يا لها من عبقرية تشريعية تستحق أن تُخلَّد في تاريخ الاستبداد! أن تُسنّ القوانين لحماية مشاعر الحاكم والمستبد والمستغل والسارق وغيرهم، بينما تُترك حياة المحكوم نهبًا للجوع والفقر والإذلال والفساد. أن يصبح لسان المواطن خطرًا يستدعي المحاسبة، بينما تبقى الأفعال التي أثارت غضبه خارج دائرة المحاسبة الفعلية. وأن تتحوّل الكلمة إلى جريمة محتملة، في حين يجد الفعل الذي ولّدها ألف طريق للإفلات من المساءلة.
يأكلون حقوقك… ثم يحاسبونك على طريقة صراخك!
يأكلون حقوقك، ويبدّدون أموالك، ويثقلون ظهرك بالضرائب، ويتركونك أمام مستشفى بلا دواء ومدرسة بلا تعليم، ويسرقون مالك، ويقتنصون روحك، وينهبون عرق جبينك، ويستولون على جنى عمرك وحقوقك. ثم، إذا رفعت صوتك غاضبًا وسألتهم: «يا أولاد البعير، لماذا فعلتم بنا هذا؟»، خرج لك من بين دفاتر القوانين نصّ اسمه «القدح والذمّ»، كأن المشكلة ليست في ما جرى، بل في المفردات التي استعملتها لوصفه!
يا للعجب! يستطيع المواطن أن يجوع، لكن عليه أن يصف جوعه بأدب. يستطيع أن يُذلّ، لكن عليه أن يحتجّ بعبارات رقيقة. يستطيع أن يرى حقوقه تضيع، لكن عليه ألّا يجرح مشاعر من يتولّى إدارة شؤونه، أو حتى أن يشتم من نال من حياته وحياة أسرته. وإذا أراد أن يقول «لا»، فعليه أولًا أن يستشير قاموسًا قانونيًا، حتى يتأكّد أن هذه الـ«لا» لا تنطوي على إساءة إلى مقام أحد.
هكذا تتحوّل حرية التعبير إلى نكتة ثقيلة: تكلّم كما تشاء، بشرط ألّا تقول ما يزعج أصحاب السلطة والنهب. انتقد كما تريد، بشرط ألّا يكون نقدك قاسيًا. اغضب كما يحلو لك، بشرط ألّا يسمع أحد غضبك. أما إذا انفلتت منك كلمة ساخرة، فقد تكتشف أن الدولة التي عجزت عن معالجة شكواك قادرة على العثور عليك بسرعة مذهلة عندما تصبح هي المشتكية.
إنها دولة قد تتعثّر في معرفة أين ذهبت الأموال، لكنها تستطيع أن تعرف من قال: «أين ذهبت الأموال؟». وقد تعجز عن تحديد المسؤول عن فشل مشروع، لكنها تنجح في تحديد المواطن الذي وصف المشروع بالفاشل. وقد تضيع فيها الملفات والحقوق والوعود، لكن عبارة غاضبة على صفحة إلكترونية لا تضيع بسهولة عندما يريد صاحب نفوذ ملاحقة قائلها.
ولعلّ أعجب ما في هذه الصناعة التشريعية أنها تمنح بعض أصحاب السلطة فرصة للانتقال من موقع المسؤول الذي يُسأل إلى موقع المتضرّر الذي يشتكي. فبدلًا من أن يشرح المسؤول لماذا لم تُنجَز المدرسة، ينشغل الجميع بما إذا كان وصفه بالمقصّر قد خدش سمعته. وبدلًا من أن يجيب عن مصير المال العام المنهوب والمال الخاص المسروق بالاحتيال، تتحوّل القضية إلى تحقيق في نبرة المواطن الذي طالب بكشف مصير هذه الأموال.
يا لها من مهارة في تبديل الأدوار! يصبح المسؤول ضحية العبارة، ويصبح المواطن متهمًا لأنه نطق بها، أما القضية الأصلية فتتوارى خلف أوراق الدعوى.
ليبرالية على مقاس المستبد… حرية للسلطة وقانون لإسكات المواطن!
والأكثر إثارة للسخرية أن كل ذلك يمكن أن يجري تحت شعارات لامعة: الحرية، والديمقراطية، والليبرالية، وحقوق المواطن، وسيادة القانون. كلمات كبيرة تُرفع في الخطب والاحتفالات، ثم تتقلّص فجأة عندما يقترب المواطن من صاحب السلطة بسؤال محرج.
أيّ ليبرالية هذه التي تحتمل حرية الأسواق والمصالح والصفقات، ثم تضيق بحرية المواطن في وصف ما يراه من خراب؟ وأيّ ديمقراطية تلك التي تطلب صوت الإنسان يوم الانتخابات، ثم تستكثر عليه صوته حين يسأل عن نتائجها؟ وأيّ سيادة للقانون حين يصبح الخوف من الكلمة أشدّ حضورًا من الخوف من تبديد الحقوق؟
إنها ليبرالية على مقاس أصحاب النفوذ؛ واسعة حين يتعلق الأمر بامتيازاتهم، ضيّقة حين يتعلق الأمر بألسنة الناس. وهي ديمقراطية تتّسع للتصفيق والخطابات والاحتفالات، لكنها تُصاب بالحساسية عندما ينتقل المواطن من دور المتفرّج إلى دور المحاسِب.
أما القدح والذمّ، فقد يصبحان في هذه البيئة مظلّة جاهزة لكل من لا يريد أن يسمع وصفًا قاسيًا لأدائه. وليس مهمًا، عندئذٍ، أن تكون العبارة وليدة غضب اجتماعي أو احتجاج سياسي؛ المهمّ أن هناك من يستطيع نقل المعركة من ساحة الوقائع إلى ساحة الألفاظ.
وهكذا يُطلب من المواطن أن يثبت حسن تربيته اللغوية أمام من يطالبه أصلًا بحسن إدارة شؤون البلاد أو بإعادة حقوقه إليه. ويُراد له أن يناقش إخفاق السلطة كما يناقش أستاذ جامعي مسألة نحوية: بلا انفعال، ولا سخرية، ولا غضب، وبأقصى درجات التحفّظ، حتى لو كانت حياته نفسها قد تحوّلت إلى سلسلة من الخيبات.
ومن غرائب هذه العقلية أنها تتعامل مع غضب الناس كأنه مشكلة في الأخلاق العامة، لا نتيجة محتملة لمشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية. فإذا صاح المواطن من القهر، لم يُسأل دائمًا عن مصدر قهره، بل عن سبب صياحه. وإذا سخر من مسؤول، جرى التركيز على سخريته أكثر من الأسباب التي دفعت إليها.
كأن المطلوب ليس معالجة الجرح، بل معاقبة الصوت الذي كشف عنه.
وما أسهل الحديث عن الاحترام حين تكون السلطة في يد المتحدّث! وما أسهل مطالبة الناس بالتهذيب حين لا يضطر صاحب المنصب إلى الوقوف في طوابير المساعدات، أو البحث عن دواء مفقود، أو انتظار راتب لا يكفي، أو مشاهدة مستقبل أبنائه يضيق يومًا بعد يوم.
يُطلب من هؤلاء جميعًا أن يلتزموا اللياقة في مواجهة ما يرونه من ظلم، وأن ينتقوا كلماتهم حتى لا يتأذّى أحد من أصحاب المقامات الرفيعة، أو من أصحاب المهن المتعددة التي يتلطّى خلف جدرانها بعض أهل النصب والاحتيال والدسيسة. أما الأذى الذي يصيب حياتهم وكرامتهم، فيمكن تأجيل البحث فيه إلى جلسات قانونية وقضائية أخرى، أو لجنة أخرى، أو وعد جديد.
حين تصبح شتيمة المسؤول جريمة… ومحاسبته على أفعاله ترفًا!
والحقيقة أن أخطر ما في الاستخدام السياسي لقوانين القدح والذمّ ليس العقوبة وحدها، بل الخوف الذي يسبقها. أن يبدأ الإنسان بمراجعة عباراته، لا ليتأكّد من صحتها، بل ليتأكّد من أنها لن تُغضب صاحب نفوذ. أن يحذف الكاتب جملة، ويخفّف الصحافي عنوانًا، ويتراجع المواطن عن نشر سؤال، لا لأن ما كتبه كاذب، بل لأن كلفة قوله قد تكون أكبر من قدرته على احتمالها.
عندئذٍ، لا تعود السلطة بحاجة إلى مراقبة كل كلمة؛ فقد أصبح الخوف رقيبًا يقيم في رأس المواطن، يراجع عباراته قبل أن يكتبها، ويحاسبه قبل أن تصل إلى أحد.
وهنا تتحقّق المفارقة الكبرى: فالمواطن الذي يُفترض أنه مصدر السلطة يصبح خائفًا من مخاطبتها، والمسؤول الذي يُفترض أنه خاضع للمساءلة يصبح قادرًا على مساءلة من يسائله.
وليس ثمة مشهد أكثر عبثية من مسؤول يملك المنصب والنفوذ والقدرة على مخاطبة الناس عبر المؤسسات والمنابر، ثم يقدّم نفسه ضحية أمام مواطن لا يملك سوى صوته. كأن كل تلك السلطة لم تكفِه، فاحتاج إلى حماية إضافية من جملة ساخرة أو سؤال غاضب.
لقد أصبحنا أمام اختراع سياسي عجيب غريب. فبدلًا من المحاسبة على الأفعال، نجد محاسبة على وصف الأفعال؛ وبدلًا من التحقيق في أسباب الغضب، يظهر من يحقّق في ألفاظ الغاضبين؛ وبدلًا من أن تكون هيبة الدولة نتيجة عدالة مؤسساتها وكفاءة إدارتها، يُراد أحيانًا أن تُصنع هذه الهيبة بالخوف من الملاحقة.
والأشدّ سخرية أن هذه الهيبة المصطنعة لا تُصلح طريقًا، ولا تبني مدرسة، ولا تعيد مالًا عامًا، ولا تداوي مريضًا، ولا تطعم جائعًا. إنها لا تفعل شيئًا من ذلك؛ فكل ما تستطيع فعله هو أن تجعل المواطن يفكّر طويلًا قبل أن يقول إن الطريق مدمّر، وإن المدرسة مهملة، وإن المال يحتاج إلى حساب، وإن المسؤول مطالب بالجواب.
أيّ انتصار عظيم هذا الذي تحقّقه السلطة عندما تنجح في إسكات وصف المشكلة وتترك المشكلة قائمة؟
إن تحويل القدح والذمّ إلى سلاح في الخصومات السياسية لا يصنع احترامًا، بل يصنع صمتًا. والصمت ليس دليل رضا، كما أن الخوف ليس دليل هيبة، وغياب الشتائم لا يعني غياب الظلم. فقد يسكت الناس لأنهم اقتنعوا، وقد يسكتون لأنهم تعبوا، وقد يسكتون لأنهم يعرفون أن الكلمة قد تفتح عليهم بابًا من المتاعب لا يملكون القدرة على إغلاقه.
وهكذا تنشأ جمهورية عجيبة، لا يُطلب فيها من المسؤول أن يكون فوق الشبهات بقدر ما يُراد للمواطن أن يكون دون مستوى الاعتراض. جمهورية يستطيع فيها صاحب المنصب أن يطالب بحماية سمعته، بينما يظلّ المواطن مطالبًا بإثبات حقّه في السؤال عن أداء صاحب المنصب.
يا صانعي القوانين المصمّمة على مقاس هيبتكم، ليست الدولة كائنًا هشًّا يتحطّم من نكتة، وليست السلطة مقامًا مقدّسًا تنتهك حرمته عبارة ساخرة، وليست كرامة المسؤول أعلى مرتبة من كرامة الناس الذين يتولّى شؤونهم.
ومن المفارقات أن تُعامَل الكلمة القاسية كأنها الخطر الأكبر على المجتمع، بينما لا تحظى الوقائع التي تستفزّ الناس بالمقدار نفسه من الاهتمام. فالمواطن لا يستيقظ كل صباح باحثًا عن مسؤول يشتمه؛ إنما يعيش في واقع، ويرى نتائج السياسات والقرارات، ثم يعبّر عن موقفه منها باللغة التي تعكس غضبه وخيبته.
ولا يمكن لقانون أن يصنع الثقة حيث تغيب أسبابها، أو أن يفرض الاحترام حيث تتآكل مقوّماته، أو أن يحوّل الفشل إلى إنجاز بمجرد تجريم الأوصاف التي تكشفه.
لقد بلغ العبث ذروته في لبناننا حين صار السؤال عن مصير المال العام قابلًا لأن يتحوّل إلى مشكلة لصاحب السؤال، وصارت المطالبة باسترداد حقّ خاص مشكلة المشكلات، وحين أصبحت مشاعر المسؤول أثمن من حقّ المواطن في محاسبته.
فيا لها من قوانين حين تُخاط على مقاس السلطة ومن يدور في فلكها ويستفيد منها! ويا لها من قوانين قد يخسر في ظلّها المواطن خبزه وعمله وحقوقه وكرامته لأنه تجرّأ على من سرقه، ثم لا يكون أمامه إلا أن يحتفظ بأدبه كاملًا، ولا يُتاح له سوى أن يرثي خسارته!
وهكذا يصبح القدح والذمّ، حين يُسخَّران لحماية النفوذ، الاسم القانوني الأنيق لعبارة سياسية قديمة، عنوانها: افعلوا بالناس ما تشاؤون، ولكن لا تسمحوا لهم بأن يقولوا ما يشاؤون عمّا فعلتم.

د. زياد أسعد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
