حين تُطالَب المؤسسة العسكرية بصناعة الدولة

في الخامس من آب 2025، خرج مجلس الوزراء اللبناني بقرار بدا تأسيسياً في ظاهره؛ إذ كلّف الجيش إعداد خطة تضمن حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية ذلك العام، وسط انسحاب وزراء يمثّلون حزب الله وحركة أمل رفضاً للقرار. وبعد أسابيع قليلة، عاد قائد الجيش إلى المجلس حاملاً خطته، فاستُقبلت بالترحيب، وتقرّر إبقاء مضمونها والمداولات بشأنها طيّ الكتمان. («الحكومة اللبنانية تفوّض الجيش لإعداد خطة لضمان حصر السلاح بيده قبل نهاية العام»).

في تلك الجلسة، قال وزير الإعلام جملة تختصر المسألة كلّها: القرار السياسي صادر عن الحكومة، والخطة هي خطة الجيش العسكرية. ثم أضاف ما هو أخطر دلالة، وهو أن التنفيذ سيجري وفق ما يتاح للجيش من إمكانات لوجستية ومادية وبشرية، وأن الحكومة تلتزم بإعداد استراتيجية للأمن الوطني.

هنا يتبدّى ترتيب مقلوب؛ فالاستراتيجية التي يُفترض أن تسبق الخطة وتؤطّرها جاءت وعداً لاحقاً، والإمكانات التي يُفترض أن توفّرها السلطة صارت شرطاً يُعلَّق عليه التنفيذ. ومن هذا الانقلاب في الترتيب ينبثق السؤال الذي ينبغي طرحه: هل المشكلة في الجيش، أم أن السلطة نفسها لم تتحوّل إلى دولة قادرة على تحديد وظيفة جيشها وحماية سيادتها؟

مضى الجيش في تنفيذ المرحلة الأولى جنوب الليطاني، ثم منحته الحكومة مهلة أربعة أشهر على الأقل للتقدّم في المرحلة الثانية، فأعلن حزب الله رفضه لها. وفي الأثناء، ظلّت الغارات الإسرائيلية تضرب الضاحية والجنوب والبقاع، فيما تتنازع العواصم تقييم ما أُنجز. أي إن المؤسسة العسكرية وُضعت في قلب معادلة ثلاثية: سلطة تُصدر القرار ولا تحسم شروطه، وحزب الله يرفضه، وإسرائيل تواصل الضرب وتشكّك في كل النتائج.

وتكشف المقارنة بتجارب أخرى أن هذا المأزق ليس قدراً لبنانياً. ففي إيرلندا، كان القرار السياسي هو الذي صنع السيادة، وكان الجهاز التنفيذي يتسلّم ثمرته.

وفي العراق، تقدّم تجربة الموصل عام 2014 الدرس المعاكس: جيش أُنفقت على تسليحه وتدريبه عشرات المليارات انهار أمام بضعة آلاف من المسلّحين؛ لأن السلطة التي يتبعها كانت قد حوّلته إلى ساحة للمحاصصة والولاءات، ولم تمنحه عقيدة جامعة ولا شرعية سياسية في المناطق التي يُفترض أن يحميها. لم يسقط الجيش لنقص في العتاد، ولا لسوء في نوعية الرجال، بل لغياب دولة تعرف ما المطلوب من الجيش في تلك اللحظة الحرجة، وكيف تُبنى المؤسسة وفقاً لذلك.

وفي ألمانيا الخارجة من الحرب العالمية الثانية، سبق الدستورُ الجيشَ. فقد حُدّدت وظيفته وحدود استخدامه وخضوعه للبرلمان قبل أن يُعاد تأسيسه، فنشأ جيش يعرف ما يُطلب منه؛ لأن الدولة عرفت أولاً ما تريده منه.

القاعدة التي تجمع هذه التجارب هي أن الجيوش أدوات تنفيذ لقرار سيادي، ولا تملك أن تكون مصدره. وحين تُطالَب المؤسسة العسكرية بأن تصنع ما عجزت عنه السلطة، فإنها تُحمَّل وظيفة الدولة من دون أدوات الدولة.

وفي الحالة اللبنانية، لا يحتاج هذا التحميل إلى كثير من البراهين. فالجيش الذي يُطلب منه بسط السيادة على كامل الأرض فقدت رواتبُ أفراده معظم قيمتها حين انتقل سعر الصرف من ألف وخمسمئة ليرة للدولار إلى ما يقارب تسعين ألفاً. وصار جزء من صموده المعيشي معلّقاً على هبات خارجية ومؤتمرات دعم، بحيث بات التمويل نفسه مشروطاً بمواقف عواصم لكلٍّ منها رؤيتها لوظيفته.

ويُضاف إلى ذلك أن الجيش يتحرّك داخل توازنات طائفية تحكم تعيين قياداته وتوزيع ألويته. فالمؤسسة التي يُراد منها أن تحسم مسألة السلاح هي نفسها مرآة للتوازن الذي أنتج هذا السلاح وحماه طوال عقود.

لذلك، ظهرت قراءات سياسية راهنت على أن الخطة ستنصرف إلى السلاح العشوائي والعشائري، بما يحفظ التوازنات القائمة ويجنّب المؤسسة الصدام. وحين نسبت صحيفة مقرّبة من حزب الله إلى قائد الجيش أنه يفضّل الاستقالة على أن يُستخدم الجيش في سفك دماء اللبنانيين، كانت تستثمر في الهوّة ذاتها بين قرار سياسي معلن وغطاء سياسي غائب.

هنا تعمل الآلية التي تحكم سلوك النظام اللبناني في ملفاته الكبرى كلّها، أي تصدير الثمن. فكما صُدّرت خسائر الانهيار المالي إلى المودعين، تُصدَّر كلفة غياب القرار السيادي إلى المؤسسة العسكرية. فالسلطة تعلن حصرية السلاح أمام الخارج، وتترك للجيش أن يدفع ثمن التنفيذ في الداخل؛ فإن نجح، نُسب النجاح إلى القرار، وإن تعثّر، نُسب التعثّر إلى المؤسسة.

ولا يستقيم الحديث عن عجز الجيش ما دامت السلطة لم تُنجز ما يسبق دوره منطقياً. فلم تُقرّ حتى الآن عقيدة دفاعية معلنة تحدّد المخاطر الكبرى ووسائل مواجهتها، ولم يُبنَ تمويل وطني مستقر يحرّر المؤسسة من شروط المانحين. وهذه كلّها وظائف دولة، لا وظائف قيادة عسكرية.

فالجيش الذي أنجز المرحلة الأولى جنوب الليطاني، بشهادة حكومته، أثبت أنه قادر على التنفيذ حين يُعطى قراراً واضحاً ومنطقة محدّدة. وما يتعثّر بعد ذلك يتعثّر عند الحدّ الذي يتوقّف عنده القرار السياسي، لا عند الحدّ الذي تنتهي فيه قدرة المؤسسة.

وعليه، يعود السؤال إلى صيغته الأولى: ليست المشكلة في جيش يُطالَب بما لا يُطالَب به جيش في العالم، بل في سلطة لم تتحوّل بعد إلى دولة تعرف ما تريده من جيشها، وتملك الإرادة لتحمّل كلفة ما تريده.

مقالات الكاتب
د. بيار الخوري
كاتب في الاقتصاد السياسي.