مرّة أخرى، تطرح الجريمة الإرهابية التي وقعت مؤخّراً في مدينة الكرك بالأردن إشكالية التعامل الشعبي والنخبوي في بلادنا مع مثل هذه الأعمال الإرهابية، التي تهدف إلى ضرب أسس وحدة المجتمع، الذي يمثّل ركيزة الدولة الحديثة وعلّة وجودها؛ إذ إن تنظيم شؤونه ورعايتها وحمايته، عبر القوانين والتشريعات، هو الهدف الرئيسي لقيام الدولة واستمراريتها.
ففي دول العالم المتحضّرة والطبيعية، تلك التي تقيم وزناً للإنسان بوصفه إنساناً ومواطناً فحسب، بغضّ النظر عن عرقه وجنسه أو معتقده السياسي أو الديني أو الاجتماعي، يكون أوّل ما تقوم به النخب السياسية والفكرية والإعلامية، حال وقوع أيّ عمل إرهابي، وبعد التنديد به طبعاً، والتضامن مع ضحاياه، والرفض المطلق لأيّ تبرير للإرهاب، هو محاولة فهم دوافع هذا العمل، كلٌّ في مجاله، من خلال دراسة الظروف المحيطة به وبمرتكبه، وكذلك دراسة الظروف الميدانية والمعطيات الأمنية التي سمحت بنجاحه، بهدف تحديد الثغرات. ويأتي ذلك في محاولة لمنع المزيد من تلك الأعمال من جهة، وللفهم تمهيداً لمعالجة ما يمكن معالجته سياسياً واجتماعياً، إن وُجد، من جهة أخرى. وذلك مع العلم والإقرار بأنه ليس هناك نجاح مطلق في أيّ من المجالات، لكن هذا لا يبرّر الإهمال والتقاعس اللذين يسودان عادةً في معظم بلدان العالم الثالث.
ومن بين دول العالم الثالث، تبرز دول منطقتنا المنكوبة، أكثر من غيرها، بالإرهاب بأنواعه كافّة؛ سواء أكان ما يُسمّى «إرهاب الدولة»، الذي يتجلّى في اتجاهين: الأوّل هو الإرهاب الذي تمارسه بعض الدول ضد مواطنيها، كما هو حاصل في غالبية دولنا العربية، والثاني هو الإرهاب الذي تمارسه دولة كإسرائيل ضد شعوب المنطقة، وخصوصاً الشعب الفلسطيني الذي احتلّت أرضه منذ ما يقارب الثمانين عاماً؛ أم كان ذلك الإرهاب الذي تتبنّاه وتمارسه بعض منظمات العنف السياسي الديني، المسمّى «جهادياً»، مثل الذي ضرب مؤخّراً مدينة الكرك.
ففي بلداننا، أو أغلبها منعاً للتعميم، حالما تقع الجريمة، تخرج الثعابين والأفاعي الطائفية من جحورها، مدعومة بجيش من وسائل الإعلام الفاسدة التي لا همّ لها إلا حصد القرّاء والمشاهدين، ومن خلالهم المال، ولو بالترويج للفتنة. فقسم إسلامي من هذه الجهات يؤيّد ما حصل باعتباره جهاداً إسلامياً ضد المسيحيين الذين يعدّهم كفّاراً، فيما يندّد قسم آخر، مسيحي، ويستنكر، لكنه يرى في الأمر فرصة للتجييش الطائفي واكتساب المزيد من المساحة السياسية عبر تعبئة الناس، باعتبار أن ما حصل موجّه إلى المسيحيين بوصفهم مسيحيين، وليس بوصفهم مواطنين في دولة واحدة وجزءاً من شعب واحد، قد يكون ما لحق بالمسلمين منه من ضرر جرّاء أعمال هذه المجموعات أكبر بكثير ممّا لحق بالمسيحيين. وهنا يلتقي الطرفان اللذان يبدوان على طرفَي نقيض، إلا أنهما، في الحقيقة، يحملان «الفيروس» الطائفي نفسه، ويعتاش كلٌّ منهما سياسياً على مبرّر وجود الآخر، وذلك عبر تمرير الكرة أحدهما إلى الآخر، في حين أن الوطن وناسه الأبرياء هم، في النهاية، من يدفعون الثمن.
هناك فئة أخرى أكثر إنسانية واعتدالاً ووطنية في خطابها. هذه الفئة ترفض هذه الأعمال وتندّد بها، وقد تتظاهر ضدّها، وهذا جيّد، لكن منطلقاتها أيضاً غير صحيحة، برأيي؛ فهي تنطلق من أن المسيحيين أقلية في البلاد العربية، وتتعامل معهم بوصفهم «أهل ذمّة»، على المسلمين حمايتهم وتأمين حياتهم ما داموا يخضعون للقوانين المرعية الإجراء. وهذه نظرة قاصرة تنطوي على الكثير من التمييز ضد أبناء الوطن الواحد، كما أنها قد تُستغلّ، فتمنح الإرهابيين، من حيث تدري هذه الفئة أو لا تدري، بعض التبرير لارتكاباتهم، بذريعة عدم فهمهم للفكر الديني. فيتحوّل الأمر من جريمة إرهابية ضد الوطن والمواطنين، يجب قطع دابرها، إلى مجرّد جريمة ناتجة عن سوء فهم فكري أو غيره، يجب تصحيحه أو مراجعته. وتكون النتيجة أن الهدف الذي توخّاه الإرهابيون من عملهم قد تحقّق، ولو جزئياً، بتقسيم المجتمع وفرزه دينياً لا وطنياً، بغضّ النظر عن آراء فئات هذا المجتمع ونيّات كلٍّ منها وأساليب عملها وتواصلها مع الآخر.
هنا يأتي دور الدولة أولاً، بمؤسساتها كافّة، سواء السياسية، التنفيذية منها والتشريعية، أم الاجتماعية والثقافية، وخصوصاً الإعلامية، ثم دور فئات المجتمع المدني، ولا سيما نخبه الفكرية والثقافية، للعمل على بثّ الوعي الوطني وتعزيز روح المواطنة الحقّة، البعيدة عن أيّ تمييز ديني أو عرقي أو حتى جندري، لدى فئات الشعب المختلفة، ليصبح الإنسان هو القيمة الأولى، إن لم تكن الوحيدة، في الوطن. ولن يتحقّق ذلك إلا باعتماد العلمانية بما تعنيه من فصل الدين عن الدولة، لا بمعنى الإلحاد واجتثاث الدين بالعنف، كما يراها بعض المتطرّفين الذين لا يقلّون خطراً عن نظرائهم الدينيين. فالمشكلة هنا تكمن في التطرّف بحدّ ذاته، لا في الفكرة أو التوجّه السياسي أو الاجتماعي، أيّاً يكن الخلاف حول هذه الفكرة أو هذا التوجّه.
قد يقول قائل إننا نعيش الوهم أو الطوباوية في تفكيرنا بشأن مجتمعات عاشت قروناً متمسّكة بطقوس وعادات وتقاليد تربّت عليها. وقد يبدو هذا صحيحاً في ظلّ ما تعيشه هذه المجتمعات حالياً من تحدّيات ومشكلات قد تهدّد وجودها نفسه. لكن هذه التحدّيات والمشكلات قد تكون ناجمة عن جمود فكري وعدم تكيّف مع المتغيّرات في العالم المعاصر، الذي بات يُنظر إليه بوصفه قرية واحدة في ظلّ التقدّم التكنولوجي الهائل. وهذه التحدّيات والمشكلات نفسها يجب أن تكون حافزاً لنا لإعادة التفكير والمراجعة، ومحاولة مواجهتها بروح العصر ولغته وآلياته؛ لأن البديل عن ذلك قد يكون الموت البطيء، الذي قد يصبح سريعاً مع تسارع التطورات والآليات.
لا أوهام لدينا، ولا ادّعاء بأن الطريق سهلة ومفروشة بالورود، ولا بأن الأمور قد تتمّ بكبسة زر؛ فالأمر لا يخلو من الصعوبات والعقبات والمعوّقات على الصعد كافّة، وهو أقرب إلى مغامرة غير مأمونة العواقب. لكن الأوطان القوية والمجتمعات السليمة لا تُبنى إلا بالعمل الشاق والتضحيات والتغيير، الذي قد يبدأ بفكرة تتحوّل إلى حلم، ثم يتحوّل الحلم إلى مغامرة عمادها العمل الشاق والمتابعة الصعبة. إلا أنها، بالتأكيد، مغامرة تستحقّ العناء.

ياسين شبلي
كاتب وصحافي لبناني. من أبرز مؤلفاته: «الشيعية السياسية: عقدة المظلومية وولاية الفقيه» و«السنية السياسية: عقدة الهوية بين الخلافة والقومية».
