في الجزء الأول (https://beirut2030.me/?p=7718)، تناولنا المكانة التاريخية للكنيسة الأرمنية الرسولية ودورها في صون هوية الشعب الأرمني، واستعرضنا الخريطة الدينية لأرمينيا وموقع الكنيسة في بنيتها الوطنية والدستورية. وانتهينا إلى سؤال يتجاوز الخلافات الآنية: كيف أصبحت المؤسسة التي حفظت ذاكرة الأمة واستمرارية حضورها في قلب مواجهة مع السلطة السياسية؟ في هذا الجزء، ننتقل من جذور تلك المكانة إلى تفاصيل الأزمة الراهنة، حيث تتقاطع الملاحقات القضائية مع استقلال القيادة الروحية، وتتداخل حسابات الدولة مع إرث الكنيسة ومسؤولياتها الوطنية.
عندما عبّر الأب غيفورغ فاردانيان، ممثل أبرشية الكنيسة الأرمنية الرسولية في روسيا وناخيتشيفان، عن قلقه إزاء أوضاع كنيسته خلال المنتدى الدولي الثاني عشر «الدين والسلام» في موسكو، كان يلفت الانتباه إلى أزمة تجاوزت مرحلة الخلافات السياسية والتصريحات المتبادلة، وأصبحت تمسّ القيادة الكنسية وصلاحياتها وعلاقتها بمؤسسات الدولة.
وجاءت مداخلته بعدما تناول مدير الجلسة الإجراءات القضائية التي طالت عددًا من رجال الدين، والتوتر المتصاعد بين السلطات السياسية والقيادات الكنسية في أرمينيا. وقد منح طرحُ القضية في محفل دولي للحوار الديني الأزمةَ بُعدًا إضافيًا؛ إذ انتقل النقاش من الساحة الأرمنية الداخلية إلى فضاء أوسع يُعنى باستقلال المؤسسات الدينية، وحماية الحريات، وعلاقة الدولة بالكنيسة.
ولم يكن القلق الذي عبّر عنه الأب فاردانيان منفصلًا عن تطورات متراكمة بدأت بالخلاف حول نتائج الحرب مع أذربيجان، وامتدت إلى مشاركة رجال دين في احتجاجات سياسية، ثم إلى توقيفات وملاحقات قضائية وإجراءات طالت شخصيات كنسية بارزة، وصولًا إلى المواجهة المتعلقة بموقع الكاثوليكوس كاريكين الثاني وإدارة الكرسي الأم في إتشميادزين.
وتقدّم الحكومة الأرمنية هذه الإجراءات في إطار تطبيق القانون، والحاجة إلى إصلاح المؤسسة الكنسية، ومنع تداخل السلطة الدينية مع النشاط السياسي. في المقابل، ترى القيادة الكنسية ومؤيدوها أن توالي الإجراءات ومحاولات التأثير في القيادة الروحية يمثّلان تهديدًا لاستقلال الكنيسة وتقاليدها المؤسسية.
وبين الروايتين، تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: أين تنتهي صلاحيات الدولة، وأين تبدأ استقلالية الكنيسة؟ وهل يمكن المطالبة بإصلاح المؤسسة الدينية من دون التدخل في اختيار قيادتها؟ وما حدود الدور السياسي لرجال الدين عندما تتعلق الخلافات بمصير الدولة وأمنها وهويتها؟
تتناول هذه الحلقة حجم الاضطراب الذي أشار إليه الأب فاردانيان، وتفاصيل المواجهة بين الحكومة والكنيسة، ومواقف بطريركية موسكو وكاثوليكوسية أنطلياس وسائر الكنائس، في محاولة لفهم ما إذا كانت الأزمة ستبقى خلافًا سياسيًا قابلًا للاحتواء، أم ستترك آثارًا أعمق في الحياة الكنسية الأرمنية.
هكذا، تعيش الكنيسة الأرمنية الرسولية واحدة من أشد الأزمات التي شهدتها علاقتها بالدولة منذ استقلال أرمينيا عام 1991. فالمواجهة التي بدأت بخلافات حول السياسات الوطنية ونتائج الحرب مع أذربيجان اتسعت لتطال كبار رجال الدين، وتدخل أروقة المحاكم، وتصل إلى موقع الكاثوليكوس كاريكين الثاني، رأس الكنيسة التاريخية التي ينتمي إليها معظم الأرمن.
ولم تعد القضية تتعلق بموقف رجل دين من الحكومة، أو بانتقاد كنسي لقرار سياسي؛ إنها أزمة تتداخل فيها شرعية القيادة الروحية، واستقلال المؤسسة الدينية، وسلطة القضاء، وحق الحكومة في المطالبة بالإصلاح، ودور الكنيسة في التعبير عن القضايا الوطنية.
وتزداد خطورة الأزمة لأن الكنيسة الأرمنية الرسولية ليست مؤسسة محلية محدودة، بل كيان تاريخي عالمي يمتد إلى لبنان وسوريا وروسيا وأوروبا والأميركيتين، ويحمل، في نظر كثير من الأرمن، ذاكرة الشعب واستمرارية هويته.
جذور المواجهة: كاراباخ واهتزاز الثقة بالدولة
بدأ التوتر السياسي بين الحكومة وقيادات كنسية يتعمّق بعد حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، عندما تكبّد الجانب الأرمني خسائر عسكرية وإقليمية كبيرة.
ورأت قيادات دينية أن نتائج الحرب تفرض مراجعة سياسية ومحاسبة المسؤولين عن إدارتها، فيما اعتبرت الحكومة أن الحفاظ على الدولة يتطلب التكيّف مع الوقائع الجديدة، والبحث عن ترتيبات أمنية ودبلوماسية تمنع تجدد القتال.
ثم جاءت التطورات العسكرية في أيلول 2023، التي انتهت بسيطرة أذربيجان على كامل ناغورنو كاراباخ ونزوح معظم سكانه الأرمن، لتزيد الفجوة بين الطرفين.
فبالنسبة إلى الكنيسة، ارتبطت كاراباخ بالمقدسات والأديرة والمقابر والذاكرة الوطنية، فضلًا عن مصير السكان الذين غادروا ديارهم. أما حكومة نيكول باشينيان، فاعتبرت أن الأولوية تقتضي تثبيت حدود أرمينيا المعترف بها دوليًا، وحماية أمنها، والسعي إلى تسوية مع أذربيجان.
وهكذا، نشأ خلاف حول مفهوم المسؤولية الوطنية: هل ينبغي إعطاء الأولوية للسلام وتثبيت الدولة ضمن حدودها القائمة، أم للمطالبة بضمانات أشمل لحقوق الأرمن المتضررين وتراثهم التاريخي؟
رجال دين في قيادة المعارضة
بلغ التداخل بين النشاط الكنسي والسياسة مستوى بارزًا في عام 2024، عندما قاد رئيس الأساقفة باغرات غالستانيان احتجاجات ضد ترتيبات ترسيم الحدود مع أذربيجان. وتوسعت الحركة لتشمل مطالب سياسية تتعلق بتغيير الحكومة، ما وضع رجل دين بارزًا في موقع قيادة معارضة مباشرة.
واعتبر مؤيدوه أن الكنيسة تؤدي واجبها الوطني في الدفاع عن الشعب والأرض، بينما رأى منتقدوه أن انتقال رجال الدين إلى العمل السياسي الحزبي يهدد الرسالة الروحية للمؤسسة.
وهنا برز انقسام داخل المجتمع الأرمني لا يجوز تجاهله؛ فليس جميع المنتمين إلى الكنيسة الرسولية مؤيدين لمواقف قيادتها السياسية، كما أن انتقاد الحكومة لا يعني بالضرورة تأييد مشاركة رجال الدين في المنافسة على السلطة. لكن هذا الخلاف السياسي لم يبقَ محصورًا في الشارع والخطاب العام.
من الخلاف السياسي إلى التوقيفات والمحاكم
خلال عامَي 2025 و2026، طالت إجراءات قضائية وأمنية شخصيات كنسية بارزة. ففي حزيران 2025، أُوقف رئيس الأساقفة باغرات غالستانيان على خلفية اتهامات تتعلق بالتخطيط لأعمال تستهدف السلطة، وهي اتهامات رفضها هو ومؤيدوه، معتبرين أن الإجراءات ذات دوافع سياسية.
كما طالت الملاحقات رئيس الأساقفة ميكائيل أجاباهيان، الذي صدرت بحقّه إدانة قضائية في تشرين الأول 2025، في قضية مرتبطة بتصريحات واتهامات أمنية. وتقدّم السلطات هذه الملفات باعتبارها إجراءات قانونية تتعلق بأفعال محددة، ولا تستهدف الصفة الدينية للمتهمين.
في المقابل، ترى أوساط كنسية ومعارضة أن توالي الإجراءات ضد رجال دين بارزين يشير إلى حملة ضغط تتجاوز تطبيق القانون.
ومع ذلك، لا يجوز الحكم على جميع القضايا من خلال تفسير واحد؛ فوجود اتهامات قضائية لا يثبت تلقائيًا صحتها، كما أن وصف المتهمين الإجراءات بأنها سياسية لا يلغي ضرورة النظر في الأدلة والضمانات القانونية.
لكن الأثر المؤسسي لهذه التطورات واضح؛ فقد أصبحت شخصيات من الصف الأول في الكنيسة تواجه إجراءات جنائية في مناخ شديد الاستقطاب.
الأزمة تصل إلى الكاثوليكوس كاريكين الثاني
تمثّل المواجهة التي طالت الكاثوليكوس كاريكين الثاني أخطر مراحل الاضطراب. فالكاثوليكوس ليس مجرد مسؤول إداري، بل رأس الكرسي الأم في إتشميادزين، وصاحب مكانة روحية وتاريخية لدى الأرمن داخل البلاد وخارجها.
وخلال عام 2026، شهدت الأزمة إجراءات قضائية مرتبطة بنزاع حول قرارات كنسية داخلية، ولا سيما مسألة عزل أحد الأساقفة ومدى إلزام المؤسسة الكنسية بأحكام المحاكم المدنية. وامتدت الإجراءات إلى الكاثوليكوس وعدد من كبار رجال الدين.
كما برزت مساعٍ حكومية معلنة لإحداث تغيير في قيادة الكنيسة وإصلاح نظام إدارتها، ما نقل الخلاف من مساءلة أشخاص إلى مسألة التأثير في مستقبل رأس المؤسسة الروحية نفسها.
وقد فُرض في مرحلة سابقة منعُ سفر على الكاثوليكوس، ثم رُفع في نيسان 2026. ولذلك، لا يصح تصوير هذا الإجراء بوصفه قيدًا مستمرًا حتى نهاية تشرين الأول من العام نفسه. لكن رفع منع السفر لم يُنهِ الأزمة الأوسع، التي استمرت من خلال الخلافات القضائية والمؤسسية والسياسية.
أين تنتهي سلطة القضاء وتبدأ استقلالية الكنيسة؟
تتمحور إحدى أعقد نقاط النزاع حول صلاحية الدولة في التدخل في القرارات المتعلقة بتعيين الأساقفة أو عزلهم.
فالكنيسة ترى أن هذه المسائل تندرج ضمن اختصاصها الروحي وقانونها الكنسي الداخلي، وأن إخضاعها لإرادة السلطة المدنية يمسّ جوهر استقلالها.
أما السلطات، فتؤكد أن المؤسسات الدينية والأشخاص العاملين فيها لا يتمتعون بحصانة من تطبيق القانون والأحكام القضائية. ويمكن التمييز هنا بين ثلاثة مجالات:
الأول هو المجال العقائدي والليتورجي والروحي، الذي ينبغي أن تتمتع فيه الكنائس باستقلال واسع.
والثاني هو المجال المدني، بما يشمله من عقود وممتلكات وعلاقات قانونية، حيث تخضع المؤسسات الدينية للقانون العام.
والثالث هو المجال الذي تتداخل فيه القرارات الكنسية مع آثار مدنية، وهو الأكثر تعقيدًا؛ لأنه يتطلب موازنة دقيقة بين حرية الدين وسيادة القانون.
ويكمن الخطر في أن تتحول هذه المناطق الرمادية إلى وسيلة للسيطرة السياسية على المؤسسات الدينية، أو إلى ذريعة لرفض أي مساءلة قانونية مشروعة.
هل الإصلاح الكنسي مطلب مشروع؟
تتحدث الحكومة ومؤيدوها عن الحاجة إلى إصلاح الإدارة الكنسية، وتعزيز الشفافية المالية والمساءلة، والحدّ من تدخل رجال الدين في الصراع السياسي. وهذه مسائل تستحق النقاش، خصوصًا عندما تكون المؤسسة المعنية كبيرة وذات تأثير اجتماعي واسع. لكن السؤال لا يقتصر على ما إذا كانت الكنيسة تحتاج إلى إصلاح، بل يشمل أيضًا مَن يملك صلاحية تنفيذه.
فالإصلاح الذي ينبع من المجالس الكنسية والهيئات المختصة والمؤمنين يختلف عن تغيير القيادة الذي تسعى إليه السلطة السياسية. في المقابل، لا ينبغي أن يصبح الدفاع عن استقلال الكنيسة مبررًا لتجاهل المطالب الداخلية بالشفافية، أو للتعامل مع كل انتقاد باعتباره هجومًا على الدين.
ومن هنا، فإن المخرج المؤسسي لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل بوضع حدود واضحة بين صلاحيات الدولة وحقوق الكنيسة ومسؤولياتها.
هل تواجه الكنيسة خطر الانقسام؟
لا تقتصر تداعيات الأزمة على علاقة الحكومة بالكاثوليكوس؛ فاستمرار المواجهة يثير خلافات بين رجال الدين والمؤمنين حول أسلوب إدارة الكنيسة، وموقعها من السياسة، وحدود الدفاع عن القضايا الوطنية.
وقد يؤدي تصاعد هذه الخلافات إلى إضعاف الثقة بالمؤسسة، أو إلى خلق استقطاب بين من يعتبرون الدفاع عن القيادة الكنسية دفاعًا عن استقلال الكنيسة، ومن يرون أن المؤسسة تحتاج إلى إصلاح داخلي عميق.
لكن ينبغي عدم المبالغة في وصف الوضع باعتباره انشقاقًا كنسيًا شاملًا؛ فوجود خلافات داخلية وضغوط سياسية لا يعني تلقائيًا قيام كنيسة بديلة أو انهيار الوحدة العقائدية والتنظيمية.
والأدق أن الكنيسة تواجه خطرًا على تماسكها المؤسسي وصورتها العامة، يزداد كلما طال النزاع وتعذّر التوصل إلى تسوية تحترم استقلالها.
موقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية
تحتفظ بطريركية موسكو بعلاقات تعاون وتضامن مع الكنيسة الأرمنية الرسولية، رغم انتمائهما إلى عائلتين أرثوذكسيتين مختلفتين. وقد عبّرت جهات كنسية روسية عن دعمها الأخوي للكنيسة الأرمنية خلال محنتها، وأكدت أهمية استقلال المؤسسات الدينية.
ففي نيسان 2026، نُقل، خلال مناسبة كنسية في موسكو، تأكيدُ بطريركية موسكو تضامنها مع الكنيسة الأرمنية في الظروف التي تمرّ بها. كما استمر التواصل بين إتشميادزين والأبرشية الروسية في أرمينيا، ومنه لقاء الكاثوليكوس كاريكين الثاني برئيس الأساقفة أكسي في أيلول 2026. وتعكس هذه الوقائع موقفًا كنسيًا روسيًا داعمًا للكنيسة الرسولية وقيادتها.
لكن هذا الدعم لا يعني أن بطريركية موسكو تتبنّى جميع المواقف السياسية للمعارضة الأرمنية، أو أنها تمتلك صلاحية التدخل في إدارة إتشميادزين.
كما ينبغي التمييز بين موقف الكنيسة الروسية وسياسة الدولة الروسية، التي تراعي مصالح إقليمية وعلاقات مع أرمينيا وأذربيجان في آن واحد.
لماذا لا تواجه الكنيسة الروسية الأزمة نفسها؟
تختلف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عن الكنيسة الأرمنية الرسولية في حجمها وموقعها داخل المجتمع الأرمني؛ فهي تخدم جماعة أرثوذكسية شرقية صغيرة نسبيًا، ولا تحتل موقع الكنيسة الوطنية التاريخية. كما أن قيادتها المحلية ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة السياسية التي تخوضها قيادة الكنيسة الرسولية مع الحكومة.
ومع عدم توافر معطيات موثوقة حتى الآن تثبت تعرّض أبرشية الكنيسة الروسية في أرمينيا لحملة قضائية مماثلة لتلك التي طالت كبار رجال الدين الأرمن الرسوليين، فإن ذلك لا يستبعد احتمال حدوث ضغوط مستقبلًا، في ضوء مواقف باشينيان ورغبته في إعادة صياغة العلاقات مع روسيا على مختلف المستويات.
ولا شك في أن هذا الواقع لا يعني أن الكنيسة الروسية بمنأى عن تداعيات التحولات السياسية والإقليمية؛ فتدهور العلاقات بين يريفان وموسكو، وتوجّه أرمينيا نحو تنويع شراكاتها الدولية وتقليص اعتمادها الأمني على روسيا، قد ينعكسان على البيئة السياسية والاجتماعية التي تعمل فيها المؤسسات الروسية، بما فيها المؤسسات الدينية.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن النفوذ الروسي داخل أرمينيا، ولا سيما أن الحكومة الأرمنية أثارت مسألة ارتباط بعض الشخصيات الكنسية بمصالح خارجية، بينما رفضت القيادات الكنسية هذه الاتهامات، واعتبرتها جزءًا من الضغوط السياسية.
ويستحضر هذا المناخ، من حيث تداخل الدين بالسيادة الوطنية والعلاقات مع موسكو، التجربة الأوكرانية، حيث أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تفاقم النزاع حول المؤسسات الأرثوذكسية المرتبطة تاريخيًا ببطريركية موسكو. وقد فرضت السلطات الأوكرانية قيودًا قانونية على المنظمات الدينية التي ترى أنها تحتفظ بعلاقات مؤسسية مع روسيا.
غير أن المقارنة لا تعني تطابق الحالتين؛ فالكنيسة الروسية في أرمينيا محدودة الحجم والتأثير، ولا تمثّل الغالبية الدينية للسكان، بخلاف المكانة التاريخية الواسعة للأرثوذكسية في أوكرانيا. كما أن الظروف الأمنية والقانونية والسياسية تختلف بين البلدين.
ومن هنا، لا يمكن استبعاد احتمال تعرّض المؤسسات الكنسية الروسية في أرمينيا لضغوط سياسية أو إدارية إذا اشتدت المواجهة بين يريفان وموسكو. لكن هذا الاحتمال يبقى تقديرًا للمخاطر، لا وصفًا لإجراءات مثبتة وقعت بالفعل.
وفي المقابل، فإن استمرار العلاقات الرعوية بين أبرشية الكنيسة الروسية والكنيسة الأرمنية الرسولية، والتواصل بين قيادتيهما، يشيران إلى وجود قنوات كنسية تحاول المحافظة على التعاون رغم الخلافات السياسية.
وتبرز في هذا السياق ضرورة الفصل بين الانتماء الكنسي والولاء السياسي؛ إذ لا ينبغي اعتبار كل مؤسسة دينية مرتبطة تاريخيًا بروسيا أداة تلقائية لسياستها الخارجية. كما لا يجوز تجاهل المخاوف الأمنية المشروعة للدولة إذا استندت إلى أدلة محددة وخضعت للرقابة القضائية.
وهكذا، فإن الكنيسة الروسية في أرمينيا لا تواجه حاليًا أزمة مماثلة لأزمة الكنيسة الرسولية، لكنها تعمل في بيئة إقليمية متغيرة قد تجعل وضعها أكثر حساسية إذا تفاقمت الخلافات الروسية الأرمنية، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة بعيدًا عن التهويل أو استباق الوقائع.
أنطلياس: الامتداد الأرمني للأزمة
تكتسب كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير في أنطلياس أهمية خاصة في هذه المواجهة؛ فهي تنتمي إلى التقليد الأرمني الرسولي نفسه، وإن كانت تتمتع بإدارة مستقلة عن الكرسي الأم في إتشميادزين. وبالتالي، فإن ما يحدث في أرمينيا يعنيها من زاوية استقلال المؤسسة الكنسية، ووحدة التراث الأرمني، ومكانة القيادة الروحية.
لكن لا ينبغي الخلط بين التضامن مع إتشميادزين والتبعية الإدارية لها، أو افتراض أن جميع الأرمن في لبنان وسوريا وبلدان الانتشار يتبنّون الموقف السياسي نفسه من حكومة باشينيان.
أنطاكية وموسكو وإتشميادزين: العلاقات الكنسية في ظل الحرب الأوكرانية والانقسام الأرثوذكسي
تكتسب مواقف بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ومركزها دمشق، أهمية خاصة عند تناول الأزمة التي تواجهها الكنيسة الأرمنية الرسولية، بالنظر إلى علاقات أنطاكية التاريخية مع بطريركية موسكو، وإلى موقعها في الخلافات التي يشهدها العالم الأرثوذكسي على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية ومسألة الاستقلال الكنسي في أوكرانيا.
فبطريركية أنطاكية، التي يرأسها البطريرك يوحنا العاشر، تحتفظ بعلاقات كنسية وثيقة مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، تعود جذورها إلى مراحل تاريخية بعيدة، وتعززت بفعل التعاون الرعوي واللاهوتي والمساعدات الكنسية، ولا سيما خلال الأزمات التي شهدتها سوريا.
وقد حافظت أنطاكية على هذه العلاقات رغم التوترات السياسية الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، مع تأكيدها أهمية السلام ووقف القتال وحماية المؤمنين والمؤسسات الدينية.
وفي أيار 2025، عبّر البطريرك يوحنا العاشر، في كلمة أُلقيت باسمه خلال تكريس كنيسة في زحلة بلبنان، عن ألمه إزاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، داعيًا إلى وقف العنف والمعاناة الإنسانية. كما أعرب عن قلقه على أوضاع المؤمنين التابعين للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، التي تواجه إجراءات قانونية ونزاعات على الكنائس والممتلكات، وأشاد بالعلاقات التاريخية التي تربط أنطاكية ببطريركية موسكو.
ويعكس هذا الموقف حرص بطريركية أنطاكية على استمرار علاقتها بالكنيسة الروسية؛ إذ تقف إلى جانبها في الدفاع عن وحدتها وحقوق مؤمنيها، وتعارض الإجراءات التي تراها مهدِّدة لوجودها الكنسي في أوكرانيا، مع دعوتها إلى وقف الحرب وإحلال السلام، من دون أن يعني ذلك تأييدها للعمليات العسكرية الروسية.
الخلاف الأوكراني وأزمة الوحدة الأرثوذكسية
تعود جذور الانقسام الكنسي المتعلق بأوكرانيا إلى الخلاف حول منح الاستقلال الكنسي للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الجديدة، وهو ما أقرّته بطريركية القسطنطينية عام 2019 ورفضته بطريركية موسكو. وقد أدى ذلك إلى تدهور العلاقات بين عدد من الكنائس الأرثوذكسية، وإلى خلافات حول الاختصاص الكنسي والشرعية والاعتراف المتبادل.
وتتعامل بطريركية أنطاكية مع هذه المسألة انطلاقًا من حرصها على وحدة العالم الأرثوذكسي، وعلى معالجة الخلافات بين الكنائس من خلال الحوار والتوافق، بدلًا من تكريس الانقسامات.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية بالنسبة إلى أنطاكية، التي تواجه بدورها خلافًا كنسيًا طويلًا مع بطريركية القدس بشأن الاختصاص الكنسي في قطر، ما يجعل مسألة احترام الحدود والصلاحيات الكنسية ذات حساسية خاصة في علاقاتها الأرثوذكسية.
ومن هذا المنطلق، يتجلّى موقف بطريركية أنطاكية في دعم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والحفاظ على علاقاتها الوثيقة معها، ولا سيما في مواجهة الانقسام الكنسي في أوكرانيا، انطلاقًا من تمسّكها بوحدة العالم الأرثوذكسي واحترام الشرعية الكنسية، ورفضها القرارات الأحادية التي من شأنها تعميق الانقسامات بين الكنائس، من دون أن يعني ذلك تأييدها للحرب الروسية على أوكرانيا.
العلاقات مع الكنيسة الأرمنية الرسولية
أما العلاقة بين بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس والكنيسة الأرمنية الرسولية، فتقوم على روابط مسيحية مشرقية تاريخية، وحوار مسكوني، وتعاون في قضايا الوجود المسيحي في الشرق الأوسط. لكن الكنيستين تنتميان إلى عائلتين كنسيتين مختلفتين؛ فأنطاكية للروم الأرثوذكس جزء من الأرثوذكسية الشرقية البيزنطية، في حين تنتمي الكنيسة الأرمنية الرسولية إلى الأرثوذكسية المشرقية.
ولهذا، لا توجد بينهما تبعية إدارية أو وحدة كنسية كاملة، وإن جمعتهما علاقات تعاون وحوار لاهوتي وروحي.
وتتلاقى اهتمامات الكنيستين في الدفاع عن الحضور المسيحي في الشرق، والمحافظة على التراث الديني، ورفض العنف ضد المدنيين، وحماية استقلال المؤسسات الروحية.
وتحظى الكنيسة الأرمنية الرسولية بتضامن كنسي مشرقي، برز خصوصًا في موقف بطريركية أنطاكية للسريان الأرثوذكس، التي أعلنت دعمها للكاثوليكوس كاريكين الثاني وقلقها إزاء الإجراءات التي طالت الكنيسة وقيادتها.
أما بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس، برئاسة البطريرك يوحنا العاشر، فتربطها بالكنيسة الأرمنية علاقات تاريخية ومسكونية، فضلًا عن علاقاتها الوثيقة ببطريركية موسكو، غير أن صدور موقف رسمي مباشر عنها بشأن الإجراءات القضائية الأخيرة لم يتأكد في المصادر المتاحة.
موقف السريان الأرثوذكس: تضامن معلن مع إتشميادزين
في المقابل، صدر موقف مباشر عن بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، التي يرأسها البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني، وتنتمي إلى العائلة الأرثوذكسية المشرقية نفسها التي تضم الكنيسة الأرمنية الرسولية.
ففي تموز 2025، أعربت البطريركية السريانية عن قلقها العميق إزاء الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأرمنية بحق الكرسي الأم في إتشميادزين والكنيسة الأرمنية الرسولية، وأعلنت تضامنها الأخوي مع الكاثوليكوس كاريكين الثاني ورجال الدين والمؤمنين.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة؛ لأنه صدر عن كنيسة تشترك مع الكنيسة الأرمنية في الانتماء إلى العائلة الأرثوذكسية المشرقية، وترتبط بها بعلاقات تاريخية ولاهوتية وثيقة.
كما تعززت العلاقات بين بطريركية السريان الأرثوذكس وكاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير في أنطلياس، حيث تناولت لقاءات بين البطريرك أفرام الثاني والكاثوليكوس آرام الأول قضايا الحضور المسيحي في سوريا، والتعاون المسكوني، والتحديات التي تواجه كنائس الشرق.
ما الذي تكشفه هذه المواقف؟
تكشف هذه العلاقات عن شبكة كنسية مشرقية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات اللاهوتية والتاريخية والرعوية، من دون أن تتطابق بالضرورة مع التحالفات السياسية للدول. فبطريركية موسكو تعلن تضامنها مع الكنيسة الأرمنية الرسولية، وبطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس تحافظ على علاقاتها الوثيقة بموسكو وتدعو إلى السلام في أوكرانيا وصون وحدة الكنائس، بينما أعلنت بطريركية السريان الأرثوذكس موقفًا مباشرًا داعمًا لإتشميادزين.
أما الكنائس الأرمنية الكاثوليكية والإنجيلية وسائر المؤسسات المسيحية، فتظل مواقفها من النزاع الداخلي الأرمني مرتبطة ببياناتها الخاصة وأولوياتها الرعوية، ولا يصح افتراض تبنّيها جميعًا موقفًا سياسيًا موحدًا.
في المحصلة، أصبحت الأزمة التي تعيشها الكنيسة الأرمنية الرسولية ذات أبعاد تتجاوز أرمينيا، ليس لأنها تحولت إلى نزاع بين الكنائس، بل لأنها أعادت طرح مسألة استقلال المؤسسات الدينية في عالم تتداخل فيه السياسة والحروب والاختصاصات الكنسية.
ويبقى التحدي أمام هذه الكنائس هو المحافظة على التضامن المسيحي والحوار المسكوني، من دون تحويل الخلافات السياسية بين الدول إلى انقسامات دينية جديدة.
كيف تنظر الحكومة إلى الأزمة؟
يرى مؤيدو باشينيان أن الدولة تمرّ بمرحلة تتطلب إعادة تعريف مصالحها الأمنية والسياسية بعد الخسائر التي شهدتها كاراباخ. ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن المؤسسات الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى مراكز سلطة تنافس المؤسسات المنتخبة أو تعرقل قرارات السياسة الخارجية. كما يؤكدون أن الإجراءات القضائية تستهدف أفعالًا محددة، وأن المطالبة بالإصلاح لا تعني استهداف المسيحية.
لكن هذا التفسير يواجه اعتراضًا أساسيًا من منتقدي الحكومة: إذا كانت الدولة تدافع عن الفصل بين الدين والسياسة، فكيف يمكنها أن تسعى إلى تغيير القيادة الدينية نفسها؟
وهذا السؤال يتصل مباشرة بمصداقية مبدأ استقلال المؤسسات الدينية.
كيف تنظر الكنيسة إلى الأزمة؟
ترى القيادة الرسولية أن الإجراءات المتتابعة ضد كبار رجال الدين، والضغط على الكاثوليكوس، والتدخل في مسائل الانضباط الكنسي، تمثّل محاولة لإخضاع المؤسسة الروحية للسلطة السياسية. وتعتبر أن دفاعها عن القضايا الوطنية، ولا سيما كاراباخ والنازحين والمقدسات، جزء من رسالتها الأخلاقية والتاريخية.
لكن هذا الموقف يواجه بدوره سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن للكنيسة أن تدافع عن قضايا الشعب من دون أن تصبح طرفًا في المنافسة الحزبية على السلطة؟
وهكذا، لا يكمن الخلاف في مشروعية الدور الوطني للكنيسة وحده، بل في حدود الوسائل السياسية التي يمكن أن تستخدمها لأداء هذا الدور.
الأزمة في سياق التحولات الإقليمية
يتزامن تصاعد الأزمة بين الحكومة الأرمنية والكنيسة الرسولية مع تحولات سياسية وإقليمية مهمة، أبرزها تراجع الثقة بين يريفان وموسكو، وسعي أرمينيا إلى توسيع علاقاتها مع الدول الغربية، بالتوازي مع المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع مع أذربيجان وتطبيع العلاقات مع تركيا.
وفي هذا السياق، ترى بعض الأوساط السياسية والكنسية أن الضغوط على الكنيسة الرسولية لا تنفصل عن توجّه الحكومة إلى تقليص النفوذ الروسي في البلاد، باعتبار أن الكنيسة الأرمنية تحتفظ بعلاقات تاريخية وروحية وثيقة مع بطريركية موسكو. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن إضعاف القيادة الكنسية قد يؤدي أيضًا إلى الحدّ من تأثير المؤسسات التقليدية التي تعارض بعض خيارات الحكومة الإقليمية.
في المقابل، تعتبر أوساط مؤيدة للحكومة أن بعض القوى المعارضة تستفيد من المكانة الوطنية للكنيسة لتعبئة الشارع ضد سياسات رئيس الوزراء نيكول باشينيان، ولا سيما توجهه نحو التسوية مع أذربيجان وإعادة رسم العلاقات مع روسيا والغرب.
غير أن اختزال الأزمة في صراع نفوذ بين موسكو والغرب يغفل جذورها الداخلية الأعمق؛ فهي ترتبط أيضًا بتداعيات الهزيمة في حرب كاراباخ عام 2020، ونزوح الأرمن من الإقليم عام 2023، وتراجع الثقة بين المؤسسات السياسية والدينية، والخلاف حول مفهوم المصلحة الوطنية وحدود تدخل رجال الدين في الشأن السياسي.
وهكذا، أصبحت الكنيسة الأرمنية الرسولية في قلب مواجهة تتداخل فيها الهوية الوطنية مع خيارات السياسة الخارجية، واستقلال المؤسسة الدينية مع سلطة الدولة، ما يجعل تسوية الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد إنهاء الخلاف بين الحكومة والقيادة الكنسية.
اضطراب يتجاوز حدود المؤسسة
إن حجم الاضطراب الذي تتعرض له الكنيسة الأرمنية الرسولية لا يُقاس بعدد الملاحقات القضائية وحده، بل بطبيعة المواقع التي طالتها المواجهة. فحين تصل الأزمة إلى الكاثوليكوس والأساقفة وصلاحيات المحاكم وإدارة الكنيسة، فإنها تمسّ البنية المؤسسية لكيان ارتبط على مدى قرون بالهوية الأرمنية.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن استقلال الكنيسة لا يلغي الحاجة إلى الإصلاح والمساءلة، كما أن الدعوة إلى سيادة القانون لا تبرر تدخل الدولة في تحديد القيادة الروحية.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو ما إذا كانت أرمينيا ستتمكن من صياغة علاقة جديدة بين الدولة والكنيسة تحمي الاستقلال المتبادل، أم أن المواجهة ستترك آثارًا طويلة الأمد في ثقة المؤمنين بمؤسساتهم.
لكن فهم هذه الأزمة يظل ناقصًا من دون العودة إلى القضية التي فجّرت جانبًا كبيرًا من الخلاف: ناغورنو كاراباخ، والعلاقة مع أذربيجان وتركيا، ومصير التراث الديني والذاكرة الأرمنية. وهذا ما تتناوله الحلقة الثالثة والأخيرة، التي تنتقل أيضًا إلى لبنان وسوريا، حيث تواصل الكنيسة الأرمنية الرسولية حضورها التاريخي بين الجاليات.

د. زياد أسعد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
