كشفت الأزمات المتلاحقة والتطورات الحادة في «مضيق هرمز» عن حقيقة استراتيجية تتجاوز حدود الممر البحري نفسه، وتعيد تشكيل مفهوم الأمن الخليجي برمّته. فالمعضلة لم تعد تكمن في أهمية المضيق، التي ستبقى أساسية لعقود، بل في أن اعتماد الاقتصادات الخليجية عليه، بوصفه ممراً شبه وحيد للصادرات والواردات، يمنح أي خصم يمتلك القدرة على تهديده ورقة ضغط استراتيجية تفوق، أحياناً، حجم قوته العسكرية الفعلية.
لقد بُنيت الهندسة الأمنية للخليج، طوال عقود، على افتراضين أساسيين:
- حرية الملاحة في مضيق هرمز شرط لاستقرار الاقتصاد العالمي.
- الوجود العسكري الأميركي هو الضامن الرئيس لحماية هذا الممر وردع أي محاولة لإغلاقه أو تعطيله.
غير أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة أظهرت حدود هذه المعادلة؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، تستطيع حماية الممر، لكنها لا تستطيع، وحدها، إزالة هشاشة الاعتماد عليه.
وهنا تكمن المسألة الأكثر عمقاً، وهي أن الأمن لا يتحقق فقط بحماية شريان الحياة، بل أيضاً بامتلاك شرايين بديلة تمنع تحويله إلى نقطة اختناق استراتيجية.
وقد أدركت إيران هذه الحقيقة مبكراً، وطوّرت نمطاً من الحرب غير المتكافئة لا يقوم على امتلاك قوة بحرية تقليدية تضاهي القوى الكبرى، بل على القدرة على تهديد البيئة البحرية، ورفع كلفة الملاحة، والتأثير في حسابات الخصوم. ومن خلال استراتيجية حافة الهاوية، تستطيع طهران استخدام الجغرافيا نفسها أداةً للضغط، بحيث لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً كي تحقق أهدافاً سياسية، بل يكفي أن تجعل احتمال تعطيله قائماً.
ومن هنا، فإن الرد الخليجي الأكثر نضجاً لا ينبغي أن يكون مجرّد سباق تسلّح أو زيادة في عسكرة المضيق، بل إعادة هندسة مصادر القوة والضعف. فكلما تعدّدت طرق تصدير الطاقة، وتوسعت شبكة الموانئ، وتنوعت خطوط الأنابيب، وامتدت الاستثمارات نحو مرافئ وممرات بحرية خارج نطاق الاختناق الجغرافي، تراجعت قدرة الخصوم على ممارسة الابتزاز الاستراتيجي.
ويمكن تسمية هذا التحول بـ«الردع عبر الهندسة الجغرافية»، أي استخدام البنية التحتية والاقتصاد والجغرافيا أدواتٍ للردع لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. فالأنبوب الذي ينقل النفط بعيداً عن «مضيق هرمز»، والميناء الذي يفتح منفذاً على بحر العرب أو البحر الأحمر، وشبكة النقل التي تربط الخليج بالمحيط الهندي، تتحول جميعها من مشاريع اقتصادية إلى مكوّنات في منظومة الأمن القومي.
وفي هذا السياق، تكتسب سلطنة عُمان أهمية تتجاوز موقعها الجغرافي التقليدي؛ فإطلالتها المباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي تمنحها موقعاً يمكن أن يشكّل عمقاً استراتيجياً للمنظومة الخليجية، فيما تتيح الموانئ والممرات الممتدة خارج «مضيق هرمز» توسيع المجال الحيوي للحركة التجارية ولتدفقات الطاقة.
لكن إعادة رسم الخريطة الأمنية لا تكتمل بالبعد الجغرافي وحده؛ فالمعادلة الجديدة تتطلب أيضاً تنويعاً في التحالفات، بما يمنع الارتهان لقوة واحدة، بالإضافة إلى تعميق العلاقات مع القوى البحرية والاقتصادية الصاعدة، من دون أن يعني ذلك القطيعة مع الولايات المتحدة أو التخلي عن التحالفات التقليدية. فالهدف ليس استبدال مظلة بأخرى، وإنما الانتقال من الاعتماد الأحادي إلى شبكة متعددة المستويات من الشراكات والمصالح.
وهكذا، فإن الاستقلال الاستراتيجي الخليجي لا يعني الانفصال عن القوى الكبرى، بل امتلاك القدرة على اختيار الشريك والمسار والأداة، من دون أن يصبح أيٌّ منها شرطاً وحيداً لاستمرار تجارة دول الخليج واقتصاداتها. وهذا هو جوهر مفهوم البديل الاستراتيجي: تنويع الخيارات بحيث لا يستطيع أي طرف، منفرداً، التحكم في القرار الخليجي.
لذلك، فإن المستقبل لا يتجه بالضرورة إلى إلغاء الدور التاريخي لـ«مضيق هرمز»، ولا إلى الاستغناء عن الحليف الأميركي، بل إلى بناء هيكلية أمنية متعددة المسارات والطبقات، تجعل تعطيل مسار واحد غير قادر على شلّ المنظومة بأكملها.
لقد فرضت الجغرافيا على الخليج «مضيق هرمز» بوصفه نقطة اختناق. أما التحدي الاستراتيجي اليوم، فهو أن يعيد الخليج توظيف جغرافيته بحيث لا تبقى هذه النقطة مصدر هشاشته. وعندها، تنتقل المنطقة من عقيدة حماية الممر إلى عقيدة أكثر شمولاً، تقوم على تعدّد الممرات، وتنوع الشراكات، وتوزيع مصادر القوة.
وعليه، فإن القوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك القدرة على الدفاع عن طريق واحد، بل في جعل تعطيل هذا الطريق عاجزاً عن تعطيلك.

وزير سابق
