الانتخابات النصفية الأميركية: صفعة مدوّية لولاية ترامب الثانية

عن الصحافة الغربية

عادةً ما تحقّق الأحزاب الموجودة خارج السلطة نتائج جيدة في انتخابات التجديد النصفي، لكن ما حدث هذه المرة تجاوز ذلك. فالتصويت الذي منح الديمقراطيين سيطرة راسخة على مجلسَي الشيوخ والنواب كان، أولًا وقبل كل شيء، رسالة رفض لدونالد ترامب ولما أفرزته ولايته الثانية: ارتفاع الأسعار بفعل الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، وفساد غير مسبوق، وقسوة في التعامل مع المهاجرين الموجودين أصلًا في البلاد، والقائمة تطول.

لقد بدا ترامب، على نحو متزايد، منفصلًا عن الواقع، يتحدث عن قاعة احتفالاته وحوض المياه العاكس بدلًا من الانشغال بهموم الأميركيين العاديين. وبعد عقد من الزمن، فقد أسلوبه الاستعراضي بريقه. والحال أن ترامب طلب من الناخبين أن يتصرّفوا كما لو كان اسمه مدرجًا على ورقة الاقتراع، ففعلوا. لم يحقّق الرجل تغيير النظام في إيران، لكنه اقترب من تحقيقه في بلاده.

بيد أن ترامب لم يكن الخاسر الوحيد. فقد أنفق إيلون ماسك مئات الملايين من الدولارات من دون أن يحقّق ما يُظهر جدوى هذا الإنفاق. كذلك، أخفق الجمهوريون الذين دفعوا على مستوى الولايات باتجاه إعادة رسم الدوائر الانتخابية بصورة تخدم مصالحهم الحزبية. ولم تتمكن لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية، المعروفة بـ«أيباك»، من إلحاق الهزيمة بمرشحين ينتقدون السياسات الإسرائيلية. بينما ستضطر إسرائيل إلى التعامل مع كونغرس أقلّ دعمًا لها، وأقلّ استعدادًا لغضّ النظر عمّا تفعله في غزة والضفة الغربية. وخسر بيبي نتنياهو هو الآخر؛ إذ تحوّلت علاقته بترامب، بين ليلة وضحاها، إلى عبء أكثر منها مصدر قوة.

بالنسبة للفائزين، أبدأ بالبلاد نفسها، بمعنى أن الانتصار الكاسح جنّبنا أزمة سياسية عميقة وممتدة كان يمكن أن تعقب انتخابات متقاربة النتائج لا تُقبَل حصيلتها. وفازت البلاد أيضًا بمعنى أوسع، تمثّل في إضعاف حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» (ماغا) وقبضتها على الحزب الجمهوري، وإحياء التنافس السياسي بين الحزبين، بما سيُجبر السياسيين على الالتفات إلى الوسط، بدلًا من الاكتفاء بمخاطبة الأطراف الأكثر تطرّفًا في كلٍّ من معسكرَيهما. وإذ جاء ردّ فعل الأسواق الأولي إيجابيًا، يوحي ذلك برغبة واسعة في توزيع السيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية بين الحزبين.

بدورهم، خرج الديمقراطيون منتصرين بفضل التزامهم برسالتهم الانتخابية وتركيزهم على قدرة الناس على تحمّل تكاليف المعيشة. والسؤال الحاسم يتمحور حول ما سيفعلونه الآن. هل يستطيعون تجنّب الإفراط في استثمار انتصارهم (بالامتناع عن الدفع نحو عزل الرئيس، أو فتح الحدود، أو فرض متطلبات التنوع والإنصاف والشمول، أو زيادة عدد مقاعد المحاكم لتغيير توازناتها، أو فرض ضرائب على الثروة)، والعمل بدلًا من ذلك على بلورة سياسات بديلة جادّة في مجالات الرعاية الصحية، والتجارة، والهجرة، والذكاء الاصطناعي، والدَّين، وتمويل الحملات الانتخابية، والطاقة والمناخ؟

تنتظر القيادة الديمقراطية في الكونغرس مهمة شاقة، وإن كان اتساع حجم الانتصار يساعدها في ذلك، لما يترتب عليه من إضعاف قدرة اليسار الراديكالي على ممارسة الضغط والمساومة.

أما بالنسبة إلى الجمهوريين، فالسؤال هو كيف سيتعاملون مع هزيمتهم الساحقة: هل سيعود الحزب الجمهوري إلى احتضان تيار يمين الوسط الذي يؤمن باقتصاد السوق، وحكومة محدودة الحجم والتدخل، والفضيلة المدنية، والقيادة الأميركية في العالم؟

فضلًا عن ذلك، تفتح نتائج التجديد النصفي ساحة التنافس على انتخابات عام 2028. في هذا الإطار، يتمتع جيه دي فانس بميزة معارضته الحرب مع إيران، لكنه يحمل في الوقت نفسه عبئًا ثقيلًا يتمثّل في ارتباطه الوثيق بدونالد ترامب. أما ماركو روبيو، فأرجّح أنه يفكّر في استراتيجية لخروجه من الإدارة تمهيدًا لدخول السباق. وأعتقد أيضًا أن شخصية مثل حاكم فرجينيا السابق، غلين يونغكين، الجمهوري المنتمي إلى المؤسسة التقليدية وتيار يمين الوسط، قد تجد أمامها آفاقًا جديدة. أما حاكم فلوريدا، رون ديسانتيس، فقد كاد يعلن ترشّحه ليلة الانتخابات، من خلال هجومه على الفساد في واشنطن والحرب مع إيران.

وأتوقع أن تجعل الخريطة الانتخابية المتغيّرة الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة أكثر جاذبية. فعشرات الطامحين سيختبرون فرصهم في خوض السباق. طبعًا، سيكون هناك وقت لكل ذلك. لكن التركيز الآن ينبغي أن ينصبّ على كبح تجاوزات ولاية ترامب الثانية. فالشعب الأميركي يتطلع إلى تخفيف أعباء تكاليف البنزين، والغذاء، والكهرباء، والسكن، والرعاية الصحية. وينبغي أيضًا أن يكون تقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية لأوكرانيا أولوية بدوره.

كما أن خفض الأسعار سيتطلب إنهاء الحرب مع إيران. هنا، سيكمن التحدي في سبيل تحقيق ذلك بشروط يمكننا قبولها، في ما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان عدم تطوير إيران أسلحة نووية. لكننا لن نجد الحل في جولة جديدة من الضربات العسكرية التي قد تنطوي على خطر تصعيد كارثي، من دون أن تَعِد بنتائج بنّاءة. علمًا بأنه لا بدّ من الاستعداد لاحتمال أن يُصعّد دونالد ترامب (وقد دخل مرحلة تراجُع نفوذه السياسي مع اقتراب نهاية ولايته) انخراطه في حرب اختار خوضها بسوء تقدير، مدفوعًا برغبته في تغيير السردية السياسية وتذكير البلاد والعالم بأنه لا يزال رئيسًا.

لقد تفادت البلاد مأزقًا خطيرًا، لكن شبح المخاطر لا يزال يخيّم عليها.

 

ترجمة بتصرّف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.