عندما تحوّل رئيس حزب «خادم الشعب» إلى خدمة نخب أوروبا (1/2)

أوكرانيا بين أزمة السلطة، وتحوّل الرأي العام، وتصدّع الأغلبية الرئاسية، والمعارضة المحظورة والمنفية، وحسابات التسوية مع روسيا

في التاريخ السياسي، كثيرًا ما تبدأ الأزمات الكبرى عندما تتّسع المسافة بين الشعارات التي أوصلت القادة إلى السلطة والسياسات التي ينتهجونها بعد وصولهم إليها. وتقدّم التجربة الأوكرانية في عهد فولوديمير زيلينسكي حالة تستحقّ الدراسة لهذه المفارقة.

فالرجل الذي صعد إلى الرئاسة عام 2019، محمولًا على موجة من الرفض الشعبي للفساد والنخب السياسية التقليدية، والذي ارتبط اسمه بحزب «خادم الشعب»، يجد نفسه، بعد أكثر من سبع سنوات، في موقع مختلف جذريًا. فهو اليوم رئيس دولة تخوض حرب استنزاف طويلة مع روسيا، وتعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدعم العسكري والمالي الغربي، وتواجه مؤسساتها السياسية خلافات داخلية متزايدة بشأن إدارة الحرب والاقتصاد والسلطة.

ولم يعد السؤال المطروح في أوكرانيا، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من الحرب الروسية–الأوكرانية، مقتصرًا على قدرة الجيش الأوكراني على الصمود على الجبهات، أو قدرة الدول الغربية على مواصلة إمداده بالأسلحة والأموال. فقد أخذ سؤال آخر يتقدّم إلى واجهة الحياة السياسية: إلى متى تستطيع القيادة الأوكرانية الاستمرار في إدارة الحرب بالصيغة نفسها، بينما تتغيّر اتّجاهات الرأي العام، ويتراجع تماسك الأغلبية الرئاسية، وتتصاعد الخلافات داخل المؤسسات السياسية، وتظهر في واشنطن مقاربة مختلفة للعلاقة مع موسكو؟

ومن هنا، يبرز السؤال الذي يطرحه عنوان هذه المقالة: هل ظلّ زيلينسكي رئيسًا يحدّد أولوياته انطلاقًا من مصالح المجتمع الأوكراني، أم أصبحت خياراته مرتبطة، على نحو متزايد، بحسابات النخب الحاكمة في العواصم الأوروبية؟

إن الإجابة تتطلّب تجاوز التوصيفات الشخصية إلى تحليل بنية السلطة، وتحوّلات الرأي العام، ومصالح الدول الكبرى، والقيود التي تفرضها الحرب على استقلال القرار الوطني.

من «خادم الشعب» إلى حزب السلطة

لم يكن اسم «خادم الشعب» مجرّد تسمية حزبية عادية؛ فقد ارتبط بالمسلسل التلفزيوني الذي جسّد فيه زيلينسكي شخصية مدرّس تاريخ يصل إلى رئاسة الجمهورية، ويتحدّى الفساد والامتيازات السياسية الراسخة.

وعندما انتُخب زيلينسكي رئيسًا في نيسان/أبريل 2019، بحصوله على نحو 73% من أصوات الجولة الثانية، بدا أن قطاعًا واسعًا من الأوكرانيين يريد تغييرًا جذريًا في الطبقة الحاكمة.

وفي الانتخابات البرلمانية اللاحقة، حصل حزب «خادم الشعب» على 254 مقعدًا، ما أتاح للرئيس أغلبية استثنائية في تاريخ أوكرانيا المستقلّة.

لكن هذا النجاح حمل تناقضًا داخليًا. فالحزب لم يتطوّر منذ البداية بوصفه مؤسسة سياسية ذات برنامج أيديولوجي متماسك، وإنما نشأ، بدرجة كبيرة، بوصفه أداة انتخابية مرتبطة بشعبية زيلينسكي.

وقد كشفت التطوّرات البرلمانية خلال عام 2026 عن تراجع قدرة الرئاسة على ضمان تصويت أعضاء كتلتها لصالح قراراتها، وعن تنامي الاعتراضات على مركزية القرار وضعف التواصل بين مكتب الرئيس والنواب.

وأفاد تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 6 نيسان/أبريل 2026 بأن الحزب بات يعاني انقسامات داخلية وتراجعًا في الانضباط البرلماني، وأن عدد أعضاء كتلته تقلّص من 254 إلى نحو 228 نائبًا. والأكثر دلالة أن عدد النواب الذين يمكن الاعتماد عليهم بصورة منتظمة في التصويت لم يعد، وفق تقديرات نواب نقلتها الصحيفة، يتجاوز نحو 112 إلى 120 نائبًا.

وهنا تتجلّى مفارقة سياسية؛ إذ إن الحزب الذي منح الرئيس قدرة واسعة على اتّخاذ القرار أصبح يحتاج إلى دعم كتل أخرى لتمرير التشريعات.

وتكشف هذه الأزمة أن التوافق السياسي الذي تشكّل حول زيلينسكي عام 2019 لم يعد قائمًا بالقوّة نفسها، وأن حزب السلطة أصبح مطالبًا بإثبات قدرته على تمثيل المجتمع، لا الاكتفاء بالدفاع عن قرارات الرئاسة.

الحرب وتراجع استقلال المؤسسات

أدّت العملية العسكرية الخاصة التي نفّذها الجيش الروسي في أوكرانيا في شباط/فبراير 2022 إلى تغيير جذري في طبيعة النظام السياسي الأوكراني.

فالحرب فرضت التعبئة العامة والأحكام العرفية، ووسّعت دور السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، وأخّرت الاستحقاقات الانتخابية.

وترتبط استمرارية الرئيس في ممارسة صلاحياته بعد انتهاء ولايته الانتخابية بالإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم عمل مؤسسات الدولة في ظلّ الأحكام العرفية وتعذّر إجراء الانتخابات. غير أن المشروعية القانونية لا تلغي الحاجة إلى الرقابة السياسية.

فالسلطات الاستثنائية، مهما كانت دوافعها الأمنية، تطرح سؤالًا عن قدرة البرلمان على مراقبة الحكومة، ومراجعة القرارات العسكرية والاقتصادية، ومناقشة شروط التسوية المستقبلية.

وقد أظهرت أزمة حزب «خادم الشعب» أن عددًا من النواب باتوا يعترضون على ضعف مشاركتهم في صياغة القرارات، وعلى مطالبتهم بتحمّل المسؤولية السياسية عن تشريعات لا يشعرون بأنهم شاركوا بصورة كافية في إعدادها.

ومن ثمّ، فإن استعادة الدور الفعلي لـ«الرادا»، أي البرلمان الأوكراني، ليست مجرّد مسألة إجرائية، بل ترتبط بمدى قدرة الدولة الأوكرانية على إنتاج سياسة وطنية تحظى بموافقة مؤسساتها المنتخبة.

وتكشف هذه الأزمة عن مشكلة أعمق من مجرّد الخلاف على قانون أو منصب وزاري. فالحزب الذي وعد بإعادة السلطة إلى المجتمع أصبح مطالبًا بإثبات أن البرلمان ما زال قادرًا على ممارسة الرقابة، وأن السياسات الكبرى لا تُحسم في دائرة ضيّقة حول الرئاسة، أو تحت تأثير الضرورات العسكرية ومطالب الحلفاء.

من يدفع ثمن الحرب: الشعب أم النخب؟

تكتسب مسألة الفساد أهمية مضاعفة في المجتمعات التي تخوض حروبًا طويلة. فالمواطن الذي يتحمّل الضرائب والتضخّم والنزوح وفقدان أفراد أسرته، والجندي الذي يخاطر بحياته على الجبهة، ينتظران من مؤسسات الدولة مستوى استثنائيًا من النزاهة والمساءلة.

ولهذا، لا يمكن النظر إلى قضايا الفساد التي شهدتها أوكرانيا خلال الحرب باعتبارها مجرّد مخالفات إدارية منفصلة عن السياسة العامة.

لقد أثارت التحقيقات المتعلّقة بمسؤولين ونواب وقطاعات حسّاسة، بما فيها الطاقة والدفاع، أسئلة جدّية بشأن الرقابة على الموارد العامة.

كما أثارت محاولات إضعاف استقلال مؤسسات مكافحة الفساد احتجاجات داخلية، وهو ما يعكس استمرار وجود مجتمع مدني أوكراني يطالب بالمحاسبة.

ولا تقتصر آثار الفساد على الخسائر المالية المباشرة؛ إذ يمسّ الثقة بين المواطن والسلطة، ويضعف الإحساس بعدالة توزيع التضحيات.

والسؤال السياسي الأهمّ هو: هل تستطيع القيادة مطالبة المجتمع بتحمّل المزيد من التضحيات إذا تراجعت ثقته بعدالة توزيع أعباء الحرب؟

إن شرعية إدارة الحرب لا تُقاس فقط بالقدرة على التعبئة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على إقناع المواطنين بأن التضحيات لا تتحوّل إلى وسيلة لحماية امتيازات النخب.

ومن المفارقات أن الضغوط الأوروبية لم تكن دائمًا موجّهة إلى حماية السلطة التنفيذية الأوكرانية؛ فقد مارست المؤسسات الأوروبية أيضًا ضغوطًا تحت عنوان الحفاظ على استقلال أجهزة مكافحة الفساد، مع غضّ الطرف عن الفساد نفسه، إن لم يكن بعض هذه المؤسسات قد تورّط فيه. وهذا يوضح أن العلاقة بين كييف والعواصم الأوروبية ذات أبعاد سياسية، بل وأيديولوجية، وتتّسم بالاستنسابية في تطبيق المعايير والمقاييس نفسها التي يُطلب من دول أخرى الالتزام بها.

الشعب الأوكراني والتحوّل من خطاب النصر إلى البحث عن التسوية

تشير استطلاعات الرأي إلى تحوّل مهمّ في المزاج الشعبي الأوكراني. فبحسب استطلاع مؤسسة «غالوب»، المنشور في 30 حزيران/يونيو 2026، فضّل 66% من الأوكرانيين السعي إلى إنهاء الحرب عن طريق التفاوض في أقرب وقت ممكن، مقابل 24% فضّلوا استمرار القتال حتى تحقيق النصر.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بأرقام عام 2022، حين بلغت نسبة المؤيّدين لمواصلة القتال حتى النصر 73%، مقابل 22% أيّدوا التفاوض السريع.

وجاء استطلاع معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع، الذي أُجري بين 12 و21 أيلول/سبتمبر 2026، ليُظهر أن 75% من المشاركين منفتحون على إجراء مفاوضات مع روسيا لإنهاء الحرب، مقابل 21% يعارضون ذلك.

لكن المؤشّر الأكثر ارتباطًا بمستقبل زيلينسكي ظهر في استطلاع آخر للمعهد نفسه. فقد رأى 53% أن على الرئيس الاكتفاء بولايته الحالية وعدم الترشّح مجدّدًا، مقابل 42% يؤيّدون مشاركته في الانتخابات المقبلة. كذلك رأى 45% أن البلاد تسير في الاتّجاه الخاطئ، مقابل 40% اعتبروا أنها تسير في الاتّجاه الصحيح.

ولم تتوقّف المؤشّرات عند هذا الحدّ. فقد ارتفعت نسبة الذين يشعرون بخيبة أمل تجاه الحكومة من 36% في كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 44% في أيلول/سبتمبر 2026، كما ارتفعت نسبة الذين عبّروا عن شعورهم بالخجل من أداء السلطة من 20% إلى 33%. وفي المقابل، عارض 71% من المشاركين إجراء الانتخابات فورًا أثناء الحرب.

وتكشف هذه المفارقة طبيعة الأزمة، التي تتمثّل في وجود رغبة واسعة في تجديد النخب السياسية، تقابلها خشية من أن تؤدّي الانتخابات، في ظروف القتال والنزوح والتعبئة العسكرية، إلى انقسام داخلي جديد.

ومن منظور التاريخ الاجتماعي للحروب، يمكن فهم هذا التغيّر في سياق الاستنزاف البشري والاقتصادي والنفسي.

فالمجتمعات لا تنظر إلى الحرب بالمعايير نفسها عند اندلاعها وبعد سنوات من استمرارها. وقد يصبح الحفاظ على ما تبقّى من القدرات البشرية والاقتصادية أولوية تتقدّم على الأهداف العسكرية القصوى.

وهنا تظهر مسؤولية القيادة السياسية في إعادة تقييم العلاقة بين الأهداف والوسائل، وفي تفسير أسباب استمرار القتال والشروط الواقعية لإنهائه.

من التعبئة الوطنية إلى الإنهاك الاجتماعي: الشباب الأوكراني بين التجنيد والهجرة ورفض الحرب الطويلة

لم تعد التحوّلات في المجتمع الأوكراني تُقرأ من خلال مواقف الأحزاب والرؤساء السابقين وحدهم، بل أيضًا من خلال التغيّر العميق في علاقة المواطنين بالحرب نفسها. ففي شباط/فبراير 2022، أحدثت العملية الروسية الخاصة حالة من التعبئة الواسعة، واندفع متطوّعون إلى الدفاع عن البلاد، فيما بدا الصراع، بالنسبة إلى قطاعات كبيرة من المجتمع، معركة مباشرة لحماية الدولة والوجود الوطني. وبعد أكثر من أربع سنوات من القتال، أصبح المشهد الاجتماعي أشدّ تعقيدًا؛ فهناك عائلات فقدت أبناءها، ومدن تعرّضت للدمار، واقتصاد يعيش تحت ضغط الحرب، وشباب يواجهون احتمال قضاء سنوات من أعمارهم في الخدمة العسكرية، من دون أفق واضح لنهاية القتال.

ويظهر هذا التحوّل بوضوح في استطلاعات مؤسسة «غالوب». ففي عام 2022، كان 73% من الأوكرانيين يفضّلون مواصلة القتال حتى تحقيق النصر، مقابل 22% يدعون إلى التفاوض لإنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن. وبحلول عام 2025، بلغت نسبة المؤيّدين للتفاوض 69%، مقابل 24% لمواصلة القتال، ثم بلغت في استطلاع عام 2026 نحو 66%، مقابل 24% لمواصلة القتال. وهكذا، انتقل المزاج الشعبي من أغلبية تؤيّد الاستمرار في الحرب إلى أغلبية تبحث عن تسوية تفاوضية. ويعكس هذا التغيّر اتّساع الشعور بالإنهاك والقلق من المستقبل، من دون أن يعني بالضرورة قبول شروط موسكو أو التخلّي عن استقلال أوكرانيا.

ولم يعد الجدل يتعلّق فقط بضرورة الدفاع عن البلاد، بل بالغاية السياسية التي يُطلب من الشباب القتال من أجلها. ففي بداية الحرب، كان هدف صدّ القوات الروسية وحماية المدن واضحًا ومباشرًا. أما مع تحوّل الصراع إلى حرب استنزاف، فقد أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحًا: هل الهدف استعادة جميع الأراضي بالقوة، أم الوصول إلى وقف لإطلاق النار؟ وما الضمانات التي يمكن أن تمنع اندلاع حرب جديدة؟ وما المدّة التي يمكن أن تتحمّلها الأجيال الشابة قبل أن تتحوّل التعبئة العسكرية إلى استنزاف دائم للقوة البشرية للمجتمع؟

وقد اكتسبت هذه الأسئلة وزنًا خاصًا مع تشديد إجراءات التعبئة العسكرية. ففي عام 2024، خُفّض الحدّ الأدنى لسنّ التعبئة من 27 إلى 25 عامًا، وشُدّدت إجراءات تحديث البيانات العسكرية واستدعاء المطلوبين للخدمة. وفي ظلّ الحاجة المتزايدة إلى تعويض الخسائر على الجبهات، ظهرت شكاوى وتقارير عن ممارسات قسرية خلال عمليات استدعاء الرجال إلى مراكز التجنيد، بما فيها احتجاز أشخاص في الشوارع أو نقلهم بصورة لا تراعي الإجراءات القانونية. وأثارت هذه الوقائع، التي تداولتها وسائل الإعلام الأوكرانية وتناولت مؤسسات الرقابة وحقوق الإنسان بعضًا منها، خلافًا حول الحدود الفاصلة بين واجب الدفاع الوطني وحقوق المواطنين.

وتكشف قضية التجنيد عن أحد التناقضات الاجتماعية للحرب الطويلة. فبينما تطالب الدولة بمزيد من الجنود، يتساءل بعض المواطنين عن عدالة توزيع أعباء الخدمة، وعن مصير من أمضوا سنوات على الجبهة، وعن قدرة الأسر على الاستمرار في تحمّل الغياب والخسارة. كما تعمّق قضايا الفساد واستغلال النفوذ في الإعفاءات والتأجيلات العسكرية الشعور بأن التضحيات لا تقع بالتساوي على مختلف الفئات الاجتماعية.

أما الهجرة إلى أوروبا، فقد أصبحت الوجه الآخر لهذه الأزمة. فقد استقبلت الدول الأوروبية ملايين الأوكرانيين الفارّين من الحرب، وكانت الغالبية من النساء والأطفال وكبار السنّ، نظرًا إلى القيود المفروضة على مغادرة الرجال الأوكرانيين في سنّ التعبئة. ومع استمرار الحرب، لم تعد الهجرة مجرّد انتقال مؤقت بحثًا عن الأمان، بل تحوّلت لدى كثير من الأسر إلى إعادة بناء للحياة في الخارج، من خلال العمل والتعليم وتعلّم اللغات واستقرار الأطفال في المدارس الأوروبية.

وتكتسب هجرة الشباب دلالة سياسية واجتماعية خاصة. فالشاب الذي يرى أصدقاءه يقاتلون أو يُستدعون للخدمة، بينما تتاح لآخرين فرصة متابعة الدراسة والعمل في أوروبا، يواجه خيارات شخصية شديدة الصعوبة. ولا يجوز اختزال هذه الخيارات في الشجاعة أو الجبن، أو اعتبار كلّ مغادرة للبلاد رفضًا للحرب؛ فهناك اختلافات قانونية وعائلية واقتصادية واسعة بين المهاجرين. لكن اتّساع الهجرة وطول أمدها يطرحان مشكلة استراتيجية تتعلّق بمستقبل القوة العاملة الأوكرانية، والتوازن السكاني، وقدرة الدولة على إعادة الإعمار بعد انتهاء القتال.

وهنا تظهر المفارقة الأشدّ تأثيرًا في مستقبل أوكرانيا. فالدولة تحتاج إلى شبابها على الجبهات اليوم، لكنها ستحتاج إليهم أيضًا في المصانع والجامعات والمستشفيات وورش إعادة الإعمار غدًا. وكلّما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة التوفيق بين هاتين الحاجتين، خصوصًا إذا استقرّت أعداد كبيرة من الأسر الأوكرانية في المجتمعات الأوروبية، ولم تعد ترى في العودة خيارًا قريبًا.

وثمّة واقعة لا بدّ من الإشارة إليها، تعزّز ما ورد بشأن هجرة الشباب. ففي نهاية آب/أغسطس 2025، سمحت أوكرانيا للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عامًا بمغادرة البلاد. وبعد القرار، سجّل الاتحاد الأوروبي في أيلول/سبتمبر 2025 نحو 79,205 قرارات جديدة بمنح الحماية المؤقتة للفارّين من أوكرانيا، بزيادة قدرها 49% مقارنةً بآب/أغسطس. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المستفيدين كانوا شبابًا أوكرانيين، لكنها تؤكّد حصول ارتفاع ملحوظ بعد تغيير قواعد المغادرة.

كما أظهرت أعمال مراقبة الحدود التي أجرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال عام 2025 أن 97% ممّن شملتهم المقابلات عند المغادرة ذكروا المخاوف الأمنية سببًا رئيسيًا للخروج من أوكرانيا. لذلك، لا يمكن حصر الهجرة في ارتباطها بالتجنيد القسري؛ فثمّة، بلا شكّ، عوامل أخرى تدفع إليها، وإن كان هذا التجنيد عاملًا مؤثّرًا لدى بعض الشباب.

إن انتقال قطاعات واسعة من الرأي العام نحو تأييد التفاوض، واحتدام الجدل حول التجنيد والتعبئة العسكرية، واستمرار الهجرة والنزوح، وتزايد التساؤلات بشأن أهداف الحرب وآفاق نهايتها، فضلًا عن الخسائر البشرية الهائلة التي خلّفتها المعارك، بما في ذلك أعداد القتلى والجرحى والمفقودين وما ترتّب عليها من مآسٍ عائلية واجتماعية عميقة، تشكّل مجتمعةً مؤشّرات على تحوّل الحرب من لحظة تعبئة وطنية استثنائية إلى أزمة اجتماعية وديموغرافية وسياسية طويلة الأمد. فمع امتداد أمد القتال، لم تعد الكلفة البشرية للحرب تُقاس بالخسائر العسكرية المباشرة وحدها، بل باتت تشمل تفكّك الأسر، وتزايد أعداد الأرامل والأيتام، وتفاقم الأعباء النفسية والاقتصادية، واستنزاف الفئات الشابة والقوى العاملة، وما يتركه ذلك من آثار عميقة في البنية السكانية ومستقبل المجتمع.

في هذه المرحلة، لم تعد شرعية القرار السياسي تستند إلى الشعارات والأهداف التي أُعلنت عند بداية الغزو وحدها، بل أصبحت مرتبطة، على نحو متزايد، بقدرة القيادة على توضيح الغايات السياسية والعسكرية للحرب، وتبرير استمرار التضحيات البشرية، وضمان توزيع أعبائها بصورة عادلة بين مختلف فئات المجتمع، وتقديم تصوّر واقعي لإنهائها. وهكذا، يغدو السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط كيف يمكن مواصلة الحرب، بل كيف يمكن وضع حدّ لنزيف الأرواح، وإعادة الجنود إلى بيوتهم، وتمكين اللاجئين من العودة إلى وطنهم والنازحين من العودة إلى مناطقهم، وصون ما تبقّى من الطاقات البشرية والاقتصادية للبلاد، من دون تعريضها لدورة جديدة من العنف والحرب. ومن هذا المنظور، تتحوّل الخسائر البشرية المتراكمة من مجرّد نتيجة مأساوية للعمليات العسكرية إلى عامل أساسي في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي تحديد حدود قدرة السلطة السياسية على الاستمرار في تعبئة السكان وتحميلهم تكاليف حرب لا تبدو نهايتها واضحة.

من الأغلبية الرئاسية إلى التنافس على مستقبل الحكم

يظهر التغيّر في موازين القوى السياسية بصورة أوضح في استطلاع أجرته مجموعة «ريتينغ» بين 3 و5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وشمل ألف مشارك. ففي سيناريو افتراضي لانتخابات رئاسية، حصل زيلينسكي على تأييد 22.9%، يليه القائد العام السابق للقوات المسلحة فاليري زالوجني بنسبة 20.2%.

وحصل الرئيس السابق بيترو بوروشينكو على 7.6%، وميخايلو فيدوروف على النسبة نفسها، ثم كيريلو بودانوف على 6.7%، وأندريه بيليتسكي على 5.4%، ودميترو رازومكوف على 5.1%، ويوليا تيموشينكو على 1.9%، ويوري بويكو على 1.4%.

وعلى الرغم من أن هذه الأرقام لا تمثّل نتائج انتخابات فعلية، فإنها تكشف أن المشهد السياسي لم يعد محصورًا في المنافسة التقليدية بين زيلينسكي وبوروشينكو، وأن شخصيات عسكرية وأمنية وحكومية سابقة أصبحت جزءًا من النقاش حول مستقبل القيادة.

ومن بين هذه الشخصيات، يبرز دميترو رازومكوف، الذي تولّى رئاسة «الرادا» بعد انتصار حزب «خادم الشعب» عام 2019، ثم انفصل سياسيًا عن زيلينسكي.

وتكتسب تجربته دلالة خاصة؛ لأنه يمثّل معارضة نشأت من داخل المشروع الرئاسي نفسه، لا من الأحزاب التي سبقته.

كما أن خروج ميخايلو فيدوروف من وزارة الدفاع عام 2026 أضاف بُعدًا جديدًا إلى الخلاف السياسي. فقد دعا إلى إجراء الانتخابات، وانتقد ما وصفه بأزمة منهجية في إدارة الدولة، بينما اعتبر زيلينسكي أن تنظيم انتخابات في ظروف الحرب قد يؤدّي إلى انقسام خطير.

ولا شكّ في أن هذه التناقضات تعكس انتقال الخلاف من المنافسة بين السلطة والمعارضة التقليدية إلى خلافات داخل النخبة التي شاركت في إدارة الدولة والحرب.

الرؤساء السابقون ومواقفهم من زيلينسكي والحرب

بيترو بوروشينكو: معارضة الرئيس من داخل المعسكر المؤيّد لمقاومة روسيا

يشكّل بيترو بوروشينكو، الرئيس الأوكراني بين عامَي 2014 و2019، أحد أبرز خصوم زيلينسكي السياسيين. وقد اتّهم الرئاسة، في مقابلة مع صحيفة «أوكرانسكا برافدا» في شباط/فبراير 2025، باستخدام العقوبات والإجراءات السياسية ضدّ خصومها، ورأى أن فرض العقوبات عليه يعكس انتقال السلطة إلى التحضير للمنافسة الانتخابية، بدلًا من التركيز على الوحدة الوطنية.

وفي حزيران/يونيو 2026، أعلن بوروشينكو أن أوكرانيا أصبحت أقرب إلى السلام من أيّ وقت مضى خلال السنوات الأربع السابقة، ودعا إلى استثمار فرصة وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات بمشاركة الولايات المتحدة وأوروبا.

غير أن موقف بوروشينكو لا يعني تحوّلًا إلى المعسكر المؤيّد لروسيا؛ إذ لا يزال يدافع عن تعزيز قدرات الجيش الأوكراني وعن ارتباط أوكرانيا بالغرب، ويرى أن الضغط العسكري والاقتصادي على موسكو يمكن أن يحسّن شروط التفاوض.

ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين معارضة زيلينسكي ومعارضة استمرار المقاومة العسكرية؛ فبوروشينكو يجمع بين المطالبة بتغيير أسلوب الحكم والتشدّد تجاه روسيا.

فيكتور يوشينكو: استمرار التشدّد تجاه موسكو

أما الرئيس الأسبق فيكتور يوشينكو، الذي حكم أوكرانيا بين عامَي 2005 و2010، فقد اتّخذ موقفًا أكثر تشدّدًا تجاه موسكو.

ففي آب/أغسطس 2025، أعرب عن تشاؤمه إزاء إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي سريع، معتبرًا أن روسيا لم تتعرّض بعد لضغوط اقتصادية ومالية كافية تدفع قيادتها إلى تسوية جدّية. ورأى أن أوكرانيا وأوروبا ستحتاجان إلى مواصلة المقاومة وتعزيز قدراتهما.

ليونيد كوتشما: إرث الموازنة بين روسيا والغرب

أما ليونيد كوتشما، الرئيس بين عامَي 1994 و2005، فيمثّل جيلًا سياسيًا مختلفًا ارتبط تاريخيًا بمحاولات الموازنة بين روسيا والغرب. غير أن مواقفه المعلنة لا توفّر أساسًا كافيًا لوضعه ضمن جبهة تسعى حاليًا إلى إزاحة زيلينسكي أو قبول الشروط الروسية. وقد اتّخذ كوتشما ويوشينكو وبوروشينكو، في حزيران/يونيو 2026، موقفًا مشتركًا مع زيلينسكي خلال أزمة دبلوماسية مع بولندا، تمثّل في إعادتهم أوسمتهم البولندية احتجاجًا على الإجراءات التي اتّخذتها وارسو في سياق الخلاف بشأن الذاكرة التاريخية.

ومع أن بعض المواقف التي اتّخذها الرؤساء الأوكرانيون السابقون تجاه قضايا وطنية أظهرت قدرًا من التوافق، فلا ينبغي تفسيرها بوصفها دليلًا على توافقهم السياسي مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في جميع القضايا. فقد اقتصر هذا التقارب على قضية محدّدة، ولا يقدّم، في ذاته، دليلًا على تأييدهم لسياسات زيلينسكي الداخلية أو لقراراته المتعلّقة بإدارة الحرب. ومن ثمّ، فإن التحليل السياسي يقتضي التمييز بين التضامن دفاعًا عن الرموز الوطنية والسيادة الأوكرانية، والاصطفاف السياسي داخل الدولة. كما أن هذا الموقف المشترك لا يصلح وحده لنفي وجود معارضة سياسية للرئيس الحالي، أو لإثبات أن الرؤساء السابقين يشكّلون جبهة معارضة موحّدة؛ إذ يتطلّب أيٌّ من الاستنتاجين دراسة مستقلة لمواقف كلّ رئيس وتصريحاته وتحرّكاته السياسية.

تيموشينكو والمعارضة التقليدية وأزمة النخب

تحتلّ يوليا تيموشينكو، رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب «الوطن»، موقعًا مهمًا في تاريخ المعارضة الأوكرانية. فهي من أبرز الشخصيات التي شاركت في الحياة السياسية منذ «الثورة البرتقالية»، وتمتلك خبرة طويلة في المنافسة البرلمانية والرئاسية، وفي بناء التحالفات داخل «الرادا».

وقد انتقدت سياسات السلطة في ملفات تتعلّق بإدارة الدولة والاقتصاد ومؤسسات الرقابة، كما دخلت في صراعات سياسية وقضائية أثارت جدلًا بشأن العلاقة بين مكافحة الفساد والمنافسة على السلطة.

غير أن ضعف التأييد الانتخابي الذي أظهره استطلاع تشرين الأول/أكتوبر 2026، إذ حصلت على 1.9% في السيناريو الرئاسي الافتراضي، يوضح أن حضورها التاريخي لا يعني احتفاظها بالقدرة على استقطاب التأييد الشعبي بالمستوى نفسه الذي تمتّعت به في مراحل سابقة.

أزمة القيادة السياسية وتحوّلات الشرعية في أوكرانيا

ويكشف الوضع السياسي لكلٍّ من يوليا تيموشينكو وبيترو بوروشينكو عن إشكالية أعمق تواجه المعارضة الأوكرانية التقليدية؛ إذ إن تنامي التساؤلات بشأن أداء الرئيس فولوديمير زيلينسكي وإدارته للحرب، وتصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن استمرارها، لا يعنيان بالضرورة استعداد الرأي العام للعودة إلى النخب السياسية التي تولّت السلطة أو تنافست عليها قبل صعوده إلى الرئاسة عام 2019. فالتراجع المحتمل في الثقة بالقيادة القائمة لا يتحوّل تلقائيًا إلى تأييد لخصومها، ولا سيما أن هؤلاء يحملون إرثًا سياسيًا يرتبط في الذاكرة العامة بالصراعات الحزبية وأزمات الحكم السابقة.

ومن هنا، تبدو الأزمة السياسية الأوكرانية أكثر تعقيدًا من مجرّد تنافس بين رئيس حالي ومعارضة تسعى إلى استعادة السلطة؛ فهي تطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة القيادة القادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وحدود الشرعية التي تستمدّها السلطة من ظروف المواجهة العسكرية، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على استعادة فاعليتها في ظلّ التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية العميقة التي أحدثتها الحرب. كما أن الخسائر البشرية الهائلة، واستمرار النزوح واللجوء، والجدل بشأن التعبئة العسكرية، والأعباء الاقتصادية المتراكمة، تجعل مسألة تجديد القيادة مرتبطة بمستقبل الدولة والمجتمع، لا بمجرّد تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المواقع السياسية.

وعليه، فإن المعضلة الأساسية التي يواجهها النظام السياسي الأوكراني لا تكمن في تحديد من سيخلف زيلينسكي فحسب، بل في معرفة ما إذا كانت القوى السياسية القائمة، سواء في السلطة أو المعارضة، قادرة على تقديم مشروع وطني يستجيب للتحوّلات التي فرضتها الحرب، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويوازن بين مقتضيات الأمن والسيادة ومتطلّبات السلام وإعادة الإعمار. فالحرب التي أعادت تشكيل مكانة أوكرانيا في النظام الدولي، وفرضت على مجتمعها تضحيات بشرية ومادية جسيمة، تطرح، في الوقت نفسه، تحدّيًا داخليًا لا يقلّ أهمية عن تحدّيات الجبهة العسكرية، يتمثّل في إعادة تأسيس الشرعية السياسية على قواعد المساءلة والتمثيل الشعبي والقدرة على إدارة المستقبل.

وبذلك، فإن مستقبل القيادة في أوكرانيا لن يتحدّد بالضرورة من خلال المفاضلة بين زيلينسكي وخصومه التقليديين وحدهم، بل سيتأثّر أيضًا بمدى ظهور قوى وشخصيات سياسية جديدة، وبقدرة المجتمع الأوكراني على الانتقال من منطق التعبئة في زمن الحرب إلى منطق التنافس السياسي والمؤسسي في مرحلة ما بعدها. وهنا تبرز المفارقة المركزية: فقد تتمكّن الحرب من تعزيز وحدة الدولة في مواجهة الخطر الخارجي، لكنها تترك في داخلها أسئلة مؤجّلة بشأن السلطة والشرعية والتمثيل السياسي، قد تصبح أكثر إلحاحًا كلّما اقتربت لحظة الانتقال من الحرب إلى السلام.

(يتبع)

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.