مع إقرارنا بأن الفائدة العملية للأمم المتحدة تكمن في تأمين وظائف رفيعة المستوى، يكفي راتب أحد شاغليها لإطعام مخيم كامل من أولئك الذين تزعم المنظمة حمايتهم، من الجرحى والمرضى والجوعى والمضطهدين وغيرهم، ممن أوصلتهم سطوة ممثلي بعض الدول على شؤون الحكم في بلدانهم إلى ما وصلوا إليه، من دون أن تقدم لهم المنظمة الأممية سوى الاعتذار بعدم الاختصاص في كل مرة تأكلهم فيها «كلاب الظلم»؛ فإن دولة كالولايات المتحدة لن تفوّت فرصة اجتماع الجمعية العامة، في ظل ظرف متأزم كالذي تمر به إدارة ترمب، من دون أن تقلّب عوامل المكر تحت مقاعد الحاضرين، ولا سيما في ما يتعلق بأزمة الشرق الأوسط التي ستطغى على المشهد.
وفي خضم الصراع بين الولايات المتحدة وفرنسا بشأن دور الأخيرة في المنطقة، تسعى واشنطن إلى تحييد أي قوة تحول دون تحكّم «مكائد» ترمب في التهور الإسرائيلي، وإلى توليف تحركاته باتجاه التأثير في الأحداث وفقاً لتكتيك «التعاكس». وقد برزت هذه الحاجة بصورة أوضح بعد الموقف الفرنسي، الذي شاركت فيه بريطانيا وألمانيا وكندا، بشأن مستوطنات الضفة الغربية التي من شأنها عرقلة الحديث عن إقامة دولة فلسطينية.
ويضاف إلى ذلك ملف قوات «اليونيفيل»، أو القوة التي ستحل محلها في لبنان، إلى جانب تصاعد التوتر في اليمن والسودان، حيث تُتهم الولايات المتحدة بالانحياز إلى جانب قوات الدعم السريع. ويرى ترمب أن اتخاذ إجراء وقائي حيال مخاوف كهذه، قبل أن تبلغ حد المواجهة بين واشنطن والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بات أمراً ملحاً.
وكان واضحاً، من تصرفات ترمب السابقة لهذا التشكيل، اهتمامه بمحاولة إلهاء إيران بطريقة لا تستطيع الانتباه إليها كما كانت تفعل في السابق. فمن صفقة «إف-35» مع السعودية، وما رافقها من تسريبات بشأن صفقة مع رئيس الوزراء العراقي تتعلق بتفاهم بين الأخير والفصائل التابعة لإيران، يقضي بعدم تسليم سلاحها في مقابل تعهد بعدم استهداف المصالح الأميركية، يبدو أن اللقاء الثاني للزيدي بترمب، على هامش اجتماعات هذه الدورة، سيكون درة تاج هذه التفاصيل.
وليست هذه الشواهد وحيدة. فها هو منع الوفد الفلسطيني من دخول الولايات المتحدة للمرة الثانية يقدم مثالاً آخر، تظهر أهميته عند مقارنته بالسماح لعدد محدود من أعضاء الوفد الإيراني بالحضور، ضمن قيود مشددة.
وهذا يعني أن ترمب أراد قطع الطريق على تسليط الضوء على إسرائيل، أو توجيهه نحوها، وما ينبغي عليها فعله، والاستدارة بدلاً من ذلك نحو إيران وما تفرضه عليها التزاماتها الدولية. وعند هذه المسألة، يمكن تفسير زيارة نتنياهو القصيرة.
لكن ترمب لا يريد لهذا الانتشار أن يطفو على سطح أثير اجتماعات المنظمة الدولية، حتى يسهل عليه تمرير أزمة تجاوز مأزق المضيقين، وما تقتضيه هذه الأزمة من تراجع أمام مصالح دول العالم الذي اختنق فيها، أو كاد يفعل.
ويريد ترمب أن يجمع «رأسين على مخدة حِيَله» بين إيران وكل دولة على حدة، ولا سيما دول المنطقة التي أرعبها، من جهة، بتصريحاته الأخيرة بشأن ضرب إيران، في الوقت نفسه الذي منحها فيه أملاً بانتهاء الحرب، مع الإيحاء بأن إيران ترغب في الاتفاق معه وفق شروطه، لا وفق شروطها التي أكدها قاليباف.
لكن هذه النهاية ستكون «مدعومة، وستسير حتماً تحت مظلة واشنطن»، حتى إن تحققت من خلال وساطات ثنائية أو جماعية؛ إذ إنها ستعفي ترمب من الصدام مع الأمم المتحدة، بوصفها منظمة، ومع أعضائها، وكذلك مع دول العالم، ولا سيما بعد غضبه من دول أوروبا بسبب رغبتها في أن تصبح كندا عضواً منتسباً، وهو ما اعتبره ترمب عملاً عدائياً هدّد على أثره بفرض عقوبات.
ويضمن ترمب، من خلال هذه التفاهمات الثنائية، عزل نفسه عن متاعب جديدة لن يكون في وسعه تحمّلها فوق متاعب الداخل وضغوط الأسعار، التي أخذ يلوّح، من أجل خفضها، باتخاذ إجراءات حاسمة قريباً.
وبالعودة إلى مساعي ترمب لإلهاء إيران، ومعها العالم، ترى قراءتنا العسكرية أن قطع إجازته بصورة مفاجئة قد لا يكون بعيداً من هدف كهذا. وقد تكون حيلة «مؤشر البيتزا» فاعلة في إحداث «خضّة إيرانية – خليجية – عالمية» في هذا الشأن، يستطيع من خلالها الحصول على رد فعل سريع من أطراف عدة، يأتي في مقدمها، بطبيعة الحال، التحرك العسكري الإيراني.
وينبغي لهذا التحرك، وفقاً للخطة، أن يقع في سقطة تسمح للجيش الأميركي بالتسلل عبر «صدفة» لطالما انتظر حلولها فجأة، بغية تنفيذ انقضاض حاسم.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
