فتح وزير الطاقة والمياه دفاتر مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان على إدارات الدولة ومؤسساتها وبلدياتها، وظهرت أرقام تتحدّث عن مئات ملايين الدولارات من المتأخرات المتراكمة لمصلحة المؤسسة. وهي أموال عامة ينبغي تحصيلها، كما ينبغي للرأي العام أن يعرف الجهات المتخلّفة عن تسديدها، وأسباب تراكمها، والمسؤوليات المترتّبة على ذلك.
لكن الشفافية لا تكتمل بكشف الديون المستحقّة للمؤسسة وحدها، بل تستوجب أيضاً فتح دفاتر المؤسسة نفسها، والتدقيق في كيفية إدارة أموالها، وأوجه إنفاقها، ونتائج الرقابة على أعمالها.
فإذا كان من حق المواطن أن يعرف من يدين لمؤسسة كهرباء لبنان، فمن حقه أيضاً أن يعرف كيف أُديرت أموالها، وأين صُرفت، ومن يتحمّل مسؤولية أيّ هدر أو مخالفة تثبتهما التحقيقات.
سؤال إلى وزير الطاقة: أين أصبح طلب الإذن بالملاحقة؟
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مباشر إلى وزير الطاقة بشأن ما أُثير إعلامياً عن طلب الإذن بملاحقة كمال حايك، الذي تولّى إدارة مؤسسة كهرباء لبنان: هل ورد هذا الطلب رسمياً إلى الوزارة؟ وما موضوعه والجهة القضائية التي تقدّمت به؟ وهل اتُّخذ قرار بالموافقة عليه أو رفضه، أم لا يزال قيد الدرس؟
وإذا صحّ ما يُتداول عن توجّه إلى عدم منح الإذن، فما الأسباب القانونية التي يستند إليها هذا الموقف؟ المطلوب نشر توضيح رسمي يبيّن حقيقة الطلب ومآله، ويضع حدّاً للتكهنات بشأن موقف الوزير منه.
فالمطالبة بتحصيل مستحقات المؤسسة ينبغي أن تترافق مع إتاحة المساءلة عن إدارتها وأموالها، ومع تمكين القضاء من أداء دوره وفق الأصول. والإذن بالملاحقة، حيث يكون مطلوباً قانوناً، لا يشكّل بحدّ ذاته إدانة، كما أن حماية حقوق المعنيين وقرينة البراءة لا تبرّر حجب المعلومات عن مسار طلب يتصل بالمال العام.
ومن دفاتر الكهرباء إلى دفاتر الخزينة
إذا كان وزير الطاقة قد فتح دفاتر الديون المستحقّة لمؤسسة كهرباء لبنان، فهل يفتح وزير المالية دفاتر سلفات الخزينة، ويكشف مصير الأموال العامة التي صُرفت تحت هذا العنوان للإدارات والمؤسسات والمستشفيات والهيئات والصناديق والبلديات؟
فسلفات الخزينة ليست أموالاً تُمنح بلا ضوابط، ولا يجوز أن تتحوّل إلى باب دائم للتمويل من دون متابعة الحسابات، وتسديد المستحقات أو تسويتها وفق الأصول، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت المخالفات.
وقد نظّم قانون المحاسبة العمومية، المنفّذ بالمرسوم رقم 14969 تاريخ 30 كانون الأول 1963 وتعديلاته، أحكام سلفات الخزينة في المواد 203 إلى 213، محدّداً غاياتها وأصول منحها وشروط استعمالها وتسديدها ومتابعتها. وبالتالي، لا يقتصر السؤال على حجم هذه السلفات، بل يشمل الجهات التي حصلت عليها، والغاية من منحها، ومدى الالتزام بشروطها، والرقابة التي مورست عليها.
أرصدة متراكمة تستوجب كشفاً محدّثاً
في هذا الإطار، سجّل تقرير ديوان المحاسبة رقم 6/2021، الصادر في 2 شباط 2021 والمتعلّق بسلفات الخزينة المعطاة خلال الأعوام 1995 إلى 2018، رصيداً غير مسدّد في نهاية عام 2018 بلغ 7,991,092,786,458 ليرة لبنانية، أي نحو 7.99 تريليون ليرة.
وهذا رصيد يعود إلى نهاية عام 2018. أمّا تحديد الوضع الراهن، فيقتضي بياناً يوضح ما أُضيف بعد ذلك، وما سُدّد أو سُوّي فعلياً، وما بقي عالقاً، مع المستندات المؤيّدة لكل عملية.
وفي تحقيق نشره موقع «صفر» بتاريخ 22 كانون الثاني 2024، استناداً إلى بيانات وزارة المالية، بلغت السلفات المنفّذة خلال الأعوام 2020 و2021 و2022 و2023 نحو 41.532 تريليون ليرة، مقابل تسديدات بنحو 487 مليار ليرة، وفق البيانات المنشورة آنذاك. وبلغت السلفات المنفّذة في عام 2023 وحده نحو 31.892 تريليون ليرة.
وتستوجب هذه الأرقام تتبّع حركة الأموال والتمييز بين منح السلفة وتنفيذها وتسديدها وتسوية حسابها. كما أن رصد اعتماد لتسوية سلفة لا يكفي وحده لإثبات إنجاز التسوية أو حصول إعادة نقدية إلى الخزينة؛ فلكل عملية مستنداتها وقيودها وأثرها المالي.
المطلوب كشف الحساب والمسؤوليات
من هنا، نطالب وزارة المالية بنشر كشف تفصيلي ومحدّث بسلفات الخزينة، يتضمّن أسماء الجهات المستفيدة، وقيمة كل سلفة وتاريخ منحها وسندها القانوني والغاية منها، والمهل المحدّدة لتسديدها، والمبالغ المسدّدة، والتسويات المنجزة وأسسها، والأرصدة المتبقية، والإجراءات المتّخذة حيال الجهات غير الملتزمة.
كما نطالب ديوان المحاسبة والأجهزة الرقابية بإطلاع الرأي العام، ضمن حدود صلاحياتها والأصول المرعية، على نتائج التدقيق والإجراءات والملاحقات المرتبطة بهذا الملف، وما نُفّذ من التوصيات وما بقي من دون معالجة.
فلا يكفي تسجيل الملاحظات والأرقام في التقارير إذا لم تتبعها إجراءات تصحّح الخلل وتحدّد المسؤوليات. والمساءلة تقتضي أن يعرف المواطن ما الذي جرى بعد اكتشاف المخالفة، ومن عالجها، وما الأموال التي استُردّت أو سُوّيت حساباتها، وما الأسباب التي حالت دون استكمال المعالجة.
وكما يحقّ للناس معرفة من يدين لمؤسسة كهرباء لبنان، يحقّ لهم معرفة الأرصدة المستحقّة للخزينة، وأوجه استعمال السلفات، وأسباب عدم تسديدها أو تسويتها، والمسؤولين عن أيّ مخالفة يثبتها التدقيق والقضاء.
وزير الطاقة فتح دفاتر مستحقات الكهرباء… فهل تكتمل الخطوة بفتح دفاتر المؤسسة ومسار المساءلة داخلها؟ وهل يفتح وزير المالية، بالتوازي، دفاتر سلفات الخزينة؟ أم أن بعض الدفاتر لا تُفتح إلا عندما تكون المحاسبة في اتجاه واحد؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
