زلزال انتخابي في واشنطن: الأميركيون رفضوا ترامب

خاص «بيروت 2030»

في تحوّل سياسي لافت قد يعيد رسم المشهد الأميركي خلال العامين الأخيرين من ولاية الرئيس دونالد ترامب، حقّق الحزب الديمقراطي انتصاراً مهماً في انتخابات التجديد النصفي، وتمكّن، وفق النتائج التي أعلنتها وسائل إعلام أميركية، من انتزاع السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ.

وتكمن أهمية هذا الانتصار في أن ترامب، الذي كان يستند إلى أغلبية جمهورية في المجلسين، سيجد نفسه أمام واقع سياسي جديد، يتمثّل في امتلاك الحزب المعارض، مع بدء ولاية الكونغرس الجديد، الأدوات الدستورية والرقابية التي تتيح له مراقبة أداء إدارته وفتح التحقيقات في ملفاتها.

ولفهم حجم هذا التحوّل، لا بدّ من التوقف عند طبيعة الكونغرس الأميركي. فالكونغرس هو السلطة التشريعية الفيدرالية في الولايات المتحدة، ويتألف من مجلسين: مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

يتكوّن مجلس النواب من 435 عضواً منتخباً، يمثّلون الدوائر الانتخابية في الولايات الأميركية، ويتناسب عدد ممثّلي كل ولاية مع عدد سكانها. وتُجرى الانتخابات لجميع مقاعده كل سنتين. ولكي يتمكن أيّ حزب من ضمان الأغلبية المطلقة لمقاعد المجلس، يحتاج إلى الفوز بـ218 مقعداً على الأقل.

أما مجلس الشيوخ، فيتألف من 100 عضو، بواقع عضوين عن كل ولاية من الولايات الخمسين، بغضّ النظر عن عدد سكانها. وتبلغ مدة ولاية عضو مجلس الشيوخ ست سنوات، ويُجدَّد نحو ثلث مقاعد المجلس كل سنتين. ويضمن الحصول على 51 مقعداً الأغلبية، فيما يمكن حسم التعادل عند توزّع المقاعد بالتساوي، بواقع 50 مقعداً لكل طرف، بصوت نائب الرئيس، الذي يرأس مجلس الشيوخ بحكم منصبه.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن فاز بالانتخابات، بل بما يستطيع الديمقراطيون فعله في مواجهة ترامب.

إن السيطرة على مجلس النواب تمنح الديمقراطيين صلاحيات واسعة لفتح تحقيقات برلمانية في أداء الإدارة الأميركية، ويمكن أن تشمل أبرز ملفاتها:

  • المصالح المالية والتجارية للرئيس ترامب وأفراد عائلته، ومدى وجود تضارب بين المصالح الخاصة ومقتضيات المنصب الرئاسي، فضلاً عن التحقيق في العقود والصفقات والعلاقات التجارية التي يُحتمل أن يكون الرئيس قد استفاد فيها من نفوذه السياسي.
  • استقلالية وزارة العدل، ومدى استخدام المؤسسات الفيدرالية لأغراض سياسية، وطريقة تعامل الإدارة مع التحقيقات والملاحقات القضائية، فضلاً عن قرارات العفو الرئاسي والتدخلات المحتملة في عمل الأجهزة القضائية والأمنية.
  • ملفات الهجرة وعمليات الترحيل والاحتجاز، ومدى التزام إدارة ترامب بالقوانين الفيدرالية والضمانات الدستورية.
  • ملفات الإنفاق الحكومي والرسوم الجمركية، والصلاحيات التي استخدمها الرئيس في السياستين الخارجية والعسكرية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب مع إيران.

ويمنح الدستور الأميركي مجلس النواب وحده صلاحية توجيه الاتهام إلى الرئيس في إطار إجراءات العزل، ويكفي الحصول على أغلبية بسيطة لإقرار مواد الاتهام. أما مجلس الشيوخ، فيتولى محاكمة الرئيس، ولا تصدر الإدانة التي يترتب عليها عزله من منصبه إلا بموافقة ثلثَي الأعضاء الحاضرين، وهي أغلبية يصعب تأمينها في ظل الانقسام الحزبي.

ومع ذلك، فإن انتزاع السيطرة على الكونغرس لا يعني أن ترامب أصبح عاجزاً عن الحكم؛ فالرئيس لا يزال يحتفظ بصلاحياته التنفيذية وبحق الاعتراض على القوانين التي يقرّها الكونغرس، أي استخدام الفيتو الرئاسي. ولكي يتجاوز الكونغرس هذا الفيتو، يحتاج إلى موافقة ثلثَي الأعضاء المصوّتين في كلٍّ من المجلسين، مع توافر النصاب، وهو أمر ليس سهلاً في ظل الانقسامات الحزبية.

كما أن السيطرة الديمقراطية على المجلسين لن تعني بالضرورة القدرة على تمرير جميع القوانين التي يريدها الحزب، خصوصاً أن إنهاء النقاش والتغلّب على التعطيل الإجرائي في مجلس الشيوخ يتطلبان، بالنسبة إلى كثير من التشريعات، أغلبية ثلاثة أخماس الأعضاء، أي 60 صوتاً عند اكتمال عضوية المجلس. وهذا شرط إجرائي يختلف عن الأغلبية اللازمة لإقرار التشريع في التصويت النهائي.

ومن المقرر أن تبدأ ولاية الأعضاء المنتخبين الجدد في الثالث من كانون الثاني 2027، وعندها تبدأ عملياً مرحلة جديدة من المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس.

أما إقليمياً، فيمكن أن يؤدي هذا التحوّل إلى تضييق هامش المناورة أمام ترامب في إدارة الصراع مع إيران، بفعل تصاعد الضغوط الرقابية المتعلقة بكلفة الحرب وأهدافها، من دون أن يعني ذلك تغييراً فورياً في السياسة الأميركية. وقد تمتد تداعياته إلى أمن الخليج ومضيق هرمز وملفات لبنان وسوريا والعراق، لتجعل نتائج الانتخابات عاملاً مؤثراً في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستتجه نحو احتواء التصعيد أم مواصلة المواجهة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.