ابن الجنوب، الدكتور محمد حسين ترحيني، الذي دفع ثمن الحرب من بيوته وذاكرته وأمن أهله، يختار، في زمن يضيق فيه المكان على الإنسان، أن يفتح له نافذة في الفكر.
من بين رائحة الدمار وثقل الأيام، وفي ظروف تكاد تكون خانقة، يصدر كتاب «أنسنة الإنسان من منظور سوسيولوجي وسيكولوجي وتنويري»، وكأنه ليس مجرد صفحات جديدة تُضاف إلى رفوف المكتبة، بل فعل مقاومة من نوع آخر: مقاومة اليأس بالمعرفة، والخوف بالفكر، والتعصب بالإنسان.
فحين تُهدم البيوت، يمكن إعادة بنائها بالحجر؛ أما حين يُهدم الإنسان من الداخل، فلا تعيده إلى الحياة إلا فكرة تؤمن بحريته وكرامته وحقه في السؤال، وتعيد إليه ثقته بقدرته على النهوض من تحت الركام.
وهنا تكمن قيمة هذا الكتاب؛ فهو يولد في زمن يحاول أن يقنعنا بأن الخراب قدرنا، ليقول العكس تمامًا: ما دام الإنسان قادرًا على التفكير، فهو قادر على أن يبدأ من جديد، وما دام قادرًا على الحلم، فلن يكون الخراب نهاية الحكاية.
من النبطية، ومن الجنوب، ومن قلب هذا الزمن المثقل بالجراح، تأتي رسالة الكتاب واضحة: أنسنة الإنسان ليست ترفًا فكريًا، ولا تمرينًا نظريًا منفصلًا عن الواقع، بل ضرورة وجودية وأخلاقية لإنقاذ ما تبقى من الإنسان فينا.
وفي الرابع عشر من تشرين الأول الجاري، سيكون القراء على موعد مع توقيع هذا الإصدار الذي يأتي من قلب المعاناة، حاملًا دعوة إلى استعادة الإنسان في زمن تتسابق فيه الحروب والانقسامات على تجريده من معناه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة هو: قد نستعيد الحجر بعدما تهدمه الحرب، لكن علينا، أولًا، أن نستعيد الإنسان.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
