لم يرتفع صوت الرئيس اللبناني عاليًا في وجه بري، الذي اضطر إلى الرد عليه بطريقة كشفت دفعة واحدة عمق الخلافات. بل خضع الأمر لما يشبه ميكانيكا التسارع مع قطع المسافات؛ بمعنى أنّه لم يكن وليد لحظته، بل كشفٌ مفاجئ فرضته رياح تضخّم حجم الصبر إلى حدّ الانفجار. غير أنّ هذا الصبر، في مشهد كهذا، لم يكن بين فريقين أحدهما يطلب والآخر يعطي، بل بين عدّة فرقاء، كلٌّ منهم يعطي من دون أن يحصل على شيء، بل يتحمّل مقدارًا متصاعدًا من الخسارة التي سبّبتها قيادةٌ باتت تدفع الفرقاء إلى التنازع على الإفلات من دفّتها بدل الإمساك بها، وحمل لعنةٍ قد لا…
أكتبُ ليبقى الكلام أثراً… حيث المعاني لا تكتمل إلا حين تُكتب، فتغدو شاهداً على ما كان وما ينبغي أن يبقى. أكتبُ لأن عقرب الوقت يمضي، وما يتركه الإنسان أصدق من حضوره، لأن الزمن يمحو التفاصيل، لكنه لا يطال ما سكن في الوجدان. أكتبُ لمن أدرك سرَّ الكلمة ومعنى الوجود، حيث لا يكون الحرف صوتاً عابراً، بل امتداداً لفكرةٍ تبحث عن خلودٍ في ذاكرة المعنى. أكتبُ لتبقى الكلمة نبضاً لا يزول، حين تُسدل الستارة ويُختتم المشهد. أكتبُ لبدايةٍ لم تُرَ… وحكايةٍ لن تُروى، في المسافة بين الصمت والإدراك. أكتبُ للمارد الذي يسكنني في ليلي ونهاري، الذي لا يهدأ، يدفعني للسؤال أكثر…
ليست العيون التي فُقئت في ساحات احتجاجات لبنان عام 2019 مجرّد أرقام، ولا الظهور التي خُرّدت بالعصي والرصاص المطاطي تفصيلاً عابراً في نشرة أخبار. هناك، في تلك اللحظة، كان اللبناني يدافع عن كرامته، وينزل إلى الساحات أعزل، إلا من صوته، ليقول إن هذا البلد ليس مزرعة، ولا إرثاً خاصاً مملوكاً لأحد، ولا شركةً مفلسة تُدار فوق رؤوس الناس. كانت الشرارة ستة سنتات على تطبيق واتساب. لكن الحقيقة كانت صرخةً عمرها عشرات السنين، جاءت بعد انتخابات 2018 التي شعر كثيرون أنها لم تُنتج تمثيلاً حقيقياً، بل أعادت تدوير الطبقة نفسها، بالذهنية نفسها، وبالاستخفاف ذاته بعقول الناس. ثم، بعد قرابة ست سنوات،…