أكتب بصفتي ابنة زحلة، قبل أيّ صفة مهنية، لأن ما يعنيني في السجال الذي رافق شراء الأستاذ سمير صادر مستشفى خوري العام يتجاوز شخص المشتري وأسماء منتقديه. يعنيني مصير مؤسسة استشفائية، وحاجة الناس إلى العلاج، وقدرة هذه المدينة على استقبال مبادرة اقتصادية ومناقشتها بعقل ومسؤولية، من دون تحويلها إلى مناسبة جديدة لاستنزاف نفسها.
ومن موقعي الصحافي، أعرف أن الاستثمار لا يمنح صاحبه حصانة ردّ السؤال، وأن شراء مستشفى يلقي على عاتق مالكه مسؤولية تتصل بصحة الناس وحقوق العاملين فيه واستمرارية خدماته. لكنني أعرف أيضاً أن المسافة واضحة بين السؤال والاتهام، وبين التحقيق والتجريح، وبين البحث عن الحقيقة وصناعة الشبهة.
لذلك، فإن موقفي ينطلق من مصلحة زحلة. لا أكتب شهادة براءة لأحد، ولا أطلب من أحد أن يتنازل عن حقه في الرقابة والمساءلة. أطالب بأن نرتقي بهذا الحق إلى مستوى المسؤولية التي يفترضها، وأن نكفّ عن التعامل مع سمعة الأشخاص ومستقبل المؤسسات بوصفهما مادة متاحة لكل خصومة.
عندما تنتقل ملكية مستشفى، يُفترض أن تنصرف الأسئلة أولاً إلى ما يمسّ أهل المدينة في صميم حياتهم: هل يستمر المستشفى في أداء دوره؟ ما خطة تطويره؟ كيف تُصان حقوق موظفيه وأطبائه وممرضيه؟ وما الذي سيتغير في مستوى الخدمة وكلفتها ومدى إتاحتها للمرضى؟
هذه أسئلة أقلّ ما يقال عن إجاباتها إنها جديرة بالصحافة، وبأهل المدينة، وبكل من يعلن حرصه عليها. أما استبدالها بالتلميحات واستدعاء الخصومات وتوزيع النيات، فلا يقدّم إلى مريض سريراً، ولا إلى موظف ضمانة، ولا إلى زحلة فرصة إضافية للنهوض.
ومن يملك مستنداً على ما تمّ تداوله، فليضعه أمام الناس والجهات المختصة. المستند يُناقَش، والواقعة تُفحَص، والمسؤولية تُحدَّد. أما إلقاء الكلام على عواهنه ثم مطالبة المستهدَف بإثبات براءته من كل ما يمكن تخيّله، فهو قلب لوظيفة الصحافة ولأبسط قواعد الإنصاف.
بدورها، تستحق العودة إلى الماضي سؤالاً عن الغاية والوسيلة. فالماضي يصبح أداة إيذاء حين يُستدعى انتقائياً، ويُفصل عن سياقه، ويُعاد تدويره كلما دخل صاحبه مشروعاً جديداً. ولا تُبنى صدقية العائد إليه على افتراض أنه وحده صاحب السيرة التي لا تشوبها شائبة، بل على دقة ما يقدّمه وعدالته واستعداده لتحمّل مسؤولية كلمته.
زحلة، في المقابل، دفعت كثيراً من رصيدها كلما تقدمت الولاءات الضيقة على المصلحة المشتركة، وكلما أصبحت علاقة ابن المدينة بابن مدينته تمرّ عبر جهة حزبية أو حساب انتخابي أو خصومة شخصية. فالخطر يبدأ عندما يُقاس المشروع باسم صاحبه، ويُحدَّد الموقف منه بحسب موقعه في خريطة النفوذ، قبل النظر في فائدته للناس.
وإذا كان وراء هذه الحملة طرف أو أكثر، فليتذكّر هؤلاء أن زحلة أوسع من الحسابات الضيّقة، وأن مؤسساتها لا تُختزل في لعبة صفرية، مكسباً لفريق وخسارة لآخر. لقد أنهكت المدينة عقلية تقاسُمها، وتصنيف أهلها، وتوزيع شهادات الانتماء إليها. وكل يد تسهم في تعميق هذا الشرخ إنما تنتقص من زحلة، مهما رفعت الصوت عالياً في ميدان الشعارات.
ثم، إذا كان وراء الحملة متضرر من انتقال ملكية المستشفى، أو صاحب مصلحة تعثّرت، فليكن التوق إلى إنماء المدينة أكبر من خيبة خاصة هنا وأخرى هناك. فللمنافسة أصول، وللاعتراض مسارات، وللحقوق وسائل مشروعة للمطالبة بها. أما جعل مؤسسة صحية ساحةً للانتقام، فيحمّل أهل المدينة ثمن نزاع لم – وأغلب الظن، لن – يكونوا يوماً طرفاً فيه.
أما الإعلام الذي يقبل أن يؤدّي هذا الدور، فعليه أن يسأل نفسه عمّا يبقى من المهنة حين تصبح الكلمة خدمةً لصاحب مصلحة. القلم الذي يسكب حبراً خدمة لخصومة يبدّد ثقة الناس بحبره قبل أن يصيب الخصم بكلماته. والموارد التي تُنفق على التحريض تكون أكثر نجاعة إن وجدت طريقاً إلى منحة علاج، أو مساعدة طالب، أو دعم مؤسسة، أو خلق فرصة عمل. ثمة ما يكفي أصلاً من الألم الساكن في أرجاء هذه المدينة – شأنها شأن معظم أرجاء هذا البلد.
والقارئ المتلقّي، من ناحيته، ليس صفحة بيضاء. فهو يقرأ توقيت الحملات، ويلاحظ انتقائيتها، ويقارن بين الصمت عن ملف والاندفاع في آخر. صحيح، قد يختلف الناس في تفسير ما يرونه، لكن المصداقية تتآكل كلما شعروا بأن المنبر يرفع الصوت حيث تقتضي المصلحة، ويخفضه حيث يصبح السؤال مكلفاً.
فوق هذا وذاك، هناك خشية لا يجوز إغفالها: أن تكون الحملة على مالك المستشفى الجديد، في جانب منها، ردّة فعل “غير مباشرة” على مواقف حازمة وصارمة لشقيقه القاضي سامي صادر، المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان. وهو احتمال يثير القلق، وإن كان إثباته يحتاج إلى أدلة. علماً بأن ما نطالب به منذ سنوات هو قضاء يدكّ بِيد من حديد متاريس المخالفات، ويحمي الحقوق من الوساطات، ويعيد للقانون هيبته. وحين يتجسّد هذا النهج بشهادة كثيرين، يصبح واجبنا أن نتمسّك أكثر فأكثر بترسّخه.
في ما يخص السيّد صادر، مجدداً، فإن شراء المستشفى يضعه بإزاء مسؤولية كبيرة وفرصة واضحة في آن: أن يقدّم، بالإدارة والأداء، ما يطمئن المدينة إلى مستقبل هذه المؤسسة. ومن حق زحلة أن تنتظر منه خطة جادة، وخدمات متطورة، وحقوقاً مصانة، والتزاماً يترجِم الثقة إلى نتائج.
هذا هو الميدان الذي ينبغي أن يتقاطع فوقه الدعم والمساءلة. نشجّع المبادرة، ونتابع تنفيذها، ونسأل عمّا يتحقق منها. نسعد بإمكانية النهوض، ونحافظ على يقظتنا. فالتضامن الناضج يمنح العمل الرصين إطاراً، والناس حقاً في معرفة ما يجري.
ما أخشاه هو أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها كل مشروع متهماً سلفاً، وكل مبادر مضطراً إلى خوض معركة “تبييض” سمعة قبل الشروع بالعمل. عندها، لن تقتصر الخسارة على فرد قرّر الانسحاب أو مستثمر أحجم عن التقدم؛ بل ستدفعها المدينة من رصيد آفاقها المستقبلية وخدماتها وثقة أبنائها بعضهم ببعض.
لقد أمعنّا في استنزاف أحدنا الآخر. وآن أوان أن نسأل عمّا تركناه للمدينة بعد كل هذه المعارك: كم فرصة حمينا؟ كم مؤسسة ساعدنا على الاستمرار؟ وكم مرة انتصرنا في سجال وخسرنا شيئاً من زحلة؟
إلى كل من يملك نفوذاً أو منبراً أو مالاً: اجعلوا لمحبتكم أثراً يمكن للناس أن يعيشوه. افتحوا كوّة، ادعموا علاجاً، احموا فرصة عمل، وساعدوا مؤسسة على النهوض. فالحلم الذي نتحدث عنه يحتاج إلى أيدٍ تعمل وإرادات تتعاون، وإلى شجاعة تتجاوز لذة النيل من الآخرين.
في قضية مستشفى خوري العام، كما في كل قضية تحاكي مستقبل المدينة، حبّذا لو تكون زحلة هي المعيار: مصلحة أهلها، وكرامة مرضاها، وحقوق العاملين فيها، وقدرتها على البقاء قلباً نابضاً يستأهل أن نراهن عليه مديداً.
المدينة تستحق أن نلتقي من أجلها، لا أن تُفقدنا الخصومات ما تبقّى من أسباب اللقاء.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
