أبهرني المحامي المدعو جورج يونس بشكوى قدح وذمّ وتشهير تقدّم بها ضدّي لدى مخفر أنطلياس، على خلفية الفيديو الذي نشرته مؤخراً عن عمليات نصب واحتيال يقوم بها أنطوان معربس، بتغطية من وكيله القانوني جورج يونس.
في الشكل، يبدو أن يونس بلغ من الانشغال بمحاولة تضليل العدالة حدّ اختزال ملف اختلاس واحتيال وتحرّش، قد تتكشّف فيه أيضاً شبهات تبييض أموال تتورّط فيها أسماء كبيرة، سياسية وغير سياسية، في مجرّد شكوى قدح وذمّ. محاولة لتسخيف الملف وصرف الأنظار عن جوهره، بدلاً من مواجهة ما يتضمّنه.
وفي غمرة هذا الانشغال، يبدو أنه نسي الاطّلاع على قانون الإعلام الجديد وأحكامه المتعلّقة باختصاص المحاكم المدنية في قضايا النشر الصحافي. ومن هنا، فإن موقفنا واضح: الشكوى، يا يونس، ساقطة في الشكل قبل المضمون.
أما في المضمون، فإذا كان ثمن توعية الرأي العام، وتحذيره من عمليات النصب والاحتيال التي تقومون بها، والحدّ من عدد ضحاياكم، دعوى قدح وذمّ، فنحن لها. فما فعلناه ينسجم مع رسالتنا الصحافية وضميرنا المهني، ولا نتراجع عنه تحت ضغط الشكاوى.
لست نادمة على نشر الفيديو، ولو عاد بي الزمن لنشرته بالمضمون نفسه. فقد وردتنا بعد نشره، للأسف، عشرات الرسائل والشكاوى من أشخاص تعرّضوا لعمليات النصب والابتزاز والاحتيال نفسها التي تناولناها، وبأساليب قذرة جداً، وبتغطية منك أيضاً، سيّد يونس.
وهنا يستوقفني قول أحد المدافعين عن عمل المحامي: «للمحامي الحقّ في أن يدافع عن موكّله، حتى لو كان مغتصب أطفال».
وجوابي أمام الرأي العام واضح: نعم، للمحامي حقّ الدفاع عن موكّله. لكن، إذا أردنا استكمال المثال نفسه، فهل يشمل هذا الحقّ تدبير الأطفال ليغتصبهم الموكّل؟ وهل يجيز للمحامي أن يمسك بيد طفل، ويقوده بنفسه إلى موكّله، وهو يعلم مسبقاً ما ينتظره، فيما يطمئنه طوال الطريق بأنه لن يتعرّض للأذى؟
هذا هو الفارق بين الدفاع عن شخص والمشاركة في تمكينه من إيذاء الآخرين. وهذا هو جوهر السؤال الذي نطرحه.
أما الوقائع المتعلّقة بالملف الذي كشفناه، وغيرها الكثير، فأصبحت لدينا وباتت في عهدة الجهات المختصّة. وأجدّد، مرّة بعد مرّة، مطالبة نقابة المحامين بأن تضرب بيد من حديد. فليس مقبولاً أن يمارس أيّ محامٍ هذه الأعمال متحصّناً بنقابته وحصانته، وباسم ضمانات باتت حدودها ووظيفتها تحتاجان إلى إعادة تأكيد وتعريف.
نريد محاسبة تجعل من تثبت مسؤوليته عبرةً لغيره؛ فما يحصل في أوساط بعض المحامين يدقّ ناقوس الخطر، ولا يجوز أن تكون حماية المهنة ذريعة لحماية من يسيء إليها.
وأخيرًا، كفى عدالة استنسابية وغبّ الطلب في لبنان. فمن غير المقبول أن تتوالى على أنطوان معربس مذكّرات التوقيف ومحاضر الجلب والتعاميم والإحضارات والأحكام، فيما يبقى فارّاً في وكر لا نعرف مكانه. لكنه سيخرج منه عاجلاً أم آجلاً؛ فلا قوّة تعلو على قوّة الدولة.
ومن غير المقبول، في المقابل، أن نُطالَب نحن بالمحاسبة لأننا كشفنا هذا الملف ووضعناه أمام الرأي العام، ولأننا نصرّ على المساءلة، ونطالب بأن تستردّ كلّ ضحية حقّها، وهو حقّ شرعي لا منّة من أحد.
وأقولها بالفم الملآن: حين يمثل أنطوان معربس أمام القضاء، وينال الجزاء الذي يستحقّه، ويردّ إلى الناس الحقوق التي سلبها بالنصب والاختلاس؛ وحين يخضع المحامي جورج يونس للتحقيق لدى نقابته، وللتأديب أو المحاسبة إذا استلزم الأمر، عندها أتعهّد أمام الرأي العام بأن أمثل، لا أمام نيابة عامة فحسب، بل أمام أعلى سلطة قضائية في لبنان.
فنحن نملك ملفّاً جدّياً ودسماً عن أعمالك أنت وأنطوان معربس، سيّد يونس، ونطالب بأن يخضع هذا الملف للمساءلة باسم القانون والعدالة.
أما أن تبقى العدالة استنسابية وغبّ الطلب، فيحتمي البعض بغطاء سياسي أو طائفي أو حزبي، فيما لا يحتمي آخرون إلّا بكلمة الحقّ، فتلك مرحلة نرفض استمرارها. هذه الأيام ولّت.
يوم الثلاثاء لن أمثل أمام القضاء؛ ليس تهرّباً من العدالة، كما يفعل غيرنا، بل تمسّكاً منّي بالعدالة، وبقانون الإعلام، وبقانون النقابة التي أنتسب إليها.
نحن تحت القانون. وسيبقى هذا الملف ملفّ رأي عام، وستكون لنا فيه جولات وجولات أخرى.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
