بعدما تناول الجزء الأول (https://beirut2030.me/?p=7540) أزمة السلطة في أوكرانيا وتحوّلات الرأي العام وتصدّع الأغلبية الرئاسية، يستكمل هذا الجزء قراءة المشهد من زاوية المعارضة، داخل البلاد وخارجها، ودور البرلمان وحسابات القوى الدولية في رسم آفاق التسوية مع روسيا.
لم تقتصر التحوّلات التي شهدتها أوكرانيا منذ اندلاع العملية العسكرية الخاصة مع روسيا في شباط/فبراير 2022 على الجبهات العسكرية والعلاقات الخارجية، بل امتدّت إلى البنية الحزبية التي تشكّلت بعد «الاستقلال» عام 1991.
فقد انقسم المجال السياسي الأوكراني إلى أحزاب وكتل احتفظت بحقّ العمل داخل البرلمان، وأحزاب حُظرت بموجب قرارات أمنية وأحكام قضائية، وشخصيات سياسية انتقلت إلى روسيا أو إلى دول أخرى وأعادت تنظيم نشاطها من الخارج.
وقد أحدث هذا التحوّل تغييرًا عميقًا في طبيعة المعارضة. فالأحزاب التي تنافس زيلينسكي من داخل المؤسسات ليست بالضرورة تلك التي تطالب بإعادة النظر جذريًا في العلاقة مع روسيا، بينما فقدت قوى كانت تمثّل اتّجاهات أكثر قربًا من موسكو وجودها القانوني بوصفها أحزابًا. وفي الوقت نفسه، بقي بعض نواب هذه القوى داخل البرلمان تحت مسمّيات جديدة.
أحزاب المعارضة القانونية داخل «الرادا»
يتصدّر حزب «التضامن الأوروبي» (European Solidarity)، الذي يقوده الرئيس السابق بيترو بوروشينكو، القوى المعارضة ذات التوجّه الأوروبي–الأطلسي.
وهو حزب نشأ من التجربة السياسية التي قادها بوروشينكو بعد عام 2014، ويدافع في برنامجه عن الاندماج الأوروبي، وتعزيز القوات المسلحة، ومقاومة النفوذ الروسي.
وقد تحوّل إلى أحد أبرز منتقدي مركزية القرار في مكتب زيلينسكي، واستخدام الإجراءات والعقوبات السياسية ضدّ المعارضين، وضعف الرقابة البرلمانية. ويملك الحزب، وفق السجلّ البرلماني المشار إليه، كتلة تضمّ 26 نائبًا.
أما حزب «الوطن»، أو «باتكيفشتشينا» (Batkivshchyna)، بقيادة رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو، فيمثّل تيارًا سياسيًا أقدم، ارتبط بـ«الثورة البرتقالية» وبالصراعات على السلطة منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وقد حافظ الحزب على حضوره البرلماني، بكتلة تضمّ 24 نائبًا، وعلى قدرته على الدخول في تفاهمات أو مواجهات مع الحكومة وفقًا للقضايا المطروحة.
وتبرز تيموشينكو في انتقاد السياسات الاقتصادية والاجتماعية ومركزية السلطة، وإن لم تتحوّل هذه المعارضة إلى برنامج معلن لقبول المطالب الروسية.
ويحتلّ حزب «الصوت» (Holos) موقعًا مختلفًا؛ إذ ارتبط ظهوره عام 2019 بالدعوة إلى الإصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد وتجديد الحياة السياسية. وتضمّ كتلته البرلمانية 19 نائبًا، وقد برزت من داخله شخصيات مثل ألكسندرا أوستينوفا، التي شاركت في مناقشات الرقابة والإصلاح والدفاع. ويجمع الحزب بين توجّه مؤيّد للاندماج الأوروبي وانتقاد جوانب من إدارة السلطة.
وعلى أيّ حال، لا تنحصر المعارضة في الأحزاب التقليدية. فهناك دميترو رازومكوف، الرئيس السابق لـ«الرادا»، الذي شارك في تأسيس المشروع السياسي لزيلينسكي قبل أن ينفصل عنه، ويقود تجمّع «السياسة الذكية» البرلماني العابر للكتل.
وتنبع أهمية رازومكوف من كونه أحد أبرز الأمثلة على بروز المعارضة من داخل المشروع الرئاسي نفسه، بعد أن كانت تأتي من خارجه.
كما توجد مجموعتا «من أجل المستقبل» (For the Future) و«الثقة» (Dovira)، اللتان تحتفظان بحضور داخل «الرادا»، وتؤدّيان دورًا في التوازنات التشريعية والتحالفات الظرفية. ولا يصحّ تصنيفهما تلقائيًا ضمن معارضة موحّدة لزيلينسكي؛ لأن مواقفهما تختلف بحسب الملفات السياسية والاقتصادية.
من «منصة المعارضة – من أجل الحياة» إلى مجموعات برلمانية جديدة
قبل العملية العسكرية الخاصة للجيش الروسي، كان حزب «منصة المعارضة – من أجل الحياة» (Opposition Platform – For Life)، المعروف اختصارًا باسم OPZZh، أحد أهمّ الأحزاب الأوكرانية التي دعت إلى إعادة بناء العلاقات مع روسيا، وانتقدت سياسات الاندماج الأطلسي والتوجّهات القومية المتشدّدة.
وقد ارتبط الحزب بشخصيات بارزة، منها يوري بويكو وفيكتور ميدفيدتشوك وفاديم رابينوفيتش.
وحصل في انتخابات عام 2019 على نحو 13% من الأصوات في القوائم الحزبية، ليصبح من أكبر قوى المعارضة البرلمانية. لكن الحرب الروسية غيّرت وضع الحزب جذريًا.
ففي آذار/مارس 2022، عُلّق نشاطه ضمن مجموعة من الأحزاب التي اتّهمتها السلطات الأوكرانية بوجود ارتباطات سياسية أو تنظيمية مع روسيا. ثم صدر حكم بحظره في إطار الإجراءات القضائية التي أعقبت الغزو.
ولم يؤدِّ حظر الحزب إلى اختفاء جميع نوابه من البرلمان.
فقد ظهرت مجموعة «منصة الحياة والسلام» (Platform for Life and Peace)، التي ضمّت نوابًا سابقين من الحزب المحظور، وكان يوري بويكو من أبرز وجوهها. ويضمّ هذا التجمّع، بحسب بيانات «الرادا» المشار إليها، 21 نائبًا.
كما تشكّلت مجموعة «إعادة إعمار أوكرانيا» (Restoration of Ukraine)، التي تضمّ 17 نائبًا، وترتبط ببعض الشخصيات التي كانت تنتمي إلى البيئة السياسية لحزب «منصة المعارضة – من أجل الحياة».
وقد التقى زيلينسكي، في أيار/مايو 2026، ممثّلين عن هذه المجموعات، إلى جانب قادة أحزاب المعارضة الأخرى، في مشاورات منفصلة بشأن العمل البرلماني، وهو ما يؤكّد استمرار التعامل المؤسسي مع بعض النواب الذين خرجوا من الحزب المحظور.
الأحزاب التي حُظرت بعد العملية العسكرية الروسية الخاصة
في 18 آذار/مارس 2022، اتّخذ مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني قرارًا بتعليق نشاط أحد عشر حزبًا خلال الأحكام العرفية، قبل أن تتطوّر الإجراءات إلى أحكام قضائية بحظر عدد من هذه التنظيمات.
ويبرز الحزب الشيوعي الأوكراني، بقيادة بيترو سيمونينكو، بوصفه أحد أبرز مكوّنات المعارضة التقليدية في أوكرانيا؛ إذ مثّل تيارًا يساريًا ذا جذور سوفيتية، ودافع عن توثيق العلاقات مع روسيا، وعارض التوجّهات الغربية المتصاعدة في السياسة الأوكرانية. غير أن نفوذه السياسي تراجع بصورة حادّة عقب أحداث عام 2014، ولا سيما بعد إقرار قوانين اجتثاث الشيوعية عام 2015، التي أدّت إلى استبعاده من المشاركة في الانتخابات. ومع وصول فولوديمير زيلينسكي إلى السلطة عام 2019، كان الحزب قد فقد موقعه في المنافسة السياسية القانونية، قبل أن تتّخذ الإجراءات ضدّه منحًى أكثر حسمًا خلال الحرب الروسية–الأوكرانية، حين أصدرت محكمة أوكرانية، في 5 تموز/يوليو 2022، قرارًا بحظر نشاطه ومصادرة ممتلكاته لصالح الدولة. وبذلك، يمثّل مصير الحزب نموذجًا لتحوّل بعض قوى المعارضة الأوكرانية من المشاركة في الحياة البرلمانية إلى الاستبعاد القانوني، في سياق تداخل اعتبارات الأمن القومي مع إشكاليات التعدّدية السياسية والحريات الحزبية.
وشملت القائمة حزب «منصة المعارضة – من أجل الحياة»، وحزب «شاري» (Party of Shariy)، وحزب «ناشي»، أي «أهلنا» أو «جماعتنا» (Nashi)، وحزب «الدولة» (Derzhava)، و«المعارضة اليسارية» (Left Opposition)، و«اتحاد القوى اليسارية» (Union of Left Forces)، و«الحزب التقدّمي الاشتراكي الأوكراني» (Progressive Socialist Party of Ukraine)، و«الحزب الاشتراكي الأوكراني» (Socialist Party of Ukraine)، وحزب «الاشتراكيون» (Socialists)، و«كتلة المعارضة» (Opposition Bloc)، و«كتلة فلاديمير سالدو» (Volodymyr Saldo Bloc).
وقد شملت إجراءات الحظر القضائي أيضًا «حزب العدالة والتنمية»، ليصل عدد الأحزاب التي أعلنت السلطات الأمنية الأوكرانية اكتمال حظرها إلى اثني عشر حزبًا.
ويُذكر أن الخلفيات التاريخية لهذه القوى تختلف من قوة إلى أخرى؛ فبعضها ينتمي إلى البيئة السياسية التي نشأت حول حزب الأقاليم في شرق أوكرانيا وجنوبها، وبعضها يرتبط بتيارات اشتراكية ويسارية قديمة، وبعضها تشكّل حول شخصيات إعلامية وسياسية عُرفت بمواقفها القريبة من موسكو.
وقد برّرت السلطات الأوكرانية الحظر باعتبارات الأمن القومي، وباتّهامات تتعلّق بتأييد ما أسمته «العدوان الروسي» أو التعاون مع «سلطات الاحتلال».
في المقابل، أثارت القيود الواسعة على النشاط الحزبي تساؤلات لدى مؤسسات حقوقية أوروبية ودولية بشأن ضرورة التناسب بين متطلّبات الأمن والحريات السياسية، وعدم تحميل جميع أعضاء الأحزاب المسؤولية الفردية نفسها عن أفعال قياداتها.
وهكذا، أصبحت الحياة السياسية الأوكرانية بعد عام 2022 أقلّ اتّساعًا من حيث التنوّع الحزبي القانوني، حتى مع استمرار أحزاب معارضة مؤيّدة للسيادة الأوكرانية في ممارسة نشاطها داخل البرلمان.
أناطولي شاري وحزب المعارضة الإعلامية
يمثّل أناطولي شاري حالة خاصة في تاريخ المعارضة الأوكرانية الحديثة؛ إذ اكتسب نفوذه من خلال الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل أن يتحوّل اسمه إلى عنوان لحزب سياسي.
وقد تبنّى شاري خطابًا شديد الانتقاد لزيلينسكي وللقوميين الأوكرانيين ولجزء من السياسات الغربية، واكتسب جمهورًا من الناطقين بالروسية داخل أوكرانيا وخارجها. وكان حزب شاري ضمن الأحزاب التي عُلّق نشاطها في آذار/مارس 2022، ثم حُظرت قضائيًا.
وقد عاش شاري في الخارج، ولا سيما في إسبانيا، وواجه إجراءات واتّهامات من السلطات الأوكرانية.
وتوضح تجربته كيف أصبحت المعارضة الإعلامية العابرة للحدود جزءًا من الصراع السياسي الأوكراني، وكيف تحوّل المجال الرقمي إلى بديل جزئي عن النشاط الحزبي التقليدي بالنسبة إلى بعض الشخصيات التي فقدت القدرة على العمل داخل البلاد.
غير أن الحضور الإعلامي الواسع لا يوفّر، بذاته، مقياسًا دقيقًا للقوة الانتخابية، خصوصًا في غياب انتخابات تسمح بقياس التأييد الشعبي لهذه التنظيمات.
ميدفيدتشوك ومشروع «أوكرانيا الأخرى» في روسيا
يحتلّ فيكتور ميدفيدتشوك موقعًا بارزًا بين الشخصيات الأوكرانية التي انتقلت إلى روسيا وأعادت تنظيم نشاطها السياسي من الخارج.
فبعد اعتقاله في أوكرانيا عام 2022، نُقل إلى روسيا ضمن صفقة لتبادل الأسرى في أيلول/سبتمبر من العام نفسه.
ومن هناك، بدأ العمل على مشروع سياسي وإعلامي حمل اسم «أوكرانيا الأخرى» (Another Ukraine)، وضمّ شخصيات كانت تنشط في الأحزاب والقنوات الإعلامية الموالية لروسيا أو المناهضة للسلطات الأوكرانية.
وفي آب/أغسطس 2025، أعلنت السلطات الأوكرانية توجيه اتّهامات غيابية إلى فيكتور ميدفيدتشوك واثني عشر شخصًا آخرين مرتبطين بالتنظيم، متّهمةً إيّاهم بممارسة أنشطة لمصلحة أجهزة الاستخبارات الروسية. ويكتسب هذا المشروع أهمية في سياق التحوّلات السياسية الأوكرانية، بوصفه محاولة لطرح رؤية بديلة لمستقبل أوكرانيا وهويتها السياسية وعلاقاتها مع روسيا، انطلاقًا من الأراضي الروسية. ويعكس وجوده استمرار التباين بين التصوّرات السياسية المتعلّقة بمستقبل الدولة الأوكرانية وتوجّهاتها الخارجية، رغم التحوّلات التي فرضتها الحرب. أما مدى حضوره الشعبي وقدرته على تمثيل شرائح من المجتمع الأوكراني، فيبقيان مسألتين تحتاجان إلى معطيات ميدانية وانتخابية حديثة تسمح بتقييمهما بصورة موضوعية، بعيدًا عن المواقف المعلنة لكلٍّ من السلطات الأوكرانية والقائمين على المشروع.
يانوكوفيتش وحزب الأقاليم: الإرث السياسي الذي لم يختفِ تمامًا
لا يمكن فهم المعارضة الأوكرانية الموجودة خارج البلاد من دون العودة إلى الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش وحزب الأقاليم (Party of Regions)، الذي مثّل قبل عام 2014 قوة سياسية رئيسية في شرق أوكرانيا وجنوبها.
وقد اعتمد حزب الأقاليم على قاعدة اجتماعية وانتخابية ضمّت قطاعات من السكان الناطقين بالروسية، وعلى علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع موسكو، مع اختلاف مواقف أعضائه بشأن مستقبل الدولة الأوكرانية.
وأدّى إقصاء يانوكوفيتش عام 2014 ومغادرته إلى روسيا إلى تفكّك الحزب، وانتقال بعض كوادره إلى أحزاب أخرى، من بينها «كتلة المعارضة»، ثم «منصة المعارضة – من أجل الحياة».
ومن هذه الزاوية، فإن عددًا من القوى السياسية التي شملتها إجراءات الحظر بعد عام 2022 لم يكن وليد الحرب الروسية–الأوكرانية الراهنة، بل امتدادًا لتيارات وأحزاب ذات جذور تاريخية وسياسية عميقة، يعود بعضها إلى العقود الأولى التي أعقبت استقلال أوكرانيا، فيما ارتبط بعضها الآخر بالتحوّلات التي سبقت انتفاضة الميدان الأوروبي عام 2014. وقد أدّى حظر هذه القوى إلى تقليص مساحة التعدّدية الحزبية القانونية، بما يثير تساؤلات بشأن مستقبل التمثيل السياسي للشرائح الاجتماعية التي كانت تؤيّدها. وفي هذا السياق، يبرز الموقف الأوروبي بوصفه موضعًا للنقد؛ إذ لم تقترن المساندة السياسية الواسعة للسلطات الأوكرانية بمواقف علنية من القيادات الأوروبية تتناسب، في نظر منتقدي هذه الإجراءات، مع حجم التحوّلات التي أصابت الخريطة الحزبية.
صعود التنظيمات القومية المتشدّدة واليمينية المتطرّفة في أوكرانيا منذ عام 2014 وإشكالية المواقف الأوروبية تجاهها
شهدت أوكرانيا منذ عام 2014 تصاعدًا في نشاط عدد من التنظيمات القومية المتشدّدة واليمينية المتطرّفة، من أبرزها حزب «سفوبودا» (الحرية)، و«القطاع الأيمن»، و«الفيلق الوطني»، و«سي 14» (C14)، و«كارباتسكا سيتش» (Karpatska Sich)، و«التقاليد والنظام» (Tradition and Order)، فضلًا عن الحركة المدنية المرتبطة بتشكيلات «آزوف»، التي ارتبطت بعض دوائرها المبكرة برموز وأفكار يمينية متطرّفة ونازية جديدة.
وقد وثّقت منظمات حقوقية دولية اعتداءات وتهديدات مارسها أعضاء في عدد من هذه التنظيمات ضدّ أقليات عرقية وناشطين حقوقيين، وضدّ المواطنين الأوكرانيين الناطقين بالروسية. وتبرز هنا مفارقة تستحقّ البحث في المواقف الأوروبية. فبينما حظيت الإجراءات الأوكرانية ضدّ أحزاب المعارضة بتأييد سياسي أو بقدر محدود من الاعتراض العلني على مستوى بعض الحكومات الأوروبية، لم تحظَ ظاهرة التنظيمات اليمينية المتطرّفة، في الخطاب السياسي الرسمي نفسه، بدرجة مماثلة من الاهتمام العلني، رغم التحذيرات الحقوقية المتكرّرة بشأن أنشطتها. وهو ما يطرح تساؤلًا أوسع حول مدى اتّساق المعايير الأوروبية في التعامل مع التعدّدية السياسية والتطرّف الأيديولوجي في أوكرانيا، ولا سيما في ظلّ الحرب واعتبارات الأمن القومي.
هل يؤدّي تقييد المعارضة إلى تغيير شروط السلام؟
تكشف هذه الخريطة الحزبية عن انقسام يتجاوز الصراع التقليدي بين الحكومة والمعارضة. فهناك معارضة داخلية قانونية، مثل «التضامن الأوروبي» و«الوطن» و«الصوت»، تعترض على زيلينسكي في ملفات الحكم والفساد والرقابة، لكنها تدعم، بدرجات مختلفة، استقلال أوكرانيا ومقاومة روسيا.
وهناك مجموعات برلمانية نشأت من حزب «منصة المعارضة – من أجل الحياة» المحظور، وتواصل نشاطها تحت أسماء جديدة، وتحتفظ بقدرة على التأثير في الحسابات التشريعية. كما أن هناك أحزابًا حُظرت بالكامل، وشخصيات سياسية وإعلامية غادرت البلاد، أعاد بعضها بناء نشاطه من روسيا في ارتباط وثيق بخطاب الكرملين.
إن جمع هذه التيارات جميعًا تحت عنوان «المعارضة لزيلينسكي» يخفي اختلافًا جوهريًا في الأهداف السياسية. فمعارضة مركزية السلطة لا تعني بالضرورة الدعوة إلى التقارب مع روسيا، كما أن تأييد التفاوض لا يعني الموافقة على تغيير الحدود بالقوة.
لكن هذه الخريطة تثير مسألة أعمق تتعلّق بمستقبل الحياة السياسية بعد الحرب. والسؤال هو: هل يمكن إعادة بناء تعدّدية حزبية تسمح بالتنافس السلمي بين البرامج السياسية المختلفة، مع محاسبة من يثبت تورّطه فرديًا في التعاون مع الاحتلال أو انتهاك القانون؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستؤثّر في شرعية أيّ تسوية مقبلة، وفي قدرة المجتمع الأوكراني على تجاوز الانقسامات التي تراكمت منذ عام 2014 وتعاظمت بعد عام 2022. فالسلام المستقرّ لا يرتبط فقط باتفاق بين الحكومات والجيوش، بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات سياسية تستطيع تمثيل الاختلافات الاجتماعية والإقليمية والفكرية داخل الدولة، من دون أن تتحوّل هذه الاختلافات إلى أدوات لتدخّل القوى الخارجية.
التوزيع البرلماني وتوازن القوى داخل «الرادا»
تكشف خريطة التمثيل البرلماني في المجلس الأعلى الأوكراني، «الرادا»، عن تعدّد القوى السياسية وتباين أحجامها؛ إذ تشير الأرقام الواردة في السجلّ البرلماني إلى احتفاظ حزب «خادم الشعب»، الذي يتزعّمه الرئيس فولوديمير زيلينسكي، بـ229 نائبًا، مقابل 26 نائبًا لحزب «التضامن الأوروبي» بقيادة بيترو بوروشينكو، و24 نائبًا لحزب «الوطن» بزعامة يوليا تيموشينكو، و19 نائبًا لحزب «الصوت».
وإلى جانب هذه الأحزاب، برزت مجموعات برلمانية أخرى، من بينها «منصة الحياة والسلام»، التي تضمّ 21 نائبًا، و«إعادة إعمار أوكرانيا» بـ17 نائبًا، و«من أجل المستقبل» بـ18 نائبًا، و«الثقة» بـ19 نائبًا، فضلًا عن 19 نائبًا مستقلًا لا ينتمون إلى كتل أو مجموعات برلمانية.
وتعكس هذه التركيبة تباينًا في الخلفيات السياسية والتنظيمية للقوى الممثّلة داخل البرلمان؛ إذ تجمع بين أحزاب تقليدية ذات قواعد سياسية معروفة، ومجموعات برلمانية أعادت تشكيل مواقعها بعد التحوّلات التي شهدتها البلاد منذ عام 2022، ونواب اختاروا العمل خارج الأطر الحزبية القائمة.
غير أن هذا التعدّد لا يعني بالضرورة وجود جبهة معارضة موحّدة في مواجهة السلطة التنفيذية؛ لأن المواقف من الحكومة والحرب والسياسات الاقتصادية والخارجية تختلف بين هذه القوى، كما أن بعضها يتعاون مع الأغلبية الرئاسية في ملفات محدّدة.
في المقابل، فإن احتفاظ حزب «خادم الشعب» بعدد كبير من المقاعد لا يكفي وحده للحكم على درجة تماسكه السياسي أو قدرته على ضمان الأغلبية في جميع عمليات التصويت، ولا سيما في ظلّ التحوّلات التي طرأت على الحياة البرلمانية منذ انتخاب المجلس عام 2019. ومن ثمّ، فإن المشهد البرلماني الأوكراني يعكس استمرار الثقل العددي للحزب الرئاسي، بالتوازي مع تعدّد مراكز التأثير السياسي داخل المؤسسة التشريعية، الأمر الذي يجعل فهم موازين القوى الفعلية مرتبطًا ليس بعدد المقاعد فحسب، بل أيضًا بأنماط التصويت والتحالفات الظرفية والعلاقات المتغيّرة بين الكتل والمجموعات البرلمانية.
النخب الأوروبية بين دعم أوكرانيا ومصالح الأمن القارّي
يمثّل الموقف الأوروبي أحد أكثر جوانب الحرب تعقيدًا. فمنذ عام 2022، قدّمت الدول الأوروبية مساعدات عسكرية ومالية واقتصادية واسعة لأوكرانيا، وفرضت عقوبات على روسيا، وربطت الحرب بمستقبل الأمن الأوروبي.
وتستند هذه السياسات إلى اعتبارات معلنة تتعلّق بسيادة الدول، ورفض تغيير الحدود بالقوة، والخشية من أن يؤدّي نجاح الروس إلى تشجيع استخدام القوة في نزاعات أخرى. لكن هذه الاعتبارات لا تعني أن جميع الحكومات الأوروبية تتبنّى تصوّرًا واحدًا للحرب أو للتسوية؛ إذ تبرز اختلافات بشأن حجم الدعم العسكري، والعقوبات، والضمانات الأمنية، وطبيعة العلاقة المستقبلية مع روسيا.
وتطرح هذه الاختلافات سؤالًا مشروعًا: إلى أيّ مدى تتطابق المصالح الأمنية الأوروبية مع أولويات المجتمع الأوكراني، الذي يتحمّل القسم الأكبر من الخسائر المباشرة؟
يمكن القول إن الاعتماد الأوكراني على التمويل والسلاح الخارجي يمنح الدول المانحة قدرة على التأثير في مختلف القرارات. وهذه الحقيقة تجعل الاتّهام الموجّه إلى زيلينسكي بأنه ينفّذ إرادة النخب الأوروبية اتّهامًا واقعيًا؛ فبدلًا من أن يكرّس جهوده لتحقيق إرادة شعبه في العدالة والأمن والاستقرار، انخرط في مشاريع كبرى كان من الواضح، منذ بداياتها، أنها تهدف إلى استغلال الوضع الأوكراني، والزجّ بالشعب الشقيق للروس، في ظلّ سياسات خاطئة، في مقتلة تكاد لا تُبقي ولا تذر.
ومن هنا، من المنطقي، بل من حقّ المجتمع الأوكراني، أن يسأل عمّا إذا كانت الخيارات المتّخذة باسمه تعكس مصالحه المباشرة، وما إذا كان شركاؤه الغربيون مستعدّين لتحمّل التبعات الاقتصادية والأمنية للتسوية التي يطالبونه بقبولها أو رفضها.
ترامب وصفقة الديزل وإعادة ترتيب المصالح الأميركية
كشفت التطوّرات الدبلوماسية في التاسع والعاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن اختلاف واضح بين حسابات واشنطن وكييف.
فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفاهمًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن توريد كميات من الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في إطار محاولة خفض أسعار الوقود. وقد أثار القرار غضب زيلينسكي، الذي وصف تخفيف العقوبات من دون اتفاق على خفض التصعيد بأنه قرار غير عادل وغير نزيه.
وفي مقابلة مع موقع «أكسيوس»، شبّه زيلينسكي التطوّر الجديد بقمة ألاسكا بين ترامب وبوتين عام 2025، معتبرًا أن واشنطن قدّمت تنازلًا لموسكو من دون الحصول على مقابل واضح يتعلّق بوقف الحرب. وفي المقابل، نقل الموقع عن مسؤول أميركي أن إدارة ترامب كانت قد طلبت مرارًا من كييف وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، بسبب آثارها في أسواق الطاقة والأسعار التي يتحمّلها المستهلك الأميركي.
ويكشف هذا الخلاف عن تعارض في الأولويات.
فالإدارة الأميركية تنظر إلى استقرار أسعار الوقود بوصفه مصلحة اقتصادية داخلية ودولية، بينما ترى القيادة الأوكرانية أن استهداف منشآت النفط الروسية وسيلة للضغط العسكري والاقتصادي على موسكو.
ومن منظور الدبلوماسية، قد يشكّل التفاهم الاقتصادي الأميركي–الروسي مدخلًا إلى محادثات أوسع، تؤدّي فعلًا إلى وقف شامل للصراع والبحث في مستقبل المنطقة برمّتها، وهو ما لا يرضي، في الأساس، حلفاء زيلينسكي الأوروبيين.
روسيا وحسابات الحرب الطويلة
لا يمكن دراسة مستقبل الحرب من دون النظر إلى التاريخ العسكري الروسي. فقد أظهرت روسيا، والاتحاد السوفيتي قبلها، قدرة كبيرة على تعبئة الموارد وخوض حروب طويلة، وإن كانت هذه القدرة قد اقترنت أحيانًا بتكاليف بشرية واقتصادية هائلة.
وتقدّم التجربة التاريخية الروسية والسوفيتية نماذج متباينة في القدرة على خوض الحروب الطويلة وتحمّل الاستنزاف العسكري والاقتصادي والبشري. غير أن فهم نتائجها يقتضي النظر إلى الظروف الداخلية وموازين القوى الدولية المحيطة بكلّ حرب، بدلًا من اختزالها في التفوّق العسكري أو حجم الموارد المتاحة.
فقد أظهرت الحرب العالمية الثانية قدرة الاتحاد السوفيتي على تعبئة موارده البشرية والصناعية والاستمرار في مواجهة عسكرية واسعة النطاق، في ظلّ تلكّؤ غربي واضح في دعم جهود الشعب السوفيتي، إلى أن شعر العالم الغربي بأن ميزان القوى قد اختلّ لمصلحة الاتحاد السوفيتي. وذلك رغم الدعاية الغربية التي استندت إلى أوهام وسياقات وقصص غير مدعّمة بالوقائع والأرقام بشأن دور إنزال النورماندي وفتح الجبهة الثانية في هزيمة ألمانيا، وبشأن كون التحالف السوفيتي مع القوى الغربية، وما وفّره من دعم مادّي وعسكري، السبب الحقيقي للانتصار.
أما الاستخفاف بقدرة روسيا القيصرية بسبب هزيمتها في الحرب الروسية–اليابانية (1904–1905)، فإن الواقع يُظهر أن تلك الحرب جرت في ظروف مختلفة تمامًا؛ إذ تزامنت الهزائم الروسية في الشرق الأقصى مع تصاعد الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي أفضت إلى ثورة عام 1905. وعلى الرغم من الانتصارات العسكرية اليابانية المهمّة، فإن اليابان نفسها كانت تعاني استنزافًا بشريًا وماليًا كبيرًا، ولم تكن انتصاراتها كافية لفرض جميع مطالبها على الإمبراطورية الروسية، الأمر الذي أسهم في التوصّل إلى تسوية بوساطة أميركية، بدلًا من الاستمرار في حرب مفتوحة لا يستطيع أيّ من الطرفين تحمّل تكاليفها بسهولة.
وينسحب الأمر عينه على الحرب السوفيتية في أفغانستان (1979–1989)؛ فلا يمكن تفسير نتائجها بمعزل عن طبيعتها الدولية، إذ لم تكن مواجهة محصورة بين الجيش السوفيتي والمقاومة الأفغانية، بل تحوّلت إلى إحدى ساحات الصراع الجيوسياسي الكبرى في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة.
فقد تلقّت فصائل ما يُسمّى بالمجاهدين الأفغان، ومعهم مقاتلون عرب، دعمًا ماليًا وعسكريًا واستخباراتيًا من الولايات المتحدة وباكستان والسعودية والصين، فضلًا عن أشكال متفاوتة من المساندة الغربية والإسلامية، بينما اضطلعت باكستان بدور محوري في تنظيم قنوات التمويل والتسليح والتدريب. وأسهمت التعبئة الدينية وشبكات التمويل والتجنيد العابرة للحدود في استقطاب متطوّعين من بلدان إسلامية متعدّدة، وفي نشوء بيئة تنظيمية وفكرية تطوّرت داخلها لاحقًا حركات جهادية عابرة للحدود، من بينها تنظيم القاعدة، الذي تحوّل إلى أحد أبرز التهديدات الأمنية للدول الغربية وبعض الدول التي دعمت المقاومة الأفغانية في الثمانينيات.
وهكذا، فإن الانسحاب السوفيتي من أفغانستان لم يكن مجرّد نتيجة لتفوّق عسكري محلّي، بل جاء في سياق استنزاف طويل تداخلت فيه المقاومة الأفغانية مع الدعم الخارجي والتحوّلات السياسية والاقتصادية داخل الاتحاد السوفيتي نفسه.
وتكشف المقارنة بين هذه الحروب أن النتائج السياسية للصراعات الكبرى لا تتحدّد بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تتشكّل من تفاعل القدرة على الاستمرار مع الأوضاع الداخلية، وطبيعة التحالفات الدولية، والأهداف السياسية والاستراتيجية لكلّ طرف.
هل يكون البرلمان مدخلًا لإعادة النظر في الحرب؟
قد يكون تراجع تماسك الأغلبية الرئاسية فرصة لإعادة الاعتبار إلى النقاش البرلماني حول مستقبل الدولة. فـ«الرادا» ليست مؤسسة ثانوية في النظام السياسي الأوكراني، بل تمثّل السلطة التشريعية التي يُفترض أن تراقب الحكومة وتناقش القرارات الكبرى.
ومن ثمّ، فإن تعزيز استقلالها يمكن أن يتيح مراجعة أوسع للسياسات الاقتصادية والعسكرية، وتدقيقًا أكبر في الإنفاق، ونقاشًا أكثر شفافية حول شروط التسوية. لكن ذلك يستدعي أيضًا الحذر من تحويل البرلمان إلى ساحة لإملاءات خارجية جديدة. فالاستقلال السياسي الحقيقي لا يتحقّق باستبدال تأثير خارجي بآخر، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على اتّخاذ قراراتها وفق القانون والمصلحة العامة والمساءلة الشعبية.
وهنا نرى أن التطوّرات البرلمانية واستطلاعات الرأي وتعدّد مراكز المعارضة تشي باحتمال ولادة مرحلة سياسية جديدة في أوكرانيا. فالأغلبية التي تشكّلت حول زيلينسكي عام 2019 لم تعد تحتفظ بالتماسك نفسه، والطلب الشعبي على تجديد النخب يتزايد، وشخصيات عسكرية وسياسية جديدة تدخل مجال المنافسة المحتملة.
وعلى الرغم من أن مستقبل أيّ تسوية لا يتوقّف على تغيير الرئيس وحده، فإن حدوث ذلك سيعيد النقاش إلى مرحلة اتفاقَي «مينسك 1» و«مينسك 2»، ويفتح المجال أمام حلول منطقية تحفظ ماء الوجه الأوكراني، وأمام بروز توجّه جديد يتعامل ببراغماتية مع ما فرضته الحرب من وقائع ميدانية تتعلّق بقضايا الأراضي والحدود والضمانات الأمنية وإعادة الإعمار والعلاقة مع روسيا والغرب.
كما أن البرلمان المستقلّ قد ينتج سياسة أكثر انفتاحًا على التفاوض، ويتبنّى موقفًا أكثر واقعية، بما يفتح الطريق أمام مناقشة شروط التسوية التي تحفظ أمن الدولة ومصالح الشعب الأوكراني. وبذلك، فإن استعادة الدور السياسي لـ«الرادا» يمكن أن تمنح النقاش حول الحرب والسلام قاعدة مؤسسية أوسع، وتحدّ من احتكار السلطة التنفيذية للقرارات الكبرى، وتتيح محاسبة المسؤولين عن الأخطاء والفساد، كما تمنح القوى الموجودة خارج البلاد إمكانية العودة لممارسة دورها باعتبارها مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الشعب الأوكراني، ضمن ما تتيحه الإجراءات الدستورية.
بين خدمة الشعب وخدمة التحالفات
إن الأزمة الأوكرانية ليست مجرّد صراع عسكري بين موسكو وكييف، ولا مجرّد خلاف بين زيلينسكي وترامب، بل هي أيضًا اختبار لقدرة دولة تخوض حربًا طويلة على المحافظة على توازن مؤسساتها واستقلال قرارها السياسي.
لقد وصل زيلينسكي إلى السلطة باسم التغيير ومكافحة الفساد، ثم وجد نفسه يقود دولة تعتمد على تحالفات خارجية واسعة في مواجهة قوة عسكرية كبرى.
وفي ظلّ هذا التحوّل، أصبح من المشروع مساءلة العلاقة بين الوعود الأولى للحزب، وممارسة السلطة، ومصالح الحلفاء، وتكاليف الحرب التي يتحمّلها المجتمع الأوكراني.
لقد تغيّر الرأي العام، وظهرت معارضة أكثر تنوّعًا، وتراجعت قدرة الأغلبية الرئاسية على العمل بوصفها كتلة متماسكة، وأصبحت العلاقة بين كييف وحلفائها أكثر تعقيدًا في ظلّ اختلاف المصالح الأميركية والأوروبية.
ويكشف المشهد أن قضية إنهاء الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل النظام السياسي الأوكراني، وقدرته على تجديد شرعيته، واستعادة التوازن بين الرئاسة والبرلمان، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وإشراك المجتمع في تحديد شروط السلام.
إن عنوان «عندما تحوّل رئيس حزب خادم الشعب إلى خدمة نخب أوروبا» ليس جديدًا، بل يختزل اتّهامًا سياسيًا مطروحًا في النقاش حول استقلال القرار الأوكراني، لكنه يفتح أيضًا سؤالًا تاريخيًا أوسع: كيف تستطيع دولة تعتمد على تحالفات خارجية لضمان بقائها أن تحافظ، في الوقت نفسه، على حرية تحديد مصالحها الوطنية؟
ولعلّ الدرس الذي تقدّمه هذه الحرب هو أن التحالفات الدولية لا تستطيع أن تكون بديلًا دائمًا عن التوافق الداخلي، وأن استمرار القتال لا يُغني عن تحديد الغاية السياسية منه، وأن أيّ تسوية لا تحظى بشرعية داخل المجتمع المعنيّ ستظلّ عرضة للاهتزاز.
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح مشروع «خادم الشعب» بقدرته على الاحتفاظ بالسلطة في زمن الحرب، بل بقدرته على صون مؤسسات الدولة، واحترام المجتمع الذي منحه ثقته، وتهيئة الظروف لسلام لا يبدّد استقلال أوكرانيا ولا يعيد إنتاج الحرب في صورة أخرى.

د. زياد أسعد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
