تواجه الولايات المتحدة، خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ثلاث أزمات محتملة، يمكن لأيٍّ منها أن تترتب عليها عواقب وخيمة. وإذا وقعت اثنتان منها أو الأزمات الثلاث بالتزامن، فستصبح الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها.
قد تقع الأزمة الأولى في أيّ وقت، ومن شبه المؤكد أنها ستقع في مرحلة ما. وأعني بذلك اضطرابًا واسع النطاق يتسبّب فيه الذكاء الاصطناعي، حين يفلت وكلاء يعملون بصورة ذاتية من بيئات الاختبار المعزولة، أو ما يُسمّى «صناديق الرمل»، ويشرعون في أنشطة ضارة. وقد يعني ذلك شنّ هجمات تستهدف أيّ شيء، من النظام المصرفي إلى محطات معالجة المياه وشبكة الكهرباء. فكل ما هو متصل بالإنترنت معرّض للخطر، وهو ما يشمل، في أيامنا هذه، كل شيء تقريبًا.
وفي نهاية المطاف، ستكون الوسيلة الوحيدة لاحتواء أسوأ مخاطر الذكاء الاصطناعي هي توظيفه دفاعيًا؛ إذ لن تتمكن التصحيحات الأمنية التي يطوّرها البشر من مجاراة وتيرة التهديدات. وعاجلًا لا آجلًا، سنجد أنفسنا متفرجين فيما يهاجم وكلاء ذكاء اصطناعي يتصرفون باستقلالية بنى تحتية حيوية ومعقدة، ليواجههم وكلاء آخرون يتمتعون بالاستقلالية نفسها، لكنهم موجّهون للتصدّي لهم.
أما الأزمة الثانية التي تلوح في الأفق، فهي انتخابات التجديد النصفي، أو، على نحو أدق، ما سيعقبها. فالتقديرات السائدة تشير إلى أن الديمقراطيين سيفوزون بأغلبية مجلس النواب بسهولة، فيما تظلّ السيطرة على مجلس الشيوخ متكافئة الاحتمالات بين الحزبين. ويكمن الخطر في أن تدفع خسارة كبيرة للجمهوريين الرئيس ترامب وآخرين إلى التشكيك في شرعية النتائج ورفض قبولها.
وينبغي توقّع سماع مزاعم غير مسندة بأدلة عن تزوير الانتخابات، والتدخل الأجنبي، وتصويت أشخاص لا يحملون الجنسية الأميركية. وقد تجري أيضًا محاولات لاستبعاد بطاقات الاقتراع البريدي أو الاستيلاء على آلات التصويت. وربما ترفض بعض الولايات التصديق على النتائج. ويتعيّن على الكونغرس، بعد ذلك، إقرار عضوية من صدّقت الولايات على فوزهم.
ثمة أمور كثيرة قد تسير على نحو خاطئ. وإذا حدث ذلك، فلن يكون من الصعب تصوّر شلل سياسي، أو حتى اندلاع أعمال عنف. ومن شأن هذا أن يقوّض الديمقراطية الأميركية بشدة. لكن التداعيات لن تتوقف عند هذا الحد؛ فمن الممكن تصوّر أن تؤدي الاضطرابات السياسية في الولايات المتحدة إلى موجة بيع في سوق الأسهم، وأن تزيد صعوبة تمويل البلاد لدَينها الهائل.
أما المصدر الثالث المحتمل للفوضى، فهو مألوف أكثر مما ينبغي: الشرق الأوسط. فقد أثار الرئيس ترامب مرارًا احتمال استئناف الهجمات الأميركية على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي. وكما هي الحال دائمًا مع ترامب، يستحيل معرفة أين ينتهي التهويل وأين تبدأ الجدية. لكن من الوارد تمامًا أن يرغب في توجيه ضربة، إما لتعزيز موقفه قبيل الدخول في مفاوضات، أو ليتمكن من إعلان «إنجاز المهمة» ثم الانسحاب.
وفي الأثناء، لا يتمنّى رئيس الوزراء الإسرائيلي في حكومة تصريف الأعمال، بيبي نتنياهو، شيئًا أكثر من فرصة للتحرك عسكريًا ضد إيران؛ إذ من المرجّح أن يرى في «مفاجأة نوفمبر» ما يعزّز فرصه في تجميع ائتلاف حاكم جديد، أو في تحقيق نتيجة أقوى في انتخابات جديدة، إذا اقتضى الأمر إجراءها.
وتكمن المشكلة في كل ذلك، بطبيعة الحال، في أن لإيران أيضًا كلمتها. فمن غير الواضح أصلًا ما الذي يمكن أن يحققه أيّ استخدام أميركي جديد للقوة ضدها. فلا تغيير النظام ولا استسلامه يبدوان من الاحتمالات المطروحة. ويُضاف إلى ذلك شبه اليقين بأن إيران ستردّ باستهداف البنية التحتية للطاقة، أو المطارات، أو عواصم الدول المجاورة.
أما ما لن نحصل عليه، فهو انسياب إمدادات الطاقة من دون عوائق، أو قيود قابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني. وباختصار، سنعود إلى الوضع الذي نحن فيه الآن، والذي بقينا فيه طوال ثمانية أشهر. والشخص الوحيد في إدارة ترامب الذي يبدو أنه يدرك ذلك ليس سوى نائب الرئيس، جيه دي فانس، الذي سعى إلى الانخراط في محادثات مباشرة مع إيران.
وما دمت أتحدث عن الشرق الأوسط، فاسمحوا لي بإضافة نقطتين أخريين. أولًا، سبق أن ذكرت أن نتنياهو سيبقى رئيسًا للوزراء في المستقبل المنظور. فانتخابات (الأسبوع الماضي) لم تحسم شيئًا. لقد تقلّصت كتلة نتنياهو اليمينية ذات التوجّه القومي الديني، ولم تعد تشكّل أغلبية محتملة في برلمان جديد، لكنها لا تزال الكتلة الأكبر.
ويمكن للمعارضة الأكثر وسطية وعلمانية أن تشكّل، من حيث المبدأ، كتلة أكبر، لكن ذلك لن يكون ممكنًا إلا بمشاركة فاعلة من الأحزاب العربية، التي حققت نتائج جيدة وحصدت عددًا قياسيًا بلغ 19 مقعدًا. غير أن بعض أعضاء الكتلة الوسطية وكثيرًا من الإسرائيليين لن يقبلوا بهذه الأحزاب شركاء في الائتلاف.
وكان الأجدى بكثير، من وجهة نظري، أن يصوّت العرب الإسرائيليون للمعارضة، بما كان يمكن أن يمنحها الأغلبية اللازمة، بدلًا من التصويت لأحد الأحزاب العربية التي لا تؤدي، في أفضل الأحوال، سوى دور محدود في السياسة الإسرائيلية.
وقد نشهد محاولة من نتنياهو لاستقطاب بضعة مقاعد إضافية وتشكيل أغلبية، من خلال عرض حقائب وزارية أو تقديم تنازلات في السياسات، بل قد نشهد حكومة وحدة وطنية برئاسته. أو قد نشهد انتخابات جديدة في مطلع عام 2027. وكلما تغيّرت الأمور، إنما بقيت على حالها.
ثانيًا، التقى مسؤولون كبار من الدول المنضوية في ما يُسمّى «تحالف مكة»، أي السعودية وتركيا وباكستان، نظراءهم الإيرانيين في طهران لمناقشة خفض التصعيد. والرسالة التي استخلصتها هي أن الدول الثلاث تتقبّل أن الحكومة الإيرانية الحالية باقية، وأنها ستؤدي دورًا كبيرًا في مستقبل المنطقة، وأن عليها، بصورة متزايدة، أن تتولى رعاية مصالحها الإقليمية بنفسها، بدلًا من توقّع أن تتكفّل واشنطن بها.
والواقع أن الدول الثلاث ستدعو ترامب، على الأرجح، إلى ضبط النفس بعد انتخابات التجديد النصفي؛ فآخر ما ترغب في رؤيته هو تجدّد القتال، بما قد يُلحق بالمنطقة مزيدًا من الدمار، وبتجارة الطاقة مزيدًا من الاضطراب.
ترجمة بتصرّف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية
ملاحظة: تمّ نشر المقال قبل أيام من إجراء الانتخابات النصفية الأميركية.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
