في مذكراته “العم تنغستن” (Uncle Tungsten)، وصف طبيب الأعصاب البريطاني، أوليفر ساكس، حادثتي قصف تعودان إلى طفولته خلال الغارات الألمانية على بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
تعلقت الحادثة الأولى بقنبلة سقطت بالقرب من منزل عائلته، لكنها لم تنفجر. أما الحادثة الثانية، فارتبطت بقنبلة حارقة من نوع “ثرمايت” سقطت خلف المنزل، وكان ساكس يتذكرها بتفصيل شديد الوضوح.
بعد بضعة أشهر من صدور الكتاب، تحدث ساكس عن الحادثتين مع شقيقه الأكبر، مايكل. فأكد الأخير صحة الذكرى الأولى. لكن عندما ذكر ساكس حادثة قنبلة الثرمايت، قال له شقيقه: “أنت لم ترها. لم تكن موجودًا هناك أصلًا”.
كان ساكس، في ذلك الوقت، بعيدًا عن المنزل في مدرسة داخلية. وكان شقيقهما الأكبر قد كتب إليهما رسالة مفصلة وحية يصف فيها ما حدث. هنا، يبدو أن ساكس حوّل ذلك الوصف، من دون قصد، إلى ذكرى خاصة به. والأكثر إثارة للاهتمام أنه حتى بعدما عرف الحقيقة، بقيت تلك الذكرى تبدو له واقعية تمامًا.
عندما قرأت هذه القصة، لم أستطع إلا أن أتساءل: ما الذي حدث بالضبط؟ نحن نميل عادة إلى التفكير في الذاكرة وكأنها نظام تسجيل. لكن عندما تستعيد حدثًا من الماضي، فإن دماغنا لا يشغّل تسجيلًا محفوظًا، بل يعيد بناء الحدث انطلاقًا من مجموعة من العناصر المتفرقة: الأشخاص، والأماكن، والأحاسيس، والمشاعر، والمعرفة العامة، وغير ذلك. فالآلية الدماغية نفسها قادرة على تناوُل هذه العناصر وإعادة تركيبها في صورة شيء لم يحدث أصلًا، مثل موقف افتراضي أو فكرة إبداعية.
يطلق العلماء على ذلك اسم “فرضية المحاكاة العرضية البنائية”. ويبدو أن الحُصين، وهو أحد الأجزاء الأساسية في الدماغ المرتبطة بالذاكرة، يؤدي دورًا مهمًا في هذه العملية. فهو يساعد على ربط العناصر المنفصلة من التجربة وتحويلها إلى أحداث متماسكة. كما تظهر الأبحاث أنه ينشط سواء عندما نستعيد تجارب سابقة أو عندما نتخيل أخرى جديدة.
باختصار، فإن تذكّر الماضي وتخيّل الاحتمالات يعتمدان، جزئيًا، على العملية البنائية نفسها: فكلاهما يتضمن جمع شظايا من الخبرات المخزنة وتركيبها في مشهد متماسك. هذه المرونة مفيدة للإبداع، لكنها تفتح أيضًا المجال لحدوث أخطاء في الذاكرة.
فقد يفقد الدماغ، أحيانًا، القدرة على تحديد المصدر الأصلي لمعلومة معيّنة. وقد يصبح شيء تخيلناه مألوفًا أو غنيًا بالتفاصيل إلى درجة أنه يبدو لنا لاحقًا كأنه ذكرى حقيقية. وأثبتت التجارب هذا التأثير مرارًا، بما يُعرف باسم “تضخيم الخيال”، حيث يمكن لمجرد تخيل حدث ما أن يزيد لاحقًا من ثقتنا بأن ذلك الحدث وقع فعلًا.
قد يبدو الأمر وكأنه خلل في عمل الذاكرة، لكن بعض العمليات نفسها قد تكون أيضًا من الآليات الداعمة للإبداع. فقد وجدت دراسات مخبرية وجود ارتباط بين التفكير التباعدي (Divergent Thinking) وبعض أنواع الذكريات الزائفة. واقترح باحثون أن كليهما قد يعتمد، جزئيًا، على ما يُعرف بـالتنشيط الترابطي الواسع، أي القدرة على الوصول إلى المعلومات بمرونة وإعادة تركيبها بطرق جديدة.
هذا لا يعني، بالطبع، أن امتلاك ذاكرة ضعيفة يجعلنا تلقائيًا أشخاصًا أكثر إبداعًا. بل إن بعض الخصائص التي تجعل الذاكرة عرضة للخطأ قد تكون هي نفسها التي تتيح الخيال ممكنًا.
والحال كذلك، يمكننا الاستفادة من هذه النزعة البنائية بطريقة أكثر وعيًا في مشاريعنا الإبداعية. وفي ما يلي ثلاثة تمارين يمكننا تجربتها للاستفادة من الذكريات الزائفة في العمل الإبداعي:
1. تمرين “التناقض”:
• اختر حدثًا وقع قبل بضعة أعوام: إجازة، أو عشاء، أو أول يوم لك في وظيفة ما.
• اكتب المشهد كما تتذكره، وأدرج أكبر قدر ممكن من التفاصيل.
• بعد ذلك، راجع الصور، أو الرسائل، أو التقويمات، أو أي سجلات أخرى مرتبطة بذلك الحدث، ولاحظ إن كانت هناك تفاصيل كتبتها بثقة لكنها لا تتوافق مع الأدلة المتاحة.
• اختر أحد هذه التناقضات، واستخدمه كنقطة انطلاق إبداعية، واسأل نفسك: “ما القصة التي يمكن أن تفسر لماذا أتذكر الأمر بهذه الطريقة؟”.
2. إعادة المزج السِّيري:
• خذ مكانًا من إحدى ذكرياتك، وشخصًا من ذكرى أخرى، ومشكلة من ذكرى ثالثة، وشعورًا من ذكرى رابعة.
• ثم ابنِ حدثًا جديدًا تنتمي فيه كل هذه العناصر إلى القصة نفسها.
• يمكنك القيام بذلك من خلال الكتابة أو باستخدام “كولاج” بصري (إنها طريقة بسيطة لإجبار الدماغ على إعادة تركيب مواد مألوفة وتحويلها إلى شيء جديد).
3. الإحماء لتوليد الأفكار:
• قبل البدء في جلسة عصف ذهني، أمضِ بضع دقائق في استعادة حدث حديث بأكبر قدر ممكن من التفاصيل.
• فكّر في توزيع المكان، وتسلسل الأفعال، والأشياء الموجودة، والأصوات، والأشخاص، وغير ذلك من الخصائص المحددة.
• بعد ذلك، انتقل مباشرة إلى توليد الأفكار.
تشير الأبحاث إلى أن هذا النوع من التمارين قد يزيد من التفكير التباعدي، لأنه ينشّط الذكريات التفصيلية قبل أن يطلب من الدماغ إعادة تركيبها بطرق جديدة.
أما بالعودة إلى ساكس، فتُعدّ ذكراه الزائفة مثالًا متطرفًا، لكنها تشير إلى أمر بالغ الإثارة يتعلق بطبيعة الخيال البشري. فنظريًا، قد يكون نظام ذاكرة حرفي تمامًا ومطابق للواقع ممتازًا في حفظ الماضي بدقة. لكنه (أي ذلك النظام) أقل فائدة عندما نريد أخذ أجزاء من ذلك الماضي وطرح السؤال التالي: “إلى ماذا أيضًا يمكن أن تتحول هذه الأجزاء يا ترى؟”.
ترجمة بتصرف عن موقع “Big Think”
بقلم / آن – لور لو كونف

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
