وسط تطوّر أحداث حرب اليمن والانخراط السعودي فيها، بغضّ النظر عن نطاقه، واصطفاف السعودية إلى جانب الإمارات في دعم قوّات الشرعية، بعد تباين بشأن الجهات التي يدعمها كلّ منهما على الأرض اليمنية، سنقفز فوق التفاصيل ونفكّر في إطار سعينا إلى الإجابة عن تساؤل حول التقدّم السريع لقوّات الشرعية ضدّ الحوثيين: هل يمكن أن نستشرف أمرًا ما، في ضوء قوّة تمركز الحوثيين، إزاء هذا التقدّم الذي شكّلت فيه قوّات العمالقة المدعومة من الإمارات رأس حربة؟
هل ثمّة ما يتيح فهم إشارات معيّنة، أو ترجيح احتمال من هذا القبيل؟
في سبيل الإجابة عن تساؤل كهذا، لا يمكننا الاكتفاء بالإشارة إلى ما تسرّب عن تفاهمات إماراتية–إيرانية بشأن مضيق هرمز، وربما غيره؛ فالأمر يتعدّى ذلك إلى مخاوف سعودية من أن تكون هذه التفاهمات قد امتدّت إلى الأرض اليمنية، حيث تدعم إيران الحوثيين، وتتحالف السعودية، تحت ضغط الواقع، مع الإمارات، أو العكس.
ويجعلنا تقدّم قوّات العمالقة نستذكر، مرّة أخرى، حديثنا عن وضع الجنوب اليمني، الذي بات رهينة الانتقال بين مشروع وآخر، كلّما سنحت فرصة ما.
لكن هذه التساؤلات تحمل، من جهة أخرى، إشارات تتّصل بالنفي السوري الرسمي لما أوردته تقارير إعلامية بشأن طلب سعودي إرسال قوّات سورية إلى اليمن. وإذا أردنا التعمّق قليلًا في «تفكير افتراضي» عند النظر في طلب كهذا، فقد تدخل حسابات مصلحة الدولة السورية في التخلّص من المقاتلين الأجانب بوصفها عنصرًا فاعلًا في حسم هذه الفكرة، ولا سيما مع الإلحاح الأميركي والأوروبي في هذا الشأن.
لكن الوجه المقابل لهذه الحسابات الافتراضية يتمثّل في أن إرباك الساحة الداخلية السورية، عبر الإخلال بالتوازن بين قوى الفصائل وشقّ صفوفها، ينطوي على خطر استراتيجي. ويتمثّل هذا الخطر في الفرصة التي قد تُتاح لفصائل الداخل التي أغضبتها طريقة تقاسم السلطة، ناهيك عن استعداد الأطراف الخارجية، ولا سيما إيران وحلفائها، لاستغلال ذلك، مستفيدةً، في هذه الحالة، من الأقليات السورية وبقايا النظام السابق.
وثمّة ضلع ثالث أشدّ خطورة من سابقيه، يستند إلى فكرة أن حشد قوّة كهذه، تضمّ مقاتلين من أعراق مختلفة، «متطوّعين نفترض أنهم غير رسميين»، قد يغري الحوثيين، ومن ورائهم إيران، باستمالتهم للوقوف في صفّها. لكن هذا الاصطفاف لن يكون في مواجهة السعودية وحدها.
أما دخول قطر على الساحة اللبنانية، ربما لتفادي أسوأ الاحتمالات وفقًا لتصريحات أميرها، وهو دخول ترسم ملامحه الجديدة زيارة رئيس وزرائها إلى لبنان، حيث سيلتقي الرؤساء الثلاثة، في ظلّ تراجع الدعم السعودي بفعل الحرب، فلن يعفيها من تحمّل أعبائها في سوريا. فعلى الرغم من توجّه الاهتمام القطري نحو مسألة الجنوب اللبناني وتفعيل اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان، ستصبح العلاقة مع سوريا، وما يتبعها من حركة على الساحة السورية ذاتها، ضمن مسؤولية قطر المباشرة. ويعني ذلك مزيدًا من التهديد باستهداف قطر في حال الاشتباك مع حزب الله، بما يفضي إلى «دمج عسكري» لساحتَي لبنان وسوريا.
وأمام هذه العناصر، التي ستدفع السعودية إلى تقليص ثقل نفوذها في سوريا ولبنان لصالح التركيز على أمنها الداخلي، ستُترك الساحة «الشامية» ضعيفة، في ظلّ مسعى تركي خجول لدرء الخطر عن مناطق النفوذ التركي وحماية الاتفاق مع السعودية، أي «اتفاق مكة». وربما سعى الجانب التركي، في هذا السياق، إلى الزجّ بالكرد في اليمن بطريقة غير رسمية. وهي إشارات يمكن التقاطها من اجتماع وزير الخارجية السوري بنظيره التركي ومدير الاستخبارات التركية، بالإضافة إلى توم براك، في أنقرة، في خطوة يبدو أن الولايات المتحدة وتركيا تريدان من خلالها «تجريب» كيفية التعامل السوري مع الصراع مع الحوثيين، قبل التعامل مع حزب الله.
ومع تداخل جميع العناصر السابقة، ستجد إيران مجالًا رحبًا لاستخدام «تشكيلاتها الجديدة» في تلك البقاع الشامية، حيث سيشكّل الجنوبان السوري واللبناني مساحة من التراخي، في ظلّ توجّه الدروز إلى الصدام مع الإدارة السورية، ودخول بقية القوى في الجنوب السوري في نزاع معها بشأن تقاسم السلطة، فضلًا عن أهمية هاتين الجبهتين بوصفهما موقعًا للضغط الإيراني على إسرائيل والولايات المتحدة.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
