أوجيرو… مؤسسة فوق القانون؟

من القانون رقم 583 إلى مئات حالات التعاقد والتوظيف، ومن ديوان المحاسبة إلى مجلس شورى الدولة: مَن يحمي المال العام؟

ليست «أوجيرو» شركة خاصة، كما أنها ليست مؤسسة تعمل خارج منظومة الدولة؛ بل هي هيئة عامة تتعامل مع المال العام، وبالتالي يُفترض أن تخضع عمليات التوظيف والتعاقد والإنفاق فيها للقوانين والأنظمة والأصول الرقابية النافذة.

ومن هنا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها: عندما نتحدث عن مئات الأشخاص الذين دخلوا إلى «أوجيرو»، وعن مياومين ومستشارين وعقود وتوظيفات، فهل تمت جميع هذه العمليات وفق الآليات التي يفرضها القانون؟ أم إن «أوجيرو» تحولت، في بعض المراحل، إلى مساحة تتيح تجاوز الأصول تحت عناوين الحاجة والضغط الوظيفي وزيادة عدد المشتركين؟

تعود بداية القضية إلى المادة 54 من القانون رقم 583/2004، وهي المادة التي شكّلت محورًا أساسيًا في الجدل حول خضوع المؤسسات العامة لآلية مجلس الخدمة المدنية. ففي 2 نيسان 2019، أعلنت لجنة المال والموازنة في مجلس النواب أن المسألة محسومة، وأن المادة 54 أخضعت الإدارات والمؤسسات العامة للمباراة التي يجريها مجلس الخدمة المدنية، باستثناء مصرف لبنان. والأهم أن اللجنة لم تطرح موقفًا سياسيًا مجردًا، بل ربطت موقفها بالنصوص القانونية وبموقف مجلس الخدمة المدنية من الموضوع.

لكن، هنا تحديدًا، لا بد من التوقف مليًا عند المادة 54، لأن النص القانوني لا يترك الباب مفتوحًا أمام التأويل وفق قاعدة «الحاجة تبرر التوظيف». فالمادة 54 تنص على أن التعيين والتعاقد في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة والمجالس والهيئات والصناديق العامة، باستثناء مصرف لبنان، يتمان بموجب مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية، وفقًا للشروط المطلوبة للتعيين أو الاستخدام.

ومن هنا، يرتد السؤال على الجميع: إذا كان القانون قد رسم هذه الآلية بوضوح، فكيف جرى التعيين والتعاقد في «أوجيرو»؟ وكم شخصًا دخل إليها عبر مباراة أجراها مجلس الخدمة المدنية؟ وكم شخصًا دخل وفق آلية أخرى؟ ومَن أصدر القرار؟ واستنادًا إلى أي سند قانوني؟

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تُطرح بصوت عالٍ: اليوم، وفي ظل الطعن الذي تقدّم به المحامي علي عباس، بوكالته عن عدد من مستخدمي «أوجيرو»، أمام مجلس شورى الدولة، في المرسوم رقم 3561، يدور الحديث عن حماية الحقوق المكتسبة لمستخدمي الهيئة. وهذا حق يجب أن يُبحث قانونيًا، ولا يجوز المساس بأي حق ثابت إلا وفقًا للقانون. لكن حماية الحقوق المكتسبة مسألة، ومشروعية أصل التعيين أو التعاقد مسألة أخرى مختلفة تمامًا.

فلا يجوز أن تتحول عبارة «الحقوق المكتسبة» إلى ستار يحجب السؤال الأسبق: كيف نشأت هذه الحقوق أصلًا؟ وهل جرى الدخول إلى الوظيفة وفق الآلية التي فرضها القانون؟ وإذا كان القانون قد فُرض على الجميع، فمَن امتلك صلاحية استثناء «أوجيرو» من أحكامه؟

لا يصبح القانون اختياريًا لمجرد أن المؤسسة تحتاج إلى موظفين، كما لا تتحول المخالفة، إن ثبت وقوعها، إلى ممارسة مشروعة لمجرد مرور السنوات عليها. قد تكون الحاجة إلى الموظفين حقيقية، وقد تكون زيادة عدد المشتركين واقعية، لكن السؤال يبقى: هل عولجت هذه الحاجة بالطريقة التي رسمها القانون؟

وهنا يجب التوقف عند استخدام كلمة «متعاقدين»، لأن الدقة القانونية بالغة الأهمية. فالمشكلة لا تكمن في أن الشخص يحمل صفة «متعاقد»، إذ إن التعاقد، في حد ذاته، يمكن أن يكون قانونيًا عندما يتم وفقًا للأصول. إنما تكمن المشكلة في الكيفية التي جرى بها التعاقد أو التوظيف.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس لجنة المال والموازنة آنذاك، النائب إبراهيم كنعان، أن التعاقد والتوظيف مع 453 شخصًا في هيئة «أوجيرو» جريا خلافًا للأصول، لعدم مرورهما بمجلس الخدمة المدنية، ومن دون قرار صادر عن مجلس الوزراء مبني على تقرير إدارة الأبحاث والتوجيه.

لذلك، فإن الصياغة الأدق هي القول إن «453 شخصًا جرى التعاقد والتوظيف معهم خلافًا للأصول، بحسب ما أعلنته لجنة المال والموازنة»، بدلًا من القول إن «453 متعاقدًا» هم، في حد ذاتهم، غير قانونيين. فالمخالفة المنسوبة، في حال ثبوتها، تتصل بالإجراء والجهة صاحبة القرار وآلية التوظيف أو التعاقد، ولا تعني إصدار حكم جماعي على الأشخاص الذين جرى التعاقد معهم.

لكن رقم 453 ليس الرقم الوحيد الذي ظهر في ملفات «أوجيرو». فقد أظهرت تقارير رقابية أرقامًا أخرى مرتبطة بفترات وفئات مختلفة، من بينها 603 مياومين خلال عامي 2017 و2018، فضلًا عن 30 عقدًا لمستشارين.

وهنا يجب التنبه إلى نقطة أساسية: لا يجوز جمع هذه الأرقام آليًا والقول إن لدينا 603 مياومين، و30 مستشارًا، و453 شخصًا جرى التعاقد والتوظيف معهم خلافًا للأصول، باعتبارهم جميعًا حالات منفصلة، لأن هذه الأرقام وردت في ملفات وسياقات وفترات مختلفة، وقد يكون ثمة تداخل بينها. لكن مجرد ورودها في تقارير وملفات رقابية يطرح سؤالًا مشروعًا وكبيرًا: كيف حُدّدت الحاجة؟ ومَن اتخذ القرار؟ ومَن اختار الأشخاص؟ وما السند القانوني الذي استند إليه كل تعاقد أو توظيف؟

والأهم أن لجنة المال والموازنة لم تكن تتفرج على ما يحصل. ففي عام 2019، ناقشت اللجنة ملف التوظيف في «أوجيرو» بالاستناد إلى تقارير التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية، وتناولت تحديدًا مسألة الأشخاص الـ453، وما إذا كانت الحاجة المعلنة تبرر تجاوز الآلية القانونية. وكان الموقف المعلن أن أي تبرير يجري تقديمه خارج الأطر التي حددها القانون، وخارج دراسة الحاجة الرسمية، لا يمكن أن يتحول إلى باب مفتوح للتوظيف.

ثم انتقل الملف من النقاش النيابي إلى أجهزة الرقابة والقضاء المالي. فدخل ديوان المحاسبة على خط القضية، وصدرت قرارات تناولت ملف التوظيف والتعاقد في «أوجيرو»، وصولًا إلى القرار النهائي رقم 61/ر.ق./نهائي، الصادر في 21 كانون الأول 2021، والذي تناول مسؤوليات إدارية ومالية مرتبطة بملف التوظيف.

وهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد خلاف بين إدارة «أوجيرو» ومجلس الخدمة المدنية، بل تحولت إلى ملف رقابي وصل إلى أعلى مستويات المحاسبة المتعلقة بإدارة المال العام.

ثم جاء مجلس شورى الدولة عام 2026 ليعيد فتح الملف من زاوية قضائية جديدة، من خلال القرار رقم 240/2025-2026، الصادر في 29 كانون الثاني 2026، في سياق الطعن في قرار ديوان المحاسبة.

ولا يجوز اختصار هذا القرار بالقول إنه ألغى كل ما سبقه أو إنه ثبّت كل ما ورد فيه، لأن القرار صدر في إطار مراجعة قضائية لقرار ديوان المحاسبة. لكن اللافت أن مسألتي «الضغط الوظيفي» و«زيادة عدد المشتركين» لم تكونا، في حد ذاتهما، بطاقة عبور تلقائية لتبرير التوظيف، كما نوقشت دفوع تتصل بالمهل والحقوق المكتسبة.

وهنا يعود السؤال الأساسي: هل يتيح وجود حاجة فعلية إلى الموظفين تجاوز الآلية التي وضعها القانون؟ أم إن هذه الحاجة يجب أن تُثبت أولًا، ثم تُعالج وفق الطريقة التي رسمها القانون؟

ويقودنا ذلك إلى دور التفتيش المركزي. فالهيئة ليست بمنأى عن الرقابة، وقد دخل التفتيش المالي في ملفات «أوجيرو»، وراجع تحديدًا بعض لوائح المياومين والتعاقدات. وبالتالي، لا يمكن التعامل مع «أوجيرو» وكأنها جزيرة منفصلة عن الدولة، كما لا يمكن تحويل وجود نظام خاص بالهيئة إلى ذريعة لتعطيل القواعد العامة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالتوظيف أو بالمال العام.

المسألة، إذًا، ليست مواجهة مع موظفي «أوجيرو»، وليست حملة على المياومين أو المتعاقدين أو المستشارين. فالسؤال الحقيقي يجب أن يُوجّه إلى أصحاب القرار: مَن طلب التوظيف؟ ومَن حدّد الحاجة؟ ومَن وافق؟ ومَن وقّع؟ ومَن تجاوز مجلس الخدمة المدنية؟ ومَن سمح بتحويل الحاجة إلى وسيلة للتوظيف خارج الأصول؟

وهنا تحديدًا تصبح القضية قضية دولة، لا قضية «أوجيرو» وحدها. فعندما يفرض القانون مباراة أو آلية محددة للتوظيف والتعاقد، لا يُفترض أن يرتبط تطبيقه باسم المؤسسة أو بقوة إدارتها أو بحجم حاجتها. وإلا أصبح لكل مؤسسة تفسيرها الخاص، ولكل إدارة مبرراتها الخاصة، ولكل عملية توظيف استثناؤها الخاص.

لذلك، لا يتمثل المطلوب اليوم في التشهير بأحد، بل في كشف المستندات والحقائق أمام الرأي العام: ما جميع عمليات التوظيف والتعاقد التي حصلت في «أوجيرو»؟ وما السند القانوني الخاص بكل فئة؟ وكم حالة مرّت عبر مجلس الخدمة المدنية؟ وما دراسات الحاجة التي استندت إليها الإدارة؟ وما القرارات التي أصدرها مجلس الوزراء؟ وماذا ورد في تقارير التفتيش المركزي؟ وماذا قرر ديوان المحاسبة؟ وإلى ماذا انتهى مجلس شورى الدولة؟

فالمال العام لا تحميه البيانات والتبريرات، بل تحميه القواعد القانونية والرقابة والمستندات والمساءلة.

وفي هذا السياق، من الضروري عدم تحويل التقرير إلى مواجهة مع الطعن المقدّم أمام مجلس شورى الدولة، أو إعطاء انطباع بأنه يستبق مسارًا قضائيًا لا يزال قائمًا. فالقضية لا تتعلق بالطعن في حق المستخدمين باللجوء إلى القضاء، ولا بمهاجمة الجهة القضائية الناظرة في الملف. على العكس، يظل حق التقاضي مكفولًا، ويعود إلى القضاء المختص الفصل في قانونية المرسوم وفي الحقوق الناشئة عنه.

لكن المادة 54 تضع، بالتوازي مع هذا الطعن، سؤالًا قانونيًا لا يمكن القفز فوقه. لذلك، وقبل أن يُحسم مصير المرسوم قضائيًا، لا بد من حسم سؤال أكثر بساطة ووضوحًا: هل احترمت «أوجيرو» القانون عندما وظّفت وتعاقدت؟

وفي النهاية، لا بد من طرح السؤال الذي يتجاوز جميع الأرقام: هل كانت «أوجيرو» توظّف وتتعاقد وفقًا للقانون، أم إن القانون كان يُطلب منه، في كل مرة، أن يتكيّف معها؟

إذا كانت القاعدة تقضي بأن القانون يسري على الجميع، فيجب أن يسري فعلًا على الجميع. وإذا كانت ثمة استثناءات، فليُكشف سندها القانوني أمام الرأي العام. أما أن تتكرر أرقام المياومين والمستشارين وعمليات التوظيف، ثم تنتقل الملفات من لجنة المال والموازنة إلى التفتيش المركزي، ومن ديوان المحاسبة إلى مجلس شورى الدولة، فعندها لا تعود المشكلة مجرد مشكلة توظيف.

عندها، تصبح المشكلة مشكلة دولة. فأين القانون؟ ومَن يحمي المال العام؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.