تطرح تعيينات الهيئات الناظمة في لبنان، إلى جانب مسألتي الكفاءة والاستقلالية، سؤالًا جوهريًا يتمحور حول كيفية تنظم الوضع الوظيفي للموظف العام حين ينتقل من إدارته الأصلية إلى هيئة يفرض القانون التفرّغ للعمل فيها بدوام كامل. فمن يراقب المخصصات المدفوعة من المال العام، ولا سيما حين يكون الانتقال من وظيفة قائمة إلى منصب جديد ذي تعويض مرتفع؟
في هذا السياق، تبرز حالة رجاء الشريف، التي عيّنها مجلس الوزراء، في 11 أيلول 2025، عضوًا في مجلس إدارة الهيئة الناظمة للاتصالات، بعدما كانت قد شاركت، بحكم موقعها في وزارة المالية، في الأعمال المرتبطة بسلسلة الرتب والرواتب عام 2017، وهي العملية التي أفضت إلى صدور مرسوم شابته أخطاء وثغرات عديدة، وأثار إشكاليات واسعة على المستويين المالي والإداري.
ماذا يقول قانون الاتصالات؟
لأنّ المسألة تتعلق بهيئة ناظمة يحكمها نص قانوني خاص، فإنّ المرجع الأساسي هنا هو قانون الاتصالات رقم 431 تاريخ 22 تموز 2002. فالمادة الرابعة تحدد الإطار القانوني للهيئة وآلية تعيين رئيسها وأعضاء مجلس إدارتها بمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الاتصالات، فيما تنصّ المادة السادسة بوضوح على أنّ إدارة الهيئة تتألف من رئيس وأربعة أعضاء «متفرغين بدوام كامل»، وتحدد مدة ولايتهم بخمس سنوات.
أما المادة السابعة، فتحدد شروط التعيين وتحيل إلى الشروط الواردة في المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959، مع استثناء شرطي السن والمباراة. وهذه نقطة قانونية مهمة؛ إذ لا يصحّ اعتبار بلوغ سنّ معيّنة، في حدّ ذاته، مانعًا من التعيين في إدارة الهيئة، ما دام القانون الخاص قد استثنى شرط السن.
وتحدد المادة التاسعة التعويض الشهري المقطوع لرئيس الهيئة وأعضاء إدارتها، على أن يُحدَّد بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيري الاتصالات والمالية.
وعليه، فإنّ النقاش في حالة أي موظف ينتقل من الإدارة العامة إلى عضوية إدارة الهيئة لا ينبغي أن يدور حول الانطباعات، بل حول سؤال قانوني وإداري محدد: كيف نُظّم وضعه الوظيفي في إدارته الأصلية، بما ينسجم مع شرط التفرّغ بدوام كامل المنصوص عليه صراحةً في المادة السادسة؟
من وزارة المالية إلى الهيئة الناظمة… ماذا حدث للوضع الوظيفي؟
هنا تبدأ الأسئلة الفعلية.
فقد أظهرت سجلات رسمية صادرة عن مجلس النواب استمرار ورود اسم رجاء الشريف بصفتها «مديرة المحاسبة العامة في وزارة المالية» بعد تعيينها في الهيئة الناظمة. علمًا أن مرسوم تنظيم الهيئة الناظمة للاتصالات يمنع على رئيس وأعضاء إدارة الهيئة، طيلة مدة ولايتهم، القيام بأي عمل أو غير مأجور آخر.
ففي 15 أيلول 2025، أي بعد أربعة أيام فقط من صدور قرار تعيينها، ورد اسمها بهذه الصفة في خبر رسمي لمجلس النواب عن اجتماع للجنة المال والموازنة. وفي 24 أيلول 2025، تكرر الوصف الوظيفي نفسه في خبر رسمي آخر.
هذه الوقائع لا تثبت، في حدّ ذاتها، أنّ الشريف كانت لا تزال تمارس مهامها في وزارة المالية بالتزامن مع عضويتها في الهيئة الناظمة، كما لا تثبت أنّها تقاضت راتبين. لكنها تطرح سؤالًا إداريًا وقانونيًا واضحًا: ماذا كان وضعها الوظيفي في وزارة المالية عند انتقالها إلى الهيئة، وما القرار الذي نظّم هذا الانتقال؟
فإذا كانت قد أنهت خدمتها، أو أُحيلت إلى التقاعد، أو وُضعت في أي وضع وظيفي آخر وفق الأصول، فيُفترض أن يكون هناك قرار رسمي يحدد ذلك وتاريخه.
أما إذا بقيت في الخدمة الفعلية، فيبرز السؤال عن كيفية التوفيق بين وظيفتها في الوزارة وشرط التفرّغ الكامل الذي يفرضه قانون الهيئة الناظمة على رئيس إدارتها وأعضائه.
7000 دولار شهريًا… والسؤال عن المخصصات
تزداد أهمية الملف عند النظر في جانبه المالي. فقد نُشرت أرقام تفيد بأنّ المخصصات الشهرية لعضو إدارة الهيئة الناظمة للاتصالات تبلغ 626.5 مليون ليرة، أي ما يعادل 7000 دولار وفق سعر الصرف الرسمي المعتمد في احتسابها، فيما تبلغ مخصصات رئيس الهيئة 8000 دولار.
وعليه، فإنّ عضوية الهيئة ليست مهمة فخرية أو مشاركة محدودة في اجتماعات، بل منصب عام بدوام كامل يرتبط بمخصصات مالية كبيرة.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: قيمة المخصصات المحددة للمنصب، وما تقاضته رجاء الشريف شخصيًا.
فلا يجوز الجزم بأنها قبضت مبلغ 7000 دولار شهريًا من دون الاطلاع على مستندات الصرف. لكن من حق الرأي العام أن يعرف متى بدأ استحقاق هذه المخصصات، وما الوضع المالي والوظيفي للشخص المعيّن عند انتقاله إلى الهيئة.
كذلك، يتضمن نظام الموظفين اللبناني، في مادته السادسة عشرة، مبدأ واضحًا ينصّ على أنه «لا يجوز الجمع بين راتبين»، ويربط استحقاق راتب الوظيفة بالتعيين القانوني والقيام فعليًا بمهامها.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الشريف قد أصبحت عضوًا متفرغًا بدوام كامل في الهيئة، فهل توقف راتبها السابق في وزارة المالية؟ وإذا توقف، فمتى؟ وإذا لم يتوقف، فما السند القانوني الذي ينظّم استمرار تقاضيه بالتزامن مع المخصصات الجديدة؟ وهل تنطبق على هذه الحالة قواعد أخرى تنظّم الانتقال من الإدارة إلى الهيئة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تكون سياسية أو إعلامية، بل يجب أن تستند إلى الوثائق: القرارات الإدارية، وقيود الرواتب، ومراسيم التعيين، ومستندات المباشرة والصرف.
من حالة فردية إلى سؤال عن إدارة الوظيفة العامة
تتجاوز القضية اسم رجاء الشريف إلى ظاهرة أوسع في الإدارة اللبنانية، تتمثل في انتقال موظفين من الإدارات العامة إلى اللجان والمجالس الإدارية والهيئات والمؤسسات العامة.
لا خلاف على أنّ الاستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص أمر ضروري في الإدارة العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون معايير الاختيار واضحة للرأي العام، أو عندما تتكرر الأسماء نفسها في عدد كبير من المواقع واللجان والمجالس.
كيف يُختار هؤلاء الموظفون؟ هل توجد آليات معلنة للمفاضلة؟ هل يُفتح المجال أمام أصحاب الاختصاص والكفاءة من داخل الإدارة وخارجها؟ وما المعايير التي تجعل موظفًا معينًا مرشحًا لعضوية مجلس أو لجنة، فيما يبقى موظفون آخرون بعيدين عن هذه المواقع؟
والسؤال المالي لا يقل أهمية: ما حجم المخصصات التي تُدفع سنويًا لأعضاء اللجان والمجالس والهيئات؟ وكم موظفًا عامًا يتولى، في الوقت نفسه، أكثر من مهمة أو عضوية مدفوعة؟ وهل توجد آلية مركزية تتيح معرفة مجموع ما يتقاضاه الموظف من المال العام، منعًا لأي جمع غير قانوني أو تضارب في المصالح؟
هذه الأسئلة لا تستهدف مبدأ الاستفادة من خبرات موظفي الدولة، بل تتناول غياب الشفافية، في بعض الحالات، عن كيفية اختيارهم وتنظيم أوضاعهم الوظيفية والمالية.
المطلوب وثائق لا أحكام مسبقة
في حالة رجاء الشريف تحديدًا، لا تكفي الإشارة إلى استمرار ظهور اسمها بصفة مديرة المحاسبة العامة في وزارة المالية بعد تعيينها في الهيئة الناظمة، كما لا يصحّ، في المقابل، افتراض وجود مخالفة أو تقاضي راتبين من دون مستندات.
المطلوب هو معرفة وضعها القانوني بدقة: هل كانت في الخدمة الفعلية في وزارة المالية بتاريخ تعيينها؟ هل صدر قرار بإنهاء خدمتها أو إحالتها إلى التقاعد أو تغيير وضعها الوظيفي؟ متى باشرت مهامها في الهيئة الناظمة؟ وهل توقف راتبها من وزارة المالية عند مباشرة عملها الجديد؟ وما المخصصات التي استحقتها من الهيئة، واعتبارًا من أي تاريخ؟
هذه المعلومات، حين ترتبط بوظيفة عامة وبإنفاق من المال العام، لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة التدقيق والمساءلة.
فإذا كانت الإجراءات المتخذة في حالة رجاء الشريف متوافقة بالكامل مع القانون، فإنّ نشر المستندات كفيل بحسم الجدل. وإذا كان هناك نص قانوني ينظّم الجمع أو الانتقال من الوظيفة العامة إلى الهيئة، فإنّ توضيحه يزيل الالتباس. أما إذا كشفت الوثائق عن مخالفة، فالمطلوب عندها تحديد المسؤوليات ومساءلة من اتخذ القرار أو سمح باستمرار أي وضع غير قانوني.
القضية، في نهاية المطاف، ليست حكمًا على شخص، بل اختبار لمدى جدية الدولة اللبنانية في تطبيق قواعدها على شاغلي الوظائف العامة، وفي التعامل مع المال العام على أساس الشفافية والمساواة.
فالمواطن الذي يُطلب منه تحمّل أعباء الأزمة المالية، من حقه أن يعرف أيضًا كيف تُدار المناصب العامة، وكيف تُحدَّد المخصصات، وكيف يُنظَّم انتقال الموظفين بين الإدارات والهيئات، ومن يراقب ذلك كله.
السؤال ليس فقط: من عُيّن؟ بل أيضًا: بأي شروط، وبأي أسس قانونية، وبأي وضع وظيفي، وبأي مخصصات، ومن يراقب؟
أين الجهات الرقابية؟
والسؤال الذي يبقى معلّقًا: أين الجهات الرقابية من كل ذلك؟ أين التفتيش المركزي؟ وأين ديوان المحاسبة؟ ومن يراقب قانونية الأوضاع الوظيفية والمخصصات المدفوعة من المال العام؟
وإذا كانت وظيفة الرقابة هي حماية الإدارة والمال العام من أي مخالفة، فمن حق الناس أن يعرفوا: هل جرى التدقيق في مثل هذه الحالات؟ وهل جرى التحقق من عدم وجود جمع غير قانوني بين الوظائف والرواتب والمخصصات؟
أم أننا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التفتيش نفسه بحاجة إلى من يفتّش عليه؟
فالرقابة التي لا تتحرك حين تُطرح أسئلة جدية، أو التي تترك الملفات معلّقة بلا إجابات، تفقد جزءًا من معناها. وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي وسائر الجهات الرقابية ليست موجودة على الورق فحسب؛ بل إنّ دورها التثبت من احترام القانون وحماية المال العام.
وفي النهاية، السؤال ليس فقط: من عُيّن؟ وبأي شروط؟ وكم يتقاضى؟ بل أيضًا: من راقب؟ وماذا فعل؟ وإذا كانت الجهات الرقابية تراقب، فمن يراقب الجهات الرقابية؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
