هل تحوّلت وزارة الصحة إلى بوابة لتسليم المرافق الحكومية للجمعيات الخاصة؟

خاص «بيروت 2030»

من مستوصفات حكومية تُسلَّم لجمعيات خاصة، إلى مبانٍ وهبات ومشاريع داخل المستشفيات الحكومية… أيّ شراكة هذه؟ وأين تنتهي صلاحيات وزير الصحة وتبدأ صلاحيات المؤسسات والجهات الرقابية؟

في وزارة الصحة العامة، يبدو أن مفهوم «الشراكة بين القطاعين العام والخاص» أصبح حاضرًا لتبرير مشاريع وتعاقدات تستحق التدقيق القانوني والمالي والإداري. لكن هل كل تعاون مع جمعية أو جهة خاصة يُعدّ شراكة بالمعنى القانوني؟ وهل يملك وزير الصحة صلاحية وضع مرفق صحي حكومي تحت إدارة جمعية خاصة بمجرد الاستناد إلى مرسوم أو إطلاق صفة الشراكة على المشروع؟

هذه الأسئلة تفرضها ملفات تستحق كشف تفاصيلها أمام الرأي العام.

مرسوم 2006… تعاون محدود أم تفويض مفتوح؟

في 26 كانون الأول 2006، صدر مرسوم «تنظيم العلاقة بين وزارة الصحة العامة والجهات المدنية المعنية بالرعاية الصحية الأولية»، ونُشر في الجريدة الرسمية في 8 شباط 2007.

وتجيز المادة الأولى التعاون مع البلديات والمؤسسات الأهلية غير الهادفة للربح لتأمين خدمات الرعاية الصحية الأولية عبر المراكز التابعة للوزارة، على أن تُحدَّد مسؤوليات الأطراف بموجب عقد. كما تجيز المادة الثانية التعاقد مع مستوصفات أهلية أو حكومية قائمة لتعميم خدمات الرعاية الأولية، فيما تحدّد المادة الثالثة طبيعة الدعم الذي تقدّمه الوزارة، من دعم تقني ولوجستي وأدوية متوافرة، مع أحكام خاصة بالخدمات الاستشفائية. أما المادة الرابعة، فتعطي البلديات أولوية في التعاقد.

لكن ما يجب التوقف عنده هو أن المرسوم ينظّم التعاون في مجال الرعاية الصحية الأولية، ولا يتضمّن تفويضًا عامًا للوزير بتسليم المرافق الصحية الحكومية إلى جمعيات خاصة أو التصرف بها من دون مراعاة ملكيتها وحقوق العاملين فيها والموافقات القانونية المطلوبة.

هناك فرق بين التعاقد مع مستوصف أهلي قائم لتقديم خدمات صحية، وبين وضع مستوصف حكومي تحت إدارة جمعية خاصة وتشغيلها. فهل أصبح مرسوم تنظيم التعاون في الرعاية الصحية الأولية غطاءً قانونيًا لعمليات تتجاوز الغاية التي صدر من أجلها؟

مستوصفا الطمليس وطرابلس… سابقة تستحق المساءلة

سبق أن تناولت صحيفة «نداء الوطن»، في تحقيق نشرته بتاريخ 25 نيسان 2024، ملف تلزيم مستوصفَي الطمليس في بيروت وطرابلس إلى جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية، برئاسة أحمد هاشمية، خلال ولاية الوزير السابق فراس الأبيض.

وبحسب التحقيق، جرى التعاقد بالتراضي من دون استدراج عروض، فيما وُزِّع موظفو المستوصفين على وزارة الصحة العامة والمراكز التابعة لها. كما أشار التحقيق إلى كتاب وجّهته هيئة الشراء العام إلى وزارة الصحة بتاريخ 9 أيار 2023، طالبت فيه بتوضيح أسباب عدم الإعلان عن اتفاقية التعاون، وتزويدها بالسند القانوني والمستندات المتعلقة بالعقد.

وردّت الوزارة، وفق ما أورده التحقيق، بتاريخ 4 آذار 2024، مستندةً إلى مرسوم صادر عام 2006.

كذلك، طُرحت تساؤلات حول مدة الإدارة التي قيل إنها وصلت إلى 25 عامًا، وملكية العقارات، ومصير الموظفين، وطبيعة التصرف بالأدوية والتجهيزات.

لكن الأخطر من ذلك ما آلت إليه متابعة هيئة الشراء العام لهذا الملف. فبعد تداول معلومات عن اجتماع عُقد بين وزير الصحة فراس الأبيض ورئيس الهيئة جان العلية، ومعلومات أخرى عن تدخّل مستشار الوزير واجتماعه بالعلية، انتهى الأمر، بحسب ما توافر من معطيات، إلى تنصّل الهيئة من مسؤوليتها، واعتبار الملف خارج نطاق صلاحياتها، وإحالة المتضررين إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم!

وهنا يبرز السؤال: هل يجوز لهيئة الشراء العام أن تتنصّل من دورها الرقابي، وتُلقي بعبء الملاحقة على عاتق المتضررين وحدهم؟

إن القضية لا تخصّ مجموعة من الموظفين أو المتضررين فحسب، بل تمسّ المال العام وحقوق جميع اللبنانيين. فالمواطنون هم أصحاب المصلحة في معرفة كيفية إدارة المرافق الصحية العامة، وكيفية التصرف بأموالها وأدويتها وتجهيزاتها، وما إذا كانت الاتفاقيات المبرمة قد احترمت القوانين المرعية الإجراء.

والأخطر أن غالبية المواطنين لا تعلم أصلًا بوجود هذه الاتفاقيات، ولا بطبيعة المخالفات المثارة حولها، فيما يُترك للمتضررين وحدهم عبء اللجوء إلى القضاء وتحمّل أعباء التقاضي وتكاليفه، في بلد بات فيه المواطن عاجزًا عن تأمين لقمة عيشه. فكيف يُطلب منه أن يدفع من جيبه أيضًا كلفة المطالبة بحقوقه؟

فهل أصبحت الرقابة مسؤولية المتضرر، فيما تتنصّل الجهات الرقابية من واجبها؟ وهل المطلوب أن يدفع المواطن من جيبه ثمن ملاحقة مخالفات يُفترض أن تكشفها أجهزة الرقابة وتُحاسب عليها؟

قانون الشراكة 48/2017… ليس تفويضًا مفتوحًا للوزير

صدر القانون رقم 48 بتاريخ 7 أيلول 2017 لتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ووضع إطارًا قانونيًا ومؤسساتيًا للمشاريع المشتركة.

وتعرّف المادة الأولى المشروع المشترك بأنه مشروع ذو منفعة عامة يساهم فيه القطاع الخاص عن طريق التمويل والإدارة، إضافة إلى عملية واحدة على الأقل من عمليات التصميم أو الإنشاء أو التطوير أو التجهيز أو الصيانة أو التأهيل أو التشغيل. كما تعرّف الشريك الخاص بأنه شركة أو تكتّل شركات من القطاع الخاص يفوز بعقد الشراكة.

وبالتالي، فإن مجرد تقديم جمعيةٍ مساعدةً، أو مساهمة جهة خاصة في مشروع حكومي، لا يحوّل المشروع تلقائيًا إلى شراكة قانونية وفق هذا القانون.

فالقانون يفرض مسارًا مؤسساتيًا يبدأ باقتراح المشروع ودراسته، مرورًا بموافقة المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة وإعداد الدراسات الفنية والاقتصادية والقانونية والمالية، وصولًا إلى اختيار الشريك الخاص وفق مبادئ الشفافية والمنافسة والعلنية، وإبرام عقد يحدّد حقوق الأطراف والتزاماتهم وآليات الرقابة.

والأهم أن القانون رقم 48/2017 عُدّل بموجب القانون رقم 31، الصادر بتاريخ 5 كانون الثاني 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 كانون الثاني 2026، بما أدخل تعديلات على آليات دراسة المشاريع واختيار الشريك الخاص والرقابة عليها.

كما تنظّم المادة 13 وضع العقارات العائدة للشخص العام بتصرّف شركة المشروع عند الحاجة، طوال مدة عقد الشراكة، وفق الضوابط القانونية.

إذًا، أين الدراسات والموافقات وقرارات المجلس والعقود عندما تتحدث وزارة الصحة عن الشراكة؟ وهل المشاريع التي يجري تقديمها إعلاميًا تحت هذا العنوان خضعت فعلًا للقانون 48/2017، أم أن كلمة الشراكة تُستخدم لتبرير عمليات مختلفة قانونيًا؟

مستشفى بعلبك الحكومي… وهبة آل السبلاني تعيد فتح الملف

خلال رعايته افتتاح «مركز أركان وهند السبلاني الطبي» ومركز تمييل القلب في مستشفى بعلبك الحكومي، تحدث وزير الصحة ركان ناصر الدين عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص والجمعيات، معتبرًا أنها من المسارات المعتمدة لتطوير المستشفيات الحكومية في ظل محدودية الإمكانات المالية.

وشكر الأستاذ أركان السبلاني وعائلته على الهبة، ومؤسسة رينيه معوض على دعمها. لكن اللافت كان تصريح مدير المستشفى، الدكتور عباس شكر، الذي قال: «عندما قدمنا إلى الوزارة لقبول هبة إعمار المبنى، كان الدكتور حمد حينها وزيرًا».

وهذه العبارة تفتح الباب أمام أسئلة جوهرية: ما القرار الذي صدر بشأن قبول الهبة؟ ومتى صدر؟ وما الجهة التي وافقت عليها؟ وهل استُحصل على الموافقات المطلوبة؟ وهل سُجّلت الهبة وقُدّرت قيمتها ومكوّناتها في قيود المستشفى؟ وما الدور القانوني والتعاقدي الذي أدّته مؤسسة رينيه معوض في الإشراف على تنفيذ المشروع؟ والأهم: هل اقتصرت العملية على هبة لإعمار مبنى وتجهيزه لمصلحة المستشفى الحكومي، أم تضمّنت اتفاقيات تتعلق بالإدارة أو التشغيل أو الانتفاع أو الإيرادات؟

هنا يجب التمييز بين الهبة والشراكة. فالهبة تخضع لقواعد القبول والموافقات والتسجيل والمحاسبة الخاصة بالجهة المستفيدة، ولا تتحوّل إلى مشروع شراكة وفق القانون 48/2017 لمجرد مساهمة متبرع في إنشاء مبنى أو تجهيز قسم طبي. أما إذا تضمّنت الاتفاقيات تمويلًا وإدارةً وتشغيلًا وفق عناصر المشروع المشترك، فيجب التحقق من خضوعها للإجراءات القانونية المطلوبة.

من يحاسب الوزراء المتعاقبين؟

المسألة لا تتعلق بوزير واحد.

فالوزير السابق حمد حسن كان في موقع المسؤولية عندما تقدّمت إدارة مستشفى بعلبك بطلب قبول هبة إعمار المبنى، وفق تصريح مدير المستشفى.

والوزير السابق فراس الأبيض ارتبط اسمه بملف مستوصفَي الطمليس وطرابلس الذي تناولته الصحافة.

أما الوزير الحالي ركان ناصر الدين، فقد تحدث صراحةً عن اعتماد الشراكة مع القطاع الخاص والجمعيات لتطوير المستشفيات الحكومية.

وبالتالي، فإن المطلوب ليس تبادل الاتهامات السياسية، بل كشف المسار القانوني والإداري والمالي لكل مشروع، ومحاسبة أي جهة يثبت تجاوزها لصلاحياتها أو مخالفتها للقوانين.

نريد المستندات لا التصريحات

بناءً على ما تقدّم، نطالب وزارة الصحة وإدارات المستشفيات المعنية بنشر:

في ملف المستوصفات الحكومية:
– العقود والاتفاقيات الموقّعة مع الجمعيات الخاصة لإدارة المستوصفات وتشغيلها.
– القرارات الوزارية والسند القانوني المعتمد.
– الموافقات القانونية والرقابية.
– أسماء الجمعيات والمستوصفات ومدة كل عقد.
– تفاصيل الرواتب والإيجارات والأدوية والتجهيزات ومصادر تمويل التشغيل.

في ملف مستشفى بعلبك وهبة آل السبلاني:
– طلب قبول الهبة وقرار الموافقة عليه وتاريخه والجهة التي أصدرته.
– موافقات مجلس الإدارة وسلطة الوصاية وفق الأصول.
– قيمة الهبة وآلية تخمينها وتسجيلها.
– الاتفاقيات مع المتبرعين ومؤسسة رينيه معوض.
– تحديد ملكية المبنى والتجهيزات وأي حقوق تتعلق بالإدارة والتشغيل والانتفاع والإيرادات.

في ملف الشراكة:
– لائحة المشاريع الصحية التي أُدرجت فعليًا ضمن القانون 48/2017.
– الدراسات الأولية ودراسات الجدوى والمخاطر المالية.
– قرارات المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة.
– دفاتر الشروط وإجراءات اختيار الشركاء.
– العقود وآليات الرقابة والتنفيذ.

كما نطالب هيئة الشراء العام وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي والأجهزة الرقابية الأخرى، كلًّا ضمن اختصاصه، بتوضيح موقفه والتحقق من سلامة الإجراءات وحماية المال العام. هل أصبحت الشراكة بديلًا عن القانون؟

لا أحد يعترض على دعم المستشفيات الحكومية أو المبادرات الخيرية التي تخفّف الأعباء عن المرضى، ولا على التعاون مع القطاع الخاص عندما يكون منظّمًا وفق القانون ويحقّق المصلحة العامة.

لكن لا يجوز أن تتحوّل الشراكة إلى كلمة مطّاطة تبرّر تسليم المرافق العامة، أو أن يتحوّل مرسوم لتنظيم الرعاية الصحية الأولية إلى تفويض مفتوح للتصرف بالمستوصفات الحكومية، أو أن تُعامل الهبات وكأنها مشاريع شراكة من دون تحديد طبيعتها القانونية.

المرفق العام ليس ملكًا للوزير، والمستوصف الحكومي ليس هبةً لجمعية، والمستشفى الحكومي ليس مساحةً لتوزيع الامتيازات.

من حق المواطنين أن يعرفوا من يدير مرافقهم الصحية، ومن يملك حق الانتفاع بها، ومن يراقب الأموال والتجهيزات والأدوية، ومن يتحمّل المسؤولية عندما تُتخذ قرارات تمسّ ملكية الدولة وحقوق الناس.

فإذا كانت الإجراءات قانونية، فلتنشر الوزارة المستندات وتضعها أمام الرأي العام. أما الاكتفاء بترداد عبارة «الشراكة بين القطاعين العام والخاص»، فلا يشكّل جوابًا قانونيًا عن الأسئلة المطروحة.

الشراكة لا تعني تجاوز القانون، والهبة لا تعني إسقاط الرقابة، والسلطة الوزارية لا تعني ملكية المرافق العامة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.