في المرحلة الثالثة وما فوق، عند مستوى مليون شخص أو أكثر.
وفي أيار/مايو 2023، بلغ عدد هؤلاء 1.4 مليون شخص، ثم تراجع في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 1.05 مليون شخص، قبل أن يرتفع مجددًا مع تصاعد الحرب.
وبين تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2024، واجه 1.59 مليون شخص في لبنان، أي 29 في المئة من السكان المشمولين بالتحليل، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
ومن بين هؤلاء، كان 205 آلاف شخص في مرحلة الطوارئ، و1.39 مليون شخص في مرحلة الأزمة. ومثّل ذلك زيادة بأكثر من 300 ألف شخص مقارنة بتقديرات الفترة الممتدة بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2024، نتيجة الأثر المركب للحرب والنزوح على الاقتصاد، ولا سيما على قطاعي التجارة والسياحة، إضافة إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية السابقة.
ولم يتوقف التدهور عند نهاية التصعيد العسكري المباشر. فبين كانون الأول/ديسمبر 2024 وآذار/مارس 2025، ارتفع العدد إلى 1.65 مليون شخص، أي 30 في المئة من السكان المشمولين بالتحليل.
وهذا يعني أن وقف إطلاق النار أو خفض التصعيد لا يُترجم فورًا إلى تعافٍ غذائي، لأن عودة الناس إلى مناطقهم لا تعني عودة الدخل، ولا إعادة فتح الأسواق، ولا ترميم الأراضي الزراعية، ولا استعادة شبكات النقل والتوزيع.
وأثرت الحرب في الإنتاج المحلي أيضًا، إذ تعرضت الزراعة في الجنوب والنبطية وبعلبك ـ الهرمل لضربة واسعة. وقد أشار 85 في المئة من الأسر العاملة في قطاع الزراعة إلى مواجهتها صعوبات في الإنتاج في كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومن ناحية أخرى، يستورد لبنان نحو 50 في المئة من إجمالي إمداداته الغذائية، ونحو 90 في المئة من إمداداته من الحبوب. وهذا الاعتماد على الخارج يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو الشحن أو الأسعار العالمية ينتقل سريعًا إلى السوق المحلية.
وفي عام 2025، بقيت المساعدات عاجزة عن مجاراة الحاجات. فقد توقع برنامج الأغذية العالمي أن يرتفع عدد اللبنانيين الذين يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي إلى 705 آلاف أشخاص، أي 18 في المئة من السكان، بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، مقارنة بـ591 ألفًا، أي 15 في المئة، في حزيران/يونيو 2025.
كما أشار البرنامج إلى أنه كان متوقعًا أن يواجه 33 في المئة من اللاجئين السوريين انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، في ظل خفض المساعدات النقدية واتساع فجوات التمويل.
أما التصعيد الإقليمي في عام 2026، فقد أعاد الأزمة إلى مستوى أعلى. إذ كان متوقعًا أن يواجه نحو 1.24 مليون شخص في لبنان، أي نحو ربع السكان المشمولين بالتحليل، مستويات الأزمة أو ما هو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، خلال الفترة الممتدة بين نيسان/أبريل وآب/أغسطس 2026.
ويمثل ذلك تدهورًا واضحًا مقارنة بالفترة الممتدة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وآذار/مارس 2026، حين كان العدد المقدر 874 ألف شخص، أو 17 في المئة من السكان المشمولين بالتحليل.
الأمن الغذائي والاجتماعي في خطر
لا يواجه لبنان أزمة أسعار فحسب، بل يعاني أيضًا من أزمة أمن غذائي متكاملة. ففي البداية، كان انهيار سعر الصرف يفسر الجزء الأكبر من الصدمة. أما اليوم، فقد أصبح الخطر أوسع؛ إذ ترتفع أسعار الغذاء بالدولار، في حين لا تلحق بها المداخيل، فضلًا عن ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع المساعدات، وتضرر الزراعة، وحساسية الأسواق تجاه أي صدمة أمنية أو نفطية.
ويتعزز هذا التقدير بسبب شبه انعدام التعافي على مختلف المستويات، سواء لناحية ضعف قدرة الحكومة وإمكاناتها التمويلية، أو لناحية تراجع التغطية المالية الخارجية التي كانت تصل إلى الأسر من خلال تحويلات المغتربين.
وهذا يعني أن المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي لا تقتصر على توافر السلع في السوق، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحلقة ضغط بدأت مع انهيار عام 2019، ثم توسعت مع ضعف قدرة الدولة على التدخل، وتراجع التمويل، وتآكل شبكات الحماية، وأخيرًا الحرب.
وبناءً عليه، كلما اتسعت الفئة الواقعة على حافة الأزمة أو الطوارئ الغذائية، أصبحت أي صدمة إضافية كافية لدفع أسر جديدة إلى مستويات أشد من الهشاشة الغذائية والمعيشية.
والأخطر هو أن هذه الحلقة تترك آثارًا متوسطة وبعيدة الأمد. فالأسرة التي تدخل في حالة انعدام الأمن الغذائي لا تخرج منها فورًا بمجرد هدوء الأسعار أو تحسن الأسواق، لأنها تكون قد استنزفت مدخراتها، وراكمت ديونًا، وغيّرت نمط غذائها، وقلصت إنفاقها على الصحة والتعليم.
لذلك، حتى إذا بدأ التعافي لاحقًا، فلن يشمل تلقائيًا جميع الذين انزلقوا إلى هذا المستوى المتدني من القدرة على الصمود.
وعلى المستوى الصحي، سيظهر الأثر في السنوات المقبلة من خلال ارتفاع المخاطر المرتبطة بسوء التغذية، ولا سيما لدى الأطفال والنساء وكبار السن. فالغذاء الأرخص لا يعني دائمًا غذاءً كافيًا أو متوازنًا، ما يزيد احتمالات الإصابة بفقر الدم، وضعف المناعة، والأمراض المرتبطة بنقص العناصر الغذائية، ويضيف أعباء جديدة إلى نظام صحي منهك أصلًا.
أما على المستوى التعليمي، فتتحول كلفة الغذاء إلى عامل ضغط على قرارات الأسرة. فعندما تصبح الأولوية لتأمين الطعام والشراب، تتراجع القدرة على تغطية كلفة النقل والقرطاسية والملابس والإنترنت، وتزداد احتمالات الغياب والتسرب المدرسي أو دخول الأطفال سوق العمل.
وبهذا المعنى، يتحول الأمن الغذائي إلى عامل يحدد فرص جيل كامل.
أما اجتماعيًا، فإن استمرار الهشاشة الغذائية والمعيشية يزيد الميل إلى الهجرة بحثًا عن دخل واستقرار. وهذا لا يعني خروج أفراد من سوق العمل المحلية فحسب، بل يفاقم أيضًا تفكك الأسر وشبكات الدعم التي اعتمدت عليها المجتمعات خلال الأزمة.
لذلك، سيكون التعافي من أزمة الأمن الغذائي بطيئًا، لأنه يتطلب ترميم الدخل، والصحة، والتعليم، والثقة بقدرة الدولة على الحماية، في آن واحد.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، مختصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية في جوانبها النظرية والتطبيقية. يعمل المركز على تعزيز البحث العلمي المنهجي والعقلانية في فهم قضايا المجتمع والدولة، ويتجاوز ذلك إلى دراسة علاقات الوطن العربي ومجتمعاته بمحيطه المباشر، وبالسياسات العالمية المؤثرة فيه، بجميع أوجهها.
