هل تراجعت القوة العظمى… أم تغيّر العالم؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

كشفت مجريات الأحداث الدولية خلال السنوات الأخيرة عن انتقال النظام الدولي إلى مرحلة جديدة تتجاوز معادلات الأحادية القطبية التي سادت بعد انتهاء الحرب الباردة؛ إذ لم تعد القوة العظمى قادرة على فرض إرادتها منفردة بالسهولة التي كانت تتمتع بها خلال العقود الماضية.

ولعلّ التحول الأبرز يظهر في المجال العسكري، حيث أثبتت الحروب الحديثة أن التفوق في امتلاك الطائرات والصواريخ العالية الدقة وحاملات الطائرات لا يضمن، بالضرورة، تحقيق النصر السياسي. فقد تستطيع قوة عظمى تدمير جزء كبير من البنية العسكرية لخصمها، لكنها قد تعجز عن إجباره على قبول شروطها، أو عن منعه من مواصلة المناورة. وهذا ما أظهرته الحرب الروسية–الأوكرانية، التي تحوّلت من عملية عسكرية كان يُفترض أن تحقق أهدافاً محددة خلال فترة قصيرة إلى حرب استنزاف طويلة. كما أثبتت هذه الحرب أن القدرة على الصمود اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً قد تكون أكثر أهمية من التفوق في القوة النارية.

كما تكشف المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بدورها، عن تحوّل أكثر عمقاً في طبيعة الحرب. فقد أصبح الطرف الأصغر قادراً على إلحاق أضرار مؤثرة بالطرف الأقوى، باستخدام الصواريخ الباليستية غير الموجّهة والطائرات المسيّرة والأسلحة الأقل كلفة، بما يخلق معادلة غير متوازنة بين الإنفاق والنتائج. فالقوة الكبرى تحتاج إلى منظومات دفاع وهجوم شديدة التعقيد ومرتفعة الكلفة لحماية مصالحها وتحقيق أهدافها، بينما يستطيع خصم أصغر استخدام وسائل أقل كلفة بكثير لفرض تكلفة استراتيجية مرتفعة عليها، والتأثير في ميزان القوى الدولي.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات الحروب المقبلة؛ فلم تعد المسألة مرتبطة فقط بمَن يملك السلاح الأقوى، بل بمَن يستطيع إنتاج المعادلة الأكثر كفاءة بين الكلفة والنتيجة. فالطائرة المسيّرة، التي لا تتجاوز كلفتها جزءاً محدوداً من كلفة صاروخ دفاعي متطور أو منظومة اعتراض متقدمة، تستطيع، في ظروف معيّنة، إجبار خصمها على إنفاق أضعاف ما أنفقه الطرف المهاجم. ومع التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي، ستصبح هذه المعادلة أكثر تعقيداً؛ إذ ستتيح التقنيات الحديثة للقوى الأصغر تحسين قدراتها في مجالات الاستطلاع والاستهداف وإدارة العمليات، وتقليص الفجوة بينها وبين الجيوش التقليدية الكبرى.

ومن هنا يمكن فهم كيفية تحوّل ساحات المواجهة من مجرد ميادين عسكرية إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي. ففي الحالة الإيرانية، لم تكن الحسابات مرتبطة فقط بحجم الضربات التي تعرضت لها المنشآت أو القوات العسكرية، بل أيضاً بقدرة طهران على إدارة مرحلة ما بعد الضربة، واستخدام أدوات الضغط المتاحة لها، بما في ذلك الصواريخ والمسيّرات والموقع الجغرافي وأمن الطاقة والممرات البحرية. وهذا ما يجعل مضيق هرمز، على سبيل المثال، جزءًا من معادلة التفاوض، لا مجرد ممر جغرافي.

وهذا يعني أن مفهوم القوة الشاملة للدولة يشهد إعادة تعريف. فلم تعد القوة تُقاس بعدد الجنود أو الطائرات أو حاملات الطائرات فحسب، بل أصبحت مزيجاً من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والجغرافية، إلى جانب القدرة على تحمّل الضغوط وإدارة الأزمات وبناء الشراكات.

وفي هذا السياق، تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها المختبر الأكثر وضوحاً لهذا التحول. فهي لا تضم مصادر الطاقة وممرات التجارة العالمية فحسب، بل تحتوي أيضاً على ممرات ونقاط بحرية استراتيجية يمكن أن تؤثر في الاقتصاد الدولي بأكمله. ولذلك، لم تعد النزاعات فيها شأناً إقليمياً محدوداً، بل أصبحت قادرة على التأثير في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والاستقرار العالمي.

لكن الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب يفتح الباب أمام سباق تسلّح وتنافس أكثر خطورة، خصوصاً في ظل ضعف المؤسسات الدولية وعجز مجلس الأمن عن التعامل بفاعلية مع كثير من الأزمات الكبرى. ومع غياب قواعد واضحة لإدارة هذا التنافس، قد تتحوّل الحروب بالوكالة والمواجهات غير المباشرة إلى صدامات مباشرة يصعب احتواؤها.

لذلك، فإن العالم لا ينتقل ببساطة من نظام تهيمن عليه قوة واحدة إلى نظام تهيمن عليه قوى متعددة، بل ينتقل إلى مرحلة تصبح فيها القوة نفسها أكثر انتشاراً وأقل احتكاراً. فالدولة الكبرى لا تزال قادرة على إحداث دمار هائل، لكنها لم تعد قادرة، بالضرورة، على التحكّم في النتائج السياسية للحرب. وفي المقابل، تستطيع القوى الأصغر استخدام التكنولوجيا والجغرافيا والاقتصاد والممرات البحرية والتحالفات لإجبار خصومها الأقوى على إعادة حساباتهم.

هذه هي المعادلة الجديدة التي ستحدّد شكل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة؛ فالقوة لم تعد احتكاراً، والتفوق العسكري لم يعد ضماناً للنصر. ومَن يمتلك القدرة على فرض تكلفة مرتفعة على خصمه يستطيع، حتى وإن كان أصغر حجماً، أن يكون شريكاً في صناعة القرار الدولي.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.