استكمالاً للجزء الأول (https://beirut2030.me/?p=7607)، نتابع كيف تحوّلت تحالفات الخارج إلى محطات اغتيال وتغييب، أعادت رسم مصائر الزعامات والطوائف ولبنان نفسه.
مرحلة جديدة ـ قديمة، للأسف، بدأت في عام 1989، بعد اتفاق الطائف وانتخاب الرئيس رينيه معوّض، الذي رأى فيه اللبنانيون بداية حلّ لحربهم التي دامت خمسة عشر عاماً، على الرغم من رفض العماد ميشال عون، يومها، الاتفاق وتمرّده على سلطة الرئيس المنتخب. وقد رأى المتضرّرون من الاتفاق في ذلك ثغرة ينفذون منها لقلب الطاولة على لبنان واللبنانيين مجدداً.
في 22 تشرين الثاني، ذكرى الاستقلال، دوّى انفجار عنيف تبيّن أنه ناتج عن سيارة مفخخة وُضعت على الطريق الذي كان مقرراً أن يسلكه الرئيس، الذي كانت تحرّكاته تتمّ بتخطيط القوات السورية «الحليفة» وحمايتها. قُتل الرئيس، وسرت بعد ذلك أحاديث «غير رسمية» عن أن الاغتيال سبقه اجتماع صعب، أو غير مريح على الأقل، مع نائب الرئيس السوري آنذاك، عبد الحليم خدّام، شهد خلافاً حول تشكيلة حكومة العهد الأولى.
وهي معلومات لم يُتَح، بالطبع، التأكّد منها حينذاك. إلا أن الأكيد، وفق ما صرّح به النائب ميشال معوّض مراراً، أن ملف الاغتيال لا يتضمّن، حتى اليوم، ورقة واحدة تُظهر جدية في التعاطي مع حدث بخطورة اغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية. وهو اغتيال مثّل، في الحقيقة، اغتيالاً لاتفاق الطائف بالصورة التي جرى التوافق عليها برعاية عربية ودولية، ليدخل لبنان بعده حقبة الوصاية التي طبّقت الطائف على «الطريقة السورية».
وجاء ذلك بالتزامن مع أزمة الخليج الأولى، الناجمة عن غزو العراق للكويت، والتي أحسن النظام السوري استثمارها في لبنان؛ فأنهى تمرّد ميشال عون عسكرياً، وأدخل سمير جعجع إلى السجن.
بعد فترة «سماح» نعم بها لبنان طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي، جاء يوم 14 شباط 2005، حين اغتيل الرئيس رفيق الحريري في جريمة زعزعت أركان لبنان، وأعادته إلى مربّع الحروب وعدم الاستقرار، في ظلّ غليان في المنطقة ولبنان، ارتبط بأحداث الحادي عشر من أيلول 2001 في أميركا، وما تلاها من غزو واحتلال لكلٍّ من أفغانستان والعراق.
وقد سبق هذا الاغتيال أيضاً ذلك الاجتماع المقيت والغريب، بما تضمّنه من وقائع لا تليق باجتماع بين مسؤولين من بلدين عدوّين، فكيف ببلدين شقيقين؟ وقد عُقد الاجتماع بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس رفيق الحريري في تموز 2004، بحضور ضباط سوريين، وتعرّض فيه الأخير للإهانة والتحقير من هؤلاء الضباط ورئيسهم، وفق الروايات المتعددة عن اللقاء.
وجرى ذلك على خلفية رفضه التمديد لإميل لحود في رئاسة الجمهورية، وهو التمديد الذي أراده النظام السوري في سياق مواجهته التطورات الخطيرة التي عصفت بلبنان، وما ارتبط بها من اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار 1559، الداعي إلى تطبيق اتفاق الطائف بالكامل، من حيث مغادرة القوات الأجنبية، أي السورية، لبنان، وتسليم السلاح غير الشرعي إلى السلطة اللبنانية، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية من دون تدخل خارجي.
كان الاغتيال بداية مرحلة جديدة في لبنان. فعلى الرغم من «ثورة الأرز»، التي قامت ردّاً عليه ونجحت، بوحدة اللبنانيين ودعم دول العالم لهم، في إخراج قوات النظام السوري من لبنان، فإن التطورات اللاحقة، الإقليمية والداخلية، أدخلته حقبة «الوصاية الإيرانية» عبر سلاح حزب الله، الذي استُخدم في بيروت وأحدث شرخاً سنّياً ـ شيعياً، ليدخل السنّة معه مرحلة من الإحباط السياسي والتراجع، خصوصاً بعد اتفاق الدوحة.
وتكرّرت أزمة رفيق الحريري مع سوريا، للأسف، وإن بطريقة أخرى، مع ابنه ووريثه السياسي، الرئيس سعد الحريري، لكن هذه المرّة مع المملكة العربية السعودية، الراعي الإقليمي لما يُسمّى «الحريرية السياسية» منذ انطلاقتها.
كانت أزمة كبيرة وخطيرة ومؤسفة، لم يكن متوقعاً أن تأتي من دولة مثل المملكة العربية السعودية. بدأت في 4 تشرين الثاني 2017، عندما استُدعي الحريري إلى السعودية للتباحث، فأعلن استقالته بصورة مفاجئة من الرياض، اعتراضاً على ما وُصف يومها بالتدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، وعلى خلفية الحديث عن اكتشاف محاولة لاغتياله.
ومع مرور الوقت وتوالي التداعيات، بدا واضحاً أن وراء الاستقالة ما وراءها، وأن ما جرى كان عملية احتجاز قاسية ومهينة للبنان ودولته وشعبه. فقد تحدّثت تقارير دولية رسمية عن «كواليس قاسية واجهها الحريري أثناء احتجازه، تخلّلتها ضغوط نفسية كبيرة تعرّض لها»، قبل أن يتدخل الرئيس الفرنسي وبعض الدول الأخرى للإفراج عنه وعودته إلى بيروت، حيث استأنف نشاطه وسحب استقالته التي كان الرئيس اللبناني آنذاك، ميشال عون، قد رفض قبولها، مشترطاً تقديمها من بيروت.
وزادت هذه الأزمة من حدّة الإحباط السنّي، وعزّزت السيطرة الإيرانية على لبنان، وصولاً إلى تعليق الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل العمل السياسي.
وهكذا، يتبيّن لنا، من مراجعة وقائع هذه الاغتيالات وما تسرّب عن مسبّباتها، أن اللعب مع الكبار، أو ما يُسمّى في السياسة «لعبة الأمم»، ليس بالنسبة إلى بلد صغير كلبنان سوى نوع من الانتحار.
والمثير في الأمر أن ثمة، اليوم، من لا يزال يمارس هذه اللعبة، الأشبه بـ«الروليت الروسية»، بدماء اللبنانيين ومستقبلهم؛ إذ تدور دائرتها على الطوائف وزعمائها، وكأن لبنان كُتب عليه أن يبقى مصلوباً عليها، في غياب أي حسّ نقدي لبناني، ولو بدأ كل طرف من داخل طائفته، لاستخلاص العبر ومراجعة حسابات الربح والخسارة لدى كل طائفة، كما لدى لبنان، الوطن والدولة.
ولنعد بعدها إلى سؤال أنفسنا عمّا جناه لبنان من الحروب المتعاقبة التي خاضها أبناؤه ضمن محاور إقليمية ودولية متقابلة ومتقاتلة، وتحت شعارات يندرج معظمها في باب «كلام حق يُراد به باطل»، إن لم يكن زائفاً أصلاً. وهي شعارات رفعها أطراف الصراع عن الحرية والعدالة والمساواة، لينتهي بنا الأمر، بعد أكثر من نصف قرن على بدء الحرب الأهلية المستمرة بوجوه ووقائع جديدة، إلى مجتمع بلا حرية ولا عدالة ولا مساواة، ومن دون وطن طبيعي نعيش فيه كما تعيش سائر الشعوب في أوطانها.

ياسين شبلي
كاتب وصحافي لبناني. من أبرز مؤلفاته: «الشيعية السياسية: عقدة المظلومية وولاية الفقيه» و«السنية السياسية: عقدة الهوية بين الخلافة والقومية».
