لم تمضِ بضعة أيام على كتابة مقالنا «مصر بديلًا عن تركيا» حتى تحقّقت نبوءتنا، باختيار السعودية الميل إلى صفّ مصر في مجابهة التحرّكات الإسلامية «بمختلف أشكالها»، بدلًا من المناورة في فضائها.
يبدو أن الرئيس المصري، الذي حافظ طوال السنوات السابقة على تجنّب اتخاذ موقف علني ينطوي على مجابهة عسكرية، سعيًا إلى تجنيب بلاده تسلّل أيّ فوضى إليها، ولا سيما من جهات إسلامية لا ودّ بينه وبينها، لم يكن موفّقًا هذه المرّة، حين دفعته فكرة استباق الخطر إلى الذود عن تخوم الجوار.
هذا الاندفاع، الذي يسعى إلى حماية الشقيقة السعودية، تحرّكه أيضًا حسابات تتعلق بأمن مصر، في ظلّ تهديد جماعات الحوثي للملاحة وانعكاساته على قناة السويس. وتضاف إليها حسابات أهمّ، تتصل بدعم إيران جماعات إسلامية يمكنها إقلاق الداخل المصري، وسعي مصر إلى توجيه رسالة تحذير إلى إيران بضرورة وقف أيّ دعم لنشاط من هذا النوع أو الامتناع عنه، فضلًا عن حرصها على ألّا تنفرد القوى الداعمة للحركات الإسلامية، مثل تركيا، بالإمساك بزناد التهديد. غير أن هذه العناصر، وغيرها، لن تجعل آثار ذلك الاندفاع معاكسة لمآرب مصر بأكثر مما ستكون معاكسة لمآرب السعودية نفسها.
بالطبع، لا يطيب لنا المساس بالأبرياء أينما كانوا، ونرى أن زعزعة أمن بلاد آمنة ظلم بالغ.
وليس مقصدنا من الحديث عن «سهوة مصر» حرمان السعودية من استقرارها. ولإيضاح ما نعنيه، نتوقف عند بعض الأسئلة التي تشغل بالنا حين نطالع تبرير التدخّل العسكري المصري في أرض اليمن بأنه «دفاعي لا هجومي»، لنشير إلى دور حلف مكة، ونتساءل عن طبيعة «دفاعه» الذي لم تظهر آثاره حتى اللحظة.
وحين نستحضر مشاهد افتتاح «أوكتاغون مصر»، الذي سبق أن أشرنا إلى تزامنه مع افتتاح «بنتاغون تركيا»، بوصفه ردًّا مصريًا على انفراد تركيا بموقع القوة الوحيدة في المنطقة، يمكننا تلمّس إحدى صور «المكر الإخواني». وهنا نتساءل: هل نجح أردوغان في استدراج السيسي إلى الملعب السعودي؟
ولا ينفصل هذا التساؤل عن سؤال آخر حول طبيعة العلاقة بين تحالف مصر مع السعودية، من جهة، وانضمامها إلى حلف مكة، من جهة أخرى، في ظلّ استمرار القاهرة، حتى اللحظة، في إرسال إشارات تعبّر عن تخوّفها من تبعاته.
وعندما نستعيد تسلسل الأحداث، لا يسعنا تجاهل «الارتخاء السياسي» الذي قد تُحدثه خطوة كهذه، بعد تدبير بعض المكائد من جانب القوى الداعمة للتحرّكات الإسلامية المختلفة. ولن يقتصر هذا الارتخاء على مصر وحدها، بل سيشمل السعودية وغيرهما أيضًا.
ففي ميدان الحكم وساحة القتال، كما نفهمهما، تعني اللزوجة السياسية ثغرة عسكرية.
لنترك هذا التعقيد جانبًا، ولننظر ببساطة إلى واقع العمل العسكري المصري على الأرض السعودية، بصرف النظر عن مستواه، سواء أكان استخباريًا أم استشاريًا أم لوجستيًا أم تسليحيًا أم وجودًا لقوات على الأرض. فلن نحتاج إلى عناء كبير لإدراك غرابة المشهد عند تأمّل حدود تعامل هذه القوات مع قوات حلف مكة ولجانه وهيئاته وسائر تشكيلاته، إن لم يكن مع غيرها أيضًا: من سيخضع لأوامر من؟
هذا إذا افترضنا أن التنسيق بين هذه القوى سيتخذ شكلًا تراتبيًا. أما إذا غاب التنسيق، فستبدو المشكلة أكثر تعقيدًا. وفي الحالتين، يبقى انكشاف القوات المصرية وآليات عملها أمام تركيا ومن معها أمرًا لم يُحسب له حساب قطعًا.
ولن نطيل أكثر قبل أن نختم بالإشارة إلى مصير الدور المصري في لبنان، حيث سعت القاهرة إلى الوساطة، محاولةً ضبط الصراع مع إيران. فقد بات مؤكدًا أن هذا الصراع سيتأجّج مع خطوتها هذه، في ضوء الردّ الإيراني المتوقع، عبر توجيه عوامل القلق نحو الداخل المصري، ولو انطلاقًا من خارجه. وسيمنح ذلك إيران، من الآن فصاعدًا، ورقة ضغط جديدة على مصر وغيرها، ولا سيما إذا توسّعت المهمة المصرية لتشمل دول الخليج التي تستهدفها إيران.
«غلطة الشاطر بألف»، هكذا يقول المثل. ومع تفهّم حاجة أيّ دولة إلى الاستقرار، لم يكن مجديًا الاندفاع وراء العواطف، ولا تغليف ذلك الاندفاع بعنوان عون الأشقاء، أو ربطه بالحديث عن فترة الرئاسة.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
