يا لها من عبقرية تشريعية تستحق أن تُخلَّد في تاريخ الاستبداد! أن تُسنّ القوانين لحماية مشاعر الحاكم والمستبد والمستغل والسارق وغيرهم، بينما تُترك حياة المحكوم نهبًا للجوع والفقر والإذلال والفساد. أن يصبح لسان المواطن خطرًا يستدعي المحاسبة، بينما تبقى الأفعال التي أثارت غضبه خارج دائرة المحاسبة الفعلية. وأن تتحوّل الكلمة إلى جريمة محتملة، في حين يجد الفعل الذي ولّدها ألف طريق للإفلات من المساءلة. يأكلون حقوقك… ثم يحاسبونك على طريقة صراخك! يأكلون حقوقك، ويبدّدون أموالك، ويثقلون ظهرك بالضرائب، ويتركونك أمام مستشفى بلا دواء ومدرسة بلا تعليم، ويسرقون مالك، ويقتنصون روحك، وينهبون عرق جبينك، ويستولون على جنى عمرك وحقوقك. ثم، إذا…
في 23 تشرين الأول 2026، صدر قرار عن مؤسسة كهرباء لبنان بقطع التغذية عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات التي لم تسدّد فواتيرها، على أن يبدأ التنفيذ صباح الاثنين، 2 تشرين الثاني 2026، فيما استُثنيت المستشفيات الحكومية من إجراء القطع لأسباب إنسانية. ويستدعي هذا القرار توضيح نطاق الاستثناء الممنوح للمستشفيات الحكومية وحدوده، والتمييز بين استمرار تزويدها بالكهرباء، حفاظاً على الخدمات الصحية وحياة المرضى، وبين أي إعفاء محتمل من تسديد الفواتير المتوجّبة عليها. فالخلط بين الأمرين قد يفضي إلى استنتاجات لا يسندها مضمون القرار. ومن الناحية القانونية، ثمة فرق جوهري بين استثناء المستشفيات من قطع التغذية وإعفائها من الديون. والاستثناء، بحدّ ذاته،…
تُتقن بعض السلطات فنّ تسويق الأوهام، فتغلّف الوعود بشعارات برّاقة، وتعرض المساعدات والهبات كأنها عطايا سخيّة بلا ثمن. غير أن التاريخ والواقع يثبتان، مراراً، أن السياسة لا تعرف المجّان، وأن وراء كل باب يُفتح بكرم ظاهري مصالح كامنة تنتظر لحظة استحقاق الفاتورة. فالسياسة الدولية لا تُدار بالقلوب الرحيمة ولا بالنيّات الحسنة، بل تحكمها الحسابات وموازين القوى. وما يُقدَّم اليوم تحت عناوين برّاقة، مثل «الشراكات الاستراتيجية»، قد يكون ثمناً مقدّماً لنفوذ طويل الأمد، ومدخلاً إلى سلب سيادة القرار تدريجياً. «لا جبنة بالمجّان إلا في المصيدة»؛ ليست هذه العبارة مجرد مثل شعبي ساخر، بل تختصر حقيقة سياسية ينبغي أن يدركها كل حاكم…