المشكلة المطروحة ليست سلوكيات فردية معزولة، بل منظومة اجتماعية متشابكة تتداخل فيها التنشئة، والخطاب الثقافي والديني الموظَّف، والإعلام، والاقتصاد، وضعف التشريعات، وثقافة الخوف. ومن ثمّ، فإن السؤال: «لماذا لا نتعامل مع الإنسان بوصفه إنساناً؟» ليس سؤالاً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً سؤال عن بنية اجتماعية تُنتج التمييز وتعيد إنتاجه.
لماذا كثر التمييز في المجتمعات العربية؟
لا يوجد سبب واحد، بل عوامل متراكمة:
- التنشئة الأسرية والتعليمية: الأسرة هي البيئة الأولى التي تغرس التسامح أو التحيّز. وفي كثير من الدول العربية، أسهمت مناهج تعليمية وممارسات تربوية في تعزيز الانقسامات الطائفية أو العرقية أو القائمة على النوع الاجتماعي، وفي تطبيع خطاب الكراهية أو الإقصاء.
- توظيف الدين والثقافة أيديولوجياً: لا تكمن المشكلة في الدين نفسه، بل في استخدامه لتبرير التمييز المذهبي أو الطائفي أو الجندري. فعندما يتحوّل الخطاب الديني والثقافي إلى أداة إقصاء، يصبح التمييز «مشروعاً» اجتماعياً.
- الإعلام ووسائل التواصل: بعد الربيع العربي، تحوّلت المنصات الرقمية إلى ساحات خصبة للاستقطاب وخطاب الكراهية على أسس دينية أو سياسية أو عرقية. وكثيراً ما يعمّق الإعلام، بدوره، الصور النمطية بدلاً من تفكيكها.
- العوامل الاقتصادية والسياسية: يسهم الفقر والبطالة والتنافس على الموارد والوظائف والنفوذ في زيادة حدّة التوتر والتمييز. وفي ظلّ غياب العدالة الاجتماعية، يصبح «الآخر»، المختلف دينياً أو مذهبياً أو عرقياً أو جندرياً، شمّاعةً تُعلَّق عليها الأزمات.
- ضعف التشريعات والمؤسسات: إن غياب قوانين صريحة وفعّالة تجرّم «جرائم الكراهية» بمفهومها المعاصر، وضعف آليات عمل المجتمع المدني والرقابة، يجعلان التمييز أكثر انتشاراً وأقلّ كلفة.
الأرقام لا تكذب… التمييز ظاهرة قابلة للقياس
المشكلة ليست مجرد انطباع؛ فمؤشرات استطلاعات القيم العالمية تكشف أرقاماً صادمة حول رفض «الآخر» في العالم العربي:
- رفض الجيران من جنسيات أخرى: بلغت النسبة 55.1% في ليبيا، و37.7% في السعودية، و34.2% في مصر، و27.7% في العراق.
- رفض الجيران من المهاجرين: وردت نسبتان في مصر، هما 57.7% و59%.
- اعتبار التمييز العنصري «مشكلة»: بلغت النسبة 67% في العراق، و37% في المغرب، مقابل 8% فقط في مصر، رغم تقارير عن تمييز ممنهج ضد النوبيين والسود.
وأظهر استطلاع حديث، أُجري عام 2024 وشمل عشر دول، أن الغربيين يتبنّون التنوّع بوصفه قيمة مجتمعية، بينما انقسمت الآراء في الدول العربية، مع تفضيل كثيرين التجانس الثقافي.
أمّا المشاعر الإقصائية، فيعارضها 32% في الغرب، مقابل 23.8% في الدول العربية من المؤيدين لها، بينما بلغت نسبة المعارضة في آسيا 34%. أي إن المسألة ليست مواجهة بين «الغرب والشرق»، بقدر ما هي مسألة مؤسسات وثقافة وسياسات.
وتعني هذه الأرقام أن التمييز في العالم العربي يستهدف أساساً أقليات داخلية ومجموعات مهمّشة، كالنوبيين والسود والمهاجرين واللاجئين، إضافة إلى التمييز الجندري والمذهبي.
لماذا نمدح ثم نشتم؟ ظاهرة «خلّ وراك ظهر»
ليس هذا السلوك مجرد «خبث شخصي»، بل هو شكل من أشكال النفاق الاجتماعي القائم على المصلحة والخوف. فعندما تشيع ثقافة المصلحة، تحلّ المجاملات الزائفة محل العلاقات الإنسانية السويّة: يبتسم الشخص وينافق لأنه يريد شيئاً؛ وظيفةً، أو مصلحةً، أو نفوذاً، أو حمايةً. وعندما ينتهي الغرض، أو «يدير الطرف الآخر ظهره»، يسقط القناع، وتظهر مشاعر الغِلّ والحسد والكراهية.
لكن التفسير الأعمق يرتبط بالخوف من السلطة واختلال موازين القوة. ففي بيئات يغيب فيها الأمان، يصبح التملّق وسيلة للبقاء أمام سلطة تطلب الطاعة، سواء تمثّلت في أب أو مدير أو نظام. والنفاق هنا آلية دفاع، وليس بالضرورة خبثاً فطرياً. وقد أفرزت وسائل التواصل شكلاً جديداً منه: «رمز قلب» في العلن، وكلاماً مناقضاً في الخاص، مما يعمّق هشاشة الثقة ويجعل العلاقات أكثر سطحية.
هل الظاهرة موجودة في الغرب؟ وما نسبتها مقارنة بالعالم العربي؟
نعم، التمييز والنفاق موجودان في جميع المجتمعات، لكن طبيعتهما وحجمهما وطرائق مواجهتهما تختلف.
التمييز في الغرب موجود حيث تُظهر الدراسات أن أصحاب الأسماء العربية يتعرّضون في سوق العمل للرفض بمعدل يبلغ 4.86 أضعاف ما يتعرّض له أصحاب الأسماء الهولندية. وغالباً ما يطال التمييز في الغرب المهاجرين والمسلمين والأقليات، لكنه يمتلك آليات مؤسسية، من قوانين وإعلام حرّ ومجتمع مدني، تعترف بالمشكلة وتحاول معالجتها.
أما التمييز في العالم العربي فيستهدف أقليات داخلية ومجموعات مهمّشة، وهو أكثر تطبيعاً، فيما تكون الروادع القانونية والاجتماعية في مواجهته أضعف.
المقارنة الرقمية المباشرة غير دقيقة: تستخدم الدراسات منهجيات ومفاهيم مختلفة. لكن المؤشرات تُظهر أن قيم التنوّع أكثر تجذّراً في الغرب، بينما تنقسم الآراء بشأنها في الدول العربية. ومع ذلك، لا تتعلق المسألة بـ«تفوق غربي»؛ ففي آسيا، مثلاً، كانت معارضة الإقصاء أعلى منها في الغرب أحياناً.
الخلاصة… المشكلة منظومة والحل منظومة
ليس التمييز والنفاق في المجتمعات العربية «طبعاً» متأصّلاً في الإنسان العربي، بل هما نتاج بيئة مركّبة: تنشئة تغرس التحيّز، وخطاب ثقافي وديني موظَّف للإقصاء، وإعلام يعزّز الاستقطاب، واقتصاد يخلق التنافس والقلق، وتشريعات هشّة، وثقافة خوف تمنع المصارحة وتشجّع النفاق.
وفي المقابل، ليس الغرب خالياً من التمييز، لكنه سبق العالم العربي في الاعتراف بالمشكلة وبناء آليات لمواجهتها. ولا يبدأ الحلّ في العالم العربي بالشعارات، بل بمراجعة المناهج، وتجريم خطاب الكراهية، وإصلاح الخطاب الديني والثقافي، وترسيخ إعلام مسؤول ومجتمع مدني قوي وعدالة اقتصادية، والأهمّ إعادة بناء الثقة في العلاقات الإنسانية على أساس الكرامة المشتركة، لا المصلحة أو الخوف.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
