تتقدّم المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران نحو لحظة مفصلية، لكنها تصل مثقلةً بقدر كبير من الضبابية، ما يجعل مصيرها مفتوحاً على كل الاحتمالات. فالجولة التي يُفترض أن تحتضنها العاصمة الباكستانية تبدو أقرب إلى اختبار أخير لإمكانية تجنّب الانفجار، أكثر منها مساراً تفاوضياً تقليدياً قابلاً للنجاح. يترافق هذا الغموض مع تصاعد ميداني لافت أعاد طرح سيناريو انهيار وقف إطلاق النار إلى الواجهة بقوة. وقد شكّل احتجاز الولايات المتحدة سفينة الشحن الإيرانية العملاقة "توسكا" تطوراً مفصلياً في هذا السياق، إذ اعتُبر خطوة تصعيدية إضافية تحت عنوان فرض الحصار البحري، في وقت تلوّح فيه طهران بالتراجع عن المشاركة في المحادثات ما لم يُرفع…
تتحوّل طاولات التفاوض، في لحظات التاريخ الحرجة، من مجرّد مساحة لتبادل الأوراق السياسية إلى ميادين مفتوحة لاختبار المعادن الإنسانية، حيث لا تعود الغلبة فيها لمن يمتلك الترسانة الأضخم، بل لمن يحمل في حقيبته وضوحاً مبدئياً لا يقبل الكسر. ولعلّ في تجربة الوفد الفيتنامي الذي حلّ ضيفاً على باريس في أواخر ستينيات القرن الماضي ما يُجسّد هذا المعنى بأبهى صوره. فبينما كانت أضواء العاصمة الفرنسية تتلألأ ترحيباً بالدبلوماسيين، اختار هؤلاء المقاتلون القادمون من عمق الأدغال أن يضربوا حول أنفسهم سياجاً من الزهد الأخلاقي والانضباط المعنوي، مدركين بحسّهم الفطري أنّ نعومة المقاعد الدبلوماسية قد تسبق ليونة المواقف السياسية، وأنّ من اعتاد صلابة…
في لبنان، لا يُكافأ من يحترم القانون، بل يُحاصَر. هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة سياسية تتكرّر مع كل محاولة جدية لإعادة الاعتبار إلى الدولة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو حالة نواف سلام استثناءً، بل اختبارًا فاضحًا لطبيعة النظام نفسه. المشكلة لا تكمن في الرجل، بل في البيئة التي يعمل فيها. فسلام لا يقوم بأكثر من التصرّف وفق ما يفترض أن يكون بديهيًا في أي دولة: الاحتكام إلى القانون. غير أنّ ما هو بديهي في الدول، يتحوّل في لبنان إلى سلوك إشكالي، بل استفزازي، لأنه يصطدم مباشرة بمنظومة قامت أساسًا على الالتفاف على القانون، لا تطبيقه. هذه المفارقة ليست تفصيلًا.…