عن الاغتيالات السياسية في لبنان… ومن «التحالف» ما قتل! (1/2)

كانت الاغتيالات السياسية من أبرز سمات الأزمة اللبنانية الممتدة منذ عام 1975؛ تلك الأزمة التي بدأت أصلاً باغتيال الزعيم الشعبي معروف سعد في صيدا، قبل حادثة عين الرمانة التي سُجِّلت بوصفها بداية الحرب الأهلية.

وقعت اغتيالات كثيرة إبان الحرب، طالت حزبيين ووزراء ونواباً وسفراء وإعلاميين ورجال دين وفكر، وكانت جزءاً من الصراع اليومي الدائر بين الأطراف المتخاصمة، سواء ارتبطت بصراعات داخلية أم نُفِّذت بأوامر خارجية ولدوافع تتصل بها. إلا أن أبرز تلك الاغتيالات كان ما طال بعض الزعماء الأساسيين الكبار في البلاد، وتوزّع، يا للمفارقة، على مختلف الطوائف اللبنانية، في لحظات مفصلية فارقة؛ فترك آثاره على تلك الطوائف، وأسهم في تغيير مسارات كثيرة من الأحداث، وربما أقدار كثيرين من الناس، ومصير البلاد بطبيعة الحال.

والمثير في الأمر أن تغييب تلك الزعامات اللبنانية، سواء بالاغتيال الجسدي المباشر أو بالخطف أو بـ«الاغتيال المعنوي»، جاء على أيدي أطراف خارجية يُفترض أنها حليفة لها، أو شريكة لها، على أقل تقدير. وقد سبقت هذا التغييب اجتماعات صعبة بين الجانبين، حملت، في معظمها، تقريعاً للزعماء اللبنانيين بطريقة مهينة لهم ولطوائفهم وللبلد الذي يمثّلونه.

وهو أمر يدعو إلى التمعّن واستخلاص العبر في تعاملاتنا اليوم، نحن اللبنانيين، سواء بعضنا مع بعض أم مع الخارج، كي لا نضيّع البوصلة مرة أخرى، ولكي ندرك أن «التفهّم والتفاهم» بيننا، رحم الله الرئيس صائب سلام، على صعوبتهما، يبقيان أهون وأقل ضرراً وكلفة على لبنان من الاستعانة بالخارج والاستجابة لطلباته.

فهذا العالم، كما أثبتت التجربة اللبنانية وتجارب كثيرة غيرها، ليس جمعية خيرية توزّع السلام وتهدي المنّ والسلوى إلى الآخرين من دون مقابل؛ مقابل قد يتجاوز أحياناً أقصى الحدود المعقولة والمقبولة وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً. وهذا ما يبدو أنه حصل مع هؤلاء الزعماء، فوقع المحظور، وسقط الزعيم ومعه طائفته والوطن، ضحايا للعبة الأمم.

كانت البداية في 16 آذار 1977، عندما اغتيل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الحركة الوطنية اللبنانية، الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، على يد المخابرات السورية في دير دوريت، بالقرب من مسقط رأسه، المختارة، على خلفية الخلاف حول الدور السوري في لبنان.

وقد تبلور هذا الخلاف وتعمّق إلى حدّ العداء خلال «اللقاء القاتل»، كما سُمّي لاحقاً، الذي عُقد في دمشق في 27 آذار 1976، واستمرّ ساعات عدة، بين جنبلاط والرئيس السوري حافظ الأسد، «البعثي القومي العربي»، الذي يُفترض أنه لم يكن بعيداً عن أهداف كمال جنبلاط، إن لم يكن حليفه في قضية فلسطين وتحريرها.

ومثّل هذا الاغتيال بداية النهاية للحركة الوطنية اللبنانية كما عرفها اللبنانيون إبان الحرب الأهلية. كما أسهم في انتقال الدروز من حقبة «الرومانسية الثورية» في أيام كمال جنبلاط إلى حقبة «الواقعية السياسية» مع وليد جنبلاط؛ وهي حقبة امتدت حتى اليوم، بما تخلّلها من صعود وهبوط، سواء على مستوى الطائفة أم على مستوى الوطن.

بعد ذلك، وفي 31 آب 1978، «اختفى» الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، ومؤسس «حركة المحرومين» وذراعها العسكرية، «أفواج المقاومة اللبنانية ـ أمل»، خلال زيارته ليبيا في عهد معمر القذافي، الزعيم «الثوري القومي العربي»، الذي كان صوته من أعلى الأصوات في الدفاع عن الأمة العربية ووحدتها وقضيتها الأولى آنذاك، فلسطين.

بمعنى أنه لم يكن، هو الآخر، بعيداً عن توجّهات موسى الصدر، على غرار حال الأسد مع جنبلاط، بصرف النظر عن الاختلاف في أساليب العمل والتحرّك.

كُتب الكثير ورُوي عن مجريات الزيارة وجريمة الاختفاء، ولا سيما عن المشادّة التي قيل إنها وقعت بين الرجلين، والتي اتفقت الروايات على حدوثها، وإن اختلفت في تحديد أسبابها. ففي إحدى الروايات، نشبت المشادّة بسبب خلاف سياسي حول الوضع في جنوب لبنان، وفي أخرى بسبب نقاش فكري حول «الكتاب الأخضر»، فيما عزتها رواية ثالثة إلى خلاف ديني مذهبي، إسلامي سنّي ـ شيعي.

والمهم، وفق هذه الروايات، أن المشادّة وقعت وأفضت إلى الجريمة التي تركت آثاراً خطيرة وبعيدة المدى على الوضع اللبناني عموماً، والشيعي خصوصاً، وما زالت تداعياتها قائمة حتى اليوم. فقد غابت شخصية لبنانية قيادية وفذّة، كانت تُعدّ آنذاك إحدى أهم الشخصيات الشيعية، إن لم تكن أهمّها على الإطلاق.

وأسهم هذا الغياب في انتقال الطائفة الشيعية في لبنان، على المستوى السياسي، من الفضاء اللبناني إلى الفضاء الإيراني، ولو على مراحل، بعدما كان موسى الصدر قد نجح نسبياً في نقلها من الفضاء العروبي واليساري إلى الفضاء اللبناني. وقد ساعدته على ذلك تداعيات الحرب الأهلية وممارسات المنظمات الفلسطينية في جنوب لبنان، وما ترتّب عليها من دمار واحتلال للجنوب اللبناني.

وفي 14 أيلول 1982، اغتيل الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميّل بحقيبة مفخخة وُضعت في شقة تعلو مركز حزب الكتائب في الأشرفية، معقل بشير، حيث كان يعقد اجتماعاً لأركان حزبه وفريق عمله الرئاسي.

وجاء هذا الاغتيال، الذي نفّذه حبيب الشرتوني، العضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي الموالي للنظام السوري، بعد لقاء عاصف، كما وُصف يومها، عُقد في نهاريا في الأول من أيلول 1982، بين بشير الجميّل ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن ووزير دفاعه آرييل شارون.

وطلب بيغن وشارون من بشير، خلال اللقاء، تنفيذ التزامه بإقامة السلام مع الدولة العبرية، بعدما أخرجت الأخيرة، عبر اجتياح لبنان، وبالتعاون مع الميليشيات التي كان يقودها بشير وتلك التي يقودها الرائد سعد حدّاد في الجنوب، قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت؛ وهي التي كانت تُعدّ آنذاك العدو اللدود لليمين المسيحي.

غير أن بشير طلب إرجاء الأمر بعض الوقت، إلى حين الاتفاق عليه مع المكوّن الإسلامي في لبنان، وهو ما عدّه بيغن محاولة للتنصّل من الالتزامات. وانتهى الاجتماع على خلاف ترك مرارة وشكوكاً بين الطرفين، أو «على زغل»، كما يُقال، ليُقتل بشير بعده بأيام.

وقد رأى بعضهم في اغتياله نتيجةً لتقاطع مصالح سوري ـ إسرائيلي على التخلّص منه، في ظلّ تغاضٍ إسرائيلي وصفوه بـ«قبّة باط»، وذلك بالتزامن مع بدء تقاربه مع المسلمين واتصالاته بالرئيس صائب سلام، بدعم من السعودية يومها.

ودخل المسيحيون بعد اغتياله في حالة من التشتّت والصراعات الداخلية. وعاد الصدام كذلك بين الحكم الجديد برئاسة أمين الجميّل والأطراف المسلمة في المنطقة الغربية من بيروت، المدعومة من النظام السوري.

وخلال نحو عشر سنوات، أدّت الحروب العبثية وتطوّراتها المأساوية إلى خروج ممثّلي المسيحيين من السلطة، بمن فيهم أولئك الذين وافقوا على اتفاق الطائف؛ فخرج بعضهم بالحرب، كميشال عون، وبعضهم بالنفي، كأمين الجميّل، وبعضهم بالسجن، كسمير جعجع، ليدخل لبنان بعدها حقبة الوصاية السورية برعاية عربية ودولية.

يتبع…

مقالات الكاتب

ياسين شبلي

كاتب وصحافي لبناني. من أبرز مؤلفاته: «الشيعية السياسية: عقدة المظلومية وولاية الفقيه» و«السنية السياسية: عقدة الهوية بين الخلافة والقومية».