تحصيناً للنصر: برّي… ابن اللبون… والفتنة

النصرُ لحظةُ انكشاف. لا انكشافَ العدوِّ المأزومِ المهزومِ فحسب، بل انكشافُ النفسِ المستبصرةِ المنتصرة.

هناك، في تلك اللحظة الحرجة، يُختبر جوهرُ الرجال. لا في الحرب، بل بعدها. لا في البأس، بل في الحكمة.

وهنا يتجلّى المنهجُ القرآنيُّ في فهم النصر: النصرُ فتحٌ من الله، يُمنح ليُبتلى الشاكرُ والكافر، لا ليُتوَّج البطل.

غير أن للنفس المنتصرة غوايتَها: أن تنتقم. أن تُذيق الخصمَ مرارةَ ما أذاقها. أن تُسكِت الأصواتَ التي راهنت على هزيمتها.

وهذا غضبٌ مشروعٌ في منبعه، مفهومٌ في سياقه، لكنه فخٌّ في مآله.

فالعدوُّ الصهيوني الذي خسر الحرب لم يحلم في واشنطن إلا بشيءٍ واحد: أن ننقضَّ على بعضنا البعض؛ أن تُفرَّغ طاقةُ نصرنا في دهاليز الفتنة؛ وأن يتحول المنتصرُ إلى قاضٍ وجلاد، فيخسر في الداخل ما أحرزه في الحرب.

وهنا، في لحظة الخطر الأعمق، أطلَّ الرئيس نبيه برّي بصوته المحذّر، صارخاً: “يا أهلي في لبنان كل لبنان، إنها الفتنة! كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب”. فكانت كلمته ليست مجرد موقف سياسي، بل كانت معلماً من معالم الحكمة في زمن الغضب.

والحكمةُ كلُّ الحكمة في وصف قرآني واحد: *وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ*. كظمُ الغيظ ليس ضعفاً. إنه قوةٌ من نوعٍ آخر. قوةُ من يمتلك زمامَ نفسه لحظةَ امتلاكه زمامَ الميدان. قوةُ من يقول لمن راهنوا على هزيمته: “أخطأتم، ولكن الوطن يتسع. خسرتم رهانكم، ولكن البلد باقٍ. طعنتم في الظهر، ولكننا لا نُدير ظهورنا للوطن”.

هذا هو النصرُ الثاني. النصرُ الذي لا يُرى، يُهدم من حيث لا يُدرى. النصرُ الذي يُحصَّن به النصرُ الأول، فلا تتسرب منه إلى الفتنة منافذُ الهزيمة.

إن أولئك الذين تمنوا هزيمتنا يعرفون اليوم أن رهاناتهم بادت. فلا تمنحوهم شرف المواجهة. ولا تهدوا العدوَّ فرحتَه بتفريقنا. فالحرب لم تنتج نصراً بالقوة وحدها، بل بأخلاقٍ حفظت للقوة معناها. فإذا انقلبنا بعد النصر إلى الانتقام، هدمنا بأيدينا الأساسَ الذي قام عليه النصر.

تحصيناً لهذا النصر… فلنكظم غيظَنا. ولنتجاوز غضبَنا. ولنغلق أبوابَ الفتنة. لا ضعفاً، بل حكمة. لا خوفاً، بل ثقة. لا حبّاً فيمن طَعن، بل حفاظاً على تضحياتِ من هُجِّروا، وعذاباتِ من جُرحوا، ودماءِ من استُشهدوا.

فهذا هو البلاغ: النصرُ الحقيقيُّ ليس في أن تنتقم ممن شكَّ فيك، بل في أن تثبت أنك كنت على حق… حتى بعد أن مُنَّ عليك بنصرٍ من الله. فالنصرُ لحظةُ انكشاف، وأعظمُ ما ينكشف فيها ليس ضعفَ العدو، بل معدنُ المنتصر.

وإن كانَ حَجَرُ داوودَ صرعَ جالوتَ في الميدانِ، وترامبُ حَجَرَ لَقيطَه واستشاط به غضباً وذكّره أنه لولاه كان خلف القضبانِ، لاهثاً لنيلِ شرفِ توقيعٍ إلكترونيٍّ مع إيرانَ، حَضَرَ فيه لبنانُ كبندٍ أولٍ لفرضِ وقفِ العدوانِ،

فإنَّ المقلاعَ بيدِ ابنِ اللبونِ الآنَ، لقنصِ أيِّ فتنةٍ قد تهددُ الكيان. وما أجملَ في هذا المقامِ قولَ من قالَ: “ذو العقلِ يَشقى في النعيمِ بعقلِهِ … وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنعمُ”.

فما كانَ صبرُ ابنِ اللبونِ إلا شقاءَ حكيمٍ، يَختارُ ألمَ الوعيِ على راحةِ الغفلةِ، لأنَّ الفتنةَ لا تُقنصُ إلاَّ ببصيرةٍ تستَبقُها، لا بجهلٍ يَستسلمُ لها.

مقالات الكاتب

د.عاطف الموسوي

المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.