«الإطار»: أدوار هوليوودية بين واشنطن وتل أبيب… فمن كتب السيناريو؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

ليس كل ما يُوقَّع في واشنطن يصنع سلاماً، وليس كل إطار تفاوضي يُقدَّم على أنه إنجاز يحمل مقومات النجاح. فالوثيقة التي خرجت برعاية أميركية تبدو، عند التمعن في نصوصها، أقرب إلى إعلان نوايا فضفاض منها إلى اتفاق استراتيجي متكامل، إذ تغيب عنها الضمانات الملزمة، وتفتقر إلى الآليات التنفيذية الواضحة، فيما تُترك أبرز القضايا الخلافية مفتوحة على اجتهادات سياسية قد تتغير بتغير موازين القوى.

والمفارقة أن الاتفاق جاء تحت رعاية الولايات المتحدة، الدولة التي لطالما أكدت التزامها أمن إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية. وهذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الأميركي: فهل اقتصر على الوساطة، أم أنه كان جزءاً من هندسة سياسية هدفت إلى إنتاج إطار تفاوضي يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية أكثر مما يعكس توازناً بين الطرفين؟

وفي هذا السياق، تبرز قراءة سياسية مفادها أن التنسيق بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قد يكون اتخذ شكل توزيع للأدوار، بحيث توفر واشنطن الغطاء السياسي والدبلوماسي، فيما تعمل إسرائيل على تثبيت مكاسبها عبر نصوص قابلة للتأويل خلال مرحلة التنفيذ. صحيح أنه لا يمكن الجزم بهذه القراءة، لكنها تظل احتمالاً سياسياً ينسجم مع طبيعة التحالف الوثيق بين الطرفين.

وإذا كان أي اتفاق يُقاس بما يفرضه من التزامات متبادلة، فإن هذا “الإطار” يثير علامات استفهام كبيرة، لأنه لا يتضمن التزاماً إسرائيلياً واضحاً بالانسحاب، بل يكتفي بالإشارة إلى احتمال “إعادة الانتشار”، وهو تعبير قانوني وسياسي يحتمل أكثر من تفسير، ويمنح الطرف الأقوى مساحة واسعة للمناورة وربط أي خطوة بشروط يحدّدها هو أو حلفاؤه.

وتزداد علامات الاستفهام مع استمرار حجب الملحق الأمني الذي حُكي عنه عن الرأي العام. فكيف يمكن تقييم اتفاق لم تُنشر جميع مكوناته؟ وكيف يمكن الحديث عن توافق وطني حول وثيقة لا يعرف اللبنانيون تفاصيلها الكاملة؟ إن غياب الشفافية في القضايا السيادية لا يعزّز الثقة، بل يضاعف الشكوك ويثير المخاوف من وجود التزامات لم يُكشف عنها بعد.

كما أن بعض البنود، بصيغتها الحالية، قد تُفهَم على أنها تحدّ من قدرة لبنان على اللجوء إلى المؤسسات الدولية للدفاع عن حقوقه، ما يطرح سؤالاً أساسياً: إذا كانت المقاومة المسلحة يُطلب منها التنحي، والعمل الدبلوماسي يُقيَّد في التفاصيل الصغيرة، فما الأدوات التي ستبقى متاحة أمام الدولة اللبنانية للمطالبة بحقوقها؟

تُظهر التجارب التاريخية أن الاتفاقات التي تُبنى على الغموض لا تُنتج استقراراً دائماً، بل تؤجل الأزمات إلى حين. واتفاق أوسلو يبقى مثالاً حاضراً، إذ حمل وعوداً كبيرة، لكنه ترك القضايا الجوهرية معلّقة، لتفرض الوقائع على الأرض مساراً مختلفاً تماماً عمّا نصّت عليه الوثائق.

أما في الحالة اللبنانية، فإن أي اتفاق لا يراعي حساسية التوازنات الداخلية، ولا يستند إلى توافق وطني واسع، قد يتحوّل من فرصة لمعالجة الأزمات إلى عامل جديد لتعميق الانقسامات. فاستقرار الدول لا يُبنى بالنصوص وحدها، بل بثقة مواطنيها بمضمون تلك النصوص وعدالتها وإمكان تنفيذها.

إن أخطر ما في هذا الإطار ليس ما ورد فيه فقط، بل أيضاً ما غاب عنه. فلا ضمانات واضحة، ولا جدول زمني ملزم، ولا آلية تحكيم مستقلة عند نشوب الخلافات، ولا شفافية كاملة بشأن جميع الالتزامات. وهذه الثغرات تجعل من المبكر اعتباره إنجازاً سياسياً أو نقطة تحوّل تاريخية.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر بين الترحيب والرفض، بقدر ما يجب أن يتجه إلى مساءلة مضمون النص بحدّ ذاته، وقراءة تداعياته القانونية والسياسية والاستراتيجية بعيداً عن الاصطفافات الداخلية والحسابات الآنية. فالاتفاقات المفصلية لا تُقاس بزخم اللحظة التي ترافق توقيعها، ولا بحجم التأييد أو الاعتراض الذي تثيره، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن، وصون سيادة الدول، وحماية مصالحها الوطنية، ومنع تحوّلها إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمات أو تكريس موازين قوى مختلة. وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات كافية للجزم بأن هذا الإطار يمتلك المقومات اللازمة لتحقيق تلك الغايات، الأمر الذي يجعل التعامل معه بعين نقدية ويقظة استراتيجية ضرورة وطنية، لا مجرد خيار سياسي.

ومع ذلك، فإن مواجهة هذا الواقع لا ينبغي أن تقف عند حدود التشخيص النقدي أو الاستسلام لرمادية النصوص، بل تستدعي الانتقال الفوري إلى هندسة دبلوماسية مضادة قادرة على سدّ هذه الثغرات وتسييج السيادة الوطنية بضمانات صلبة. إن أولى خطوات التصحيح تبدأ من كسر حالة الغموض عبر فرض “ملحق تفسيري ملزم” يرافق الوثيقة النهائية، بحيث يُعرّف المصطلحات الفضفاضة بدقة متناهية، ويحوّل تعبير “إعادة الانتشار”، الحمّال للأوجه، إلى التزام صريح بالانسحاب الكامل والشامل ضمن جدول زمني متقابل وموقوت بصورة دقيقة، فلا تُقدم الدولة اللبنانية على أي خطوة إلا بالتزامن مع خطوة إسرائيلية مقابلة توثقها جهة دولية محايدة.

هذا التحصين التقني لن يكتمل ما لم يتم انتزاع حصرية الرعاية، وذلك عبر إدخال آلية تحكيم مستقلة ومُلزمة تحت مظلة الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية كمرجعية وحيدة لفض النزاعات، مع شطب أي بند قد يُفهم منه تقييد حق لبنان الطبيعي في اللجوء إلى المحافل الدولية لحماية حقوقه السيادية.

وعلى المقلب الدستوري، فإن الشفافية المغيّبة تجد ترياقها في تفعيل المادة الثانية والخمسين من الدستور، من خلال إحالة الاتفاق والملحق الأمني السري كاملين إلى قبة البرلمان، ليقول ممثلو الشعب كلمتهم، مستندين في ذلك إلى قراءة وطنية موحدة تصوغها لجنة عليا من خبراء القانون الدولي وضباط الجيش المتقاعدين والمتخصصين في شؤون الحدود.

وعليه، يبقى التحصين الداخلي حجر الزاوية في مواجهة موازين القوى المختلة. فإذا كان الاتفاق يطلب من المقاومة المسلحة التنحي، فإن البديل الحقيقي لا يكون بالارتهان للنوايا، بل بإطلاق استراتيجية دفاعية وطنية فورية تلتف حولها المكونات كافة، وتستهدف تمكين الجيش اللبناني وعدّته وتوسيع تطوره العملياتي، ليكون القوة الشرعية الوحيدة القادرة على ملء الفراغ وردع أي خروقات مستقبلية. فاستقرار لبنان لا يصنعه الركون إلى وعود واهية تُشبه سراب “أوسلو”، بل تنتزعه الدقة القانونية واليقظة الاستراتيجية التي تحوّل الدولة من مجرد متلقٍّ للشروط إلى مفاوض شرس يحمي مصالحه الوطنية خلف جبهة داخلية متماسكة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.