وحدة ساحات مضادّة يقودها العراق

على وقع توجيهات خامنئي بتوسيع أهداف الردّ على أيّ هجوم جديد، بما يعزّز فكرة وحدة الساحات الإيرانية، بدأت فكرة مضادّة تطفو على سطح العمليات الناعمة بين واشنطن وطهران. وتتجلّى إحدى صور هذا الردّ المضادّ في جولة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي حطّ في دمشق عائداً من الأردن، وسط ترقّب لزيارة إلى لبنان لم تتأكّد بعد، وإن كانت قد سبقتها ترتيبات في أطر عدّة.

لا يلفت نظرنا عادةً توطيد العلاقات الاقتصادية وآفاق التعاون بين بلاد الزيدي وغيرها، ولا تبرّعه بمبلغ عشرة ملايين دولار، لنسأله من أين جاءت هذه الأموال حتى يسهل عليه قذفها في «هواء لا يهواه»، وإن كان يملك حقّاً عشرة مليارات أخرى. لكن ما يستوقفنا هو ظروف هذه الزيارات، التي لا تحيد قيد أنملة عن مراقبة توم برّاك، وما يرافقها من توجيهات لا مجال للشكّ في صدورها عن واشنطن إلى لاعبيها الجدد في المنطقة.

في قراءتنا لمشهد العجز العسكري الأمريكي عن تطويع الشارع الإيراني، برزت، على ما يبدو، فكرة عملية ديناميكية تتلخّص في فتح جبهة «وحدة ساحات أمريكية». وتقوم هذه الفكرة على المزج بين شيعة العراق وسوريا ولبنان، وكذلك سنّة هذه الدول ومن سار في مواكبها. وتمازج كهذا يفضي، تحت ستار التعاون الاقتصادي، إلى ولادة واقع جديد يحوّل المشهد باتجاه اعتماد طريقة أكثر فاعلية في تفتيت «الصلب الإيراني في أرض العدو»، عبر محاور عدّة، منها:

أوّلاً: منح الحكومة العراقية مرونةً في استمالة الفصائل الموالية لإيران وإذابتها في «محلول» يفكّك الخنق الاقتصادي. وربّما كان تأثير مضيق هرمز في تصدير النفط العراقي أحد عناصر الاستغلال الأمريكي للأزمة، علاوةً على الإيعاز بإغلاق المعابر مع إيران شيئاً فشيئاً. ويُضاف إلى هذا وذاك ضغط العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

ثانياً: طالما أن الأمر انتهى إلى هذه الصورة من الضيق، فإنه يحتاج إلى متنفس اقتصادي يمكن للفصائل أن تتفلّت عبره، من خلال مشاريعها الاقتصادية التي أُتيحت في إطار التعاون الاقتصادي مع سوريا وغيرها، ولا سيما مع ارتباط هذه الفصائل بمثيلاتها في سوريا ولبنان. وهذا ما يضمن سلاسة سير الحكومة العراقية مع إطارها التنسيقي، ويعني انكشافاً كاملاً لهذه الفصائل في تلك الدول، على الأقلّ أمام الاستخبارات الأمريكية، بما يسمح باختراقها واختراق طرق الإمداد الإيرانية المرتبطة بها، ناهيك عن «إذابة جمود تكتّلاتها الصلبة في مواقعها التي تمنع اختراقات كهذه».

ثالثاً: بما أن هذه الخطّة قابلة للتطبيق على وجوه عدّة، بمعنى أن ما قيل في شأن العراق ينطبق على سوريا ولبنان وغيرهما، فهذا يعني، بالضرورة، تفتيتاً مقابلاً في الجهة السنّية، بما أن غالبية الفصائل الموالية لإيران تنتمي إلى الطائفة الشيعية. وبهذا، تتوزّع الكتلتان بطريقة يصعب معها على أيٍّ منهما التحصّن باتحاد ما، مهما كان دافعه، كما يصعب، في الوقت نفسه، تحالف هاتين الطائفتين، ولو على مستوى محدود، كتحالف حزب الله مع غيره، على سبيل المثال.

انتبهوا هنا إلى أننا، ونحن نتحدّث عن هذا، نلمح بأعيننا قلق واشنطن من حركة تركية نشطة في كلا الاتجاهين، لا تروق لها، وإن أبدت غير ذلك. ولا تصرفوا انتباهكم عن حلقة الوصل: توم برّاك.

بهذه الوصفة الجديدة، يمكن للشيعة في أرض العراق القضاء على السنّة فيها، أو التخلّص منهم، أو السيطرة عليهم، أو رصدهم على الأقلّ، وكذلك الشيعة من غير الموالين لهم. والعكس صحيح أيضاً، وما يجري في العراق يجري في سوريا ولبنان وغيرهما.

إذاً، نحن أمام توكيل جانب بالقضاء على آخر في أرضه هو، أي أرض الوكيل، وما يتبع ذلك من «فوضى الالتحام». وبهذه الطريقة، يمكن لواشنطن تلافي الفشل في خيار الاعتماد على دخول سوري إلى لبنان والعراق للتخلّص من ميليشيات موالية لإيران.

أخيراً، لن تروق لعبة كهذه لتركيا، التي تخشى تكتّلات شيعية في مناطق نفوذها العسكري والاقتصادي، تهدّد مصالحها، بل تتجاوز ذلك حين تشكّل خطراً استراتيجياً تتمثّل أبسط صوره في تحالف كردي مع هذه الكتل، تقوده مصالح ستُفرزها المرحلة المقبلة.

ومرّة أخرى، نؤكّد أن الجنوب السوري سيكون عقدة وصل بين كل تناقضات العصر، ولا سيما مع إفساح المشهد المجال لولادة شيعية جديدة، تتحوّل فيها نقاط الضعف إلى عناصر قوّة.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.