لم تعد الهوية الرقمية مجرد اسم وصورة على منصة تواصل، بل أصبحت مدخلًا إلى حياة الأفراد وعلاقاتهم وسمعتهم وشعورهم بالأمان. وحين يُستخدم حساب مزيّف لمراقبة الآخرين أو انتحال شخصياتهم أو مضايقتهم والتشهير بهم، يتجاوز الأمر حدود الخداع التقني ليصبح اعتداءً تتداخل فيه الدوافع النفسية والاجتماعية مع سهولة الوصول إلى الضحية وضعف المساءلة. ومع ذلك، يظلّ التمييز ضروريًا بين إخفاء الهوية لأسباب مشروعة واستغلاله لإلحاق الضرر؛ فالمعيار هو السلوك وما يخلّفه من أثر. من هنا، تبرز الحاجة إلى فهم هذه الممارسات، وتحديد مسؤوليات مرتكبيها والمنصات التي تتيحها، وبناء مواجهة تحمي الخصوصية والكرامة من دون التفريط بحقوق المستخدمين وحرياتهم.
طبيعة الظاهرة: لماذا يسمح بعضهم لأنفسهم بذلك؟
المشكلة لا تتوقف عند إنشاء حساب وهمي على فيسبوك أو إنستغرام، بل تتمثّل في سلوك مركّب تتشابك فيه الوسيلة والفعل والأثر. فالوسيلة حساب مزيّف أو منتحل للهوية، والفعل تنمّر إلكتروني، أو تطفّل رقمي، أو تدخّل في الخصوصية، أو مضايقة، أو انتحال شخصية، أو خداع، أو دخول غير مصرّح به، والأثر إيذاء نفسي، أو ترهيب، أو تشهير، أو ابتزاز، أو انتهاك للخصوصية. فالحساب الوهمي هنا ليس مجرد غطاء تقني، بل أداة لتحويل دافع داخلي إلى سلوك خارجي منخفض التكلفة، مع محدودية المساءلة.
يمكن اختصار الظاهرة في معادلة تكاملية: دافع نفسي أو اجتماعي يلتقي بفرصة تقنية، وضعف في الرادع، وانفصال عن الضحية، وتطبيع اجتماعي، فينتج عن تضافر هذه العوامل سلوك دخيل ومؤذٍ. فالدافع قد يكون الرغبة في القوة والتحكّم، أو الغيرة والحسد والانتقام، أو الملل والبحث عن إثارة، أو الشعور بالانتماء إلى جماعة تمارس التنمّر. والفرصة التقنية تتمثّل في سهولة إنشاء حسابات متعددة، والتخفّي النسبي، واستخدام أسماء وصور مستعارة، وسهولة الوصول إلى معلومات الآخرين.
أما ضعف الرادع، فيظهر في قلّة الخوف من العقاب، وبطء الإبلاغ، وضعف المساءلة، أو الاعتقاد بأن الفعل «مزاح» أو أن «أحدًا لن يعرف به». ويُضاف إلى ذلك الانفصال النفسي؛ فعدم رؤية الضحية وجهًا لوجه يقلّل الإحساس بخطورة الفعل. كما يُسهم التطبيع الاجتماعي وضعف التربية الرقمية في ترسيخ السلوك عندما يرى الشخص آخرين يفعلون ذلك دون عواقب. وقد توجد لدى بعض الأشخاص عوامل فردية، مثل نقص التعاطف أو السلوك العدواني، مع التأكيد أن هذا تفسير وليس تشخيصًا، ولا يعفي أحدًا من المسؤولية.
كيف نصف هؤلاء الدخلاء؟
الوصف الأدق ليس حكمًا «طبيًا» أو «شخصيًا» قاطعًا، بل توصيف سلوكي وقانوني يتحدّد بحسب الفعل نفسه. فمن يدخل مساحات ليست له ويتدخّل في شؤون الآخرين هو متطفّل رقمي، ومن ينشئ حسابًا باسم أو صورة غير حقيقيين هو منتحل للهوية أو صاحب حساب مزيّف، ومن يهدف إلى الإيذاء والسخرية والترهيب هو متنمّر إلكتروني، ومن يتجسّس على معلومات الناس أو ينشرها دون إذن هو منتهك للخصوصية.
وإذا دخل إلى الحساب بغير حق، فقد يوصف بأنه متسلّل رقمي أو مرتكب لفعل وصول غير مصرّح به، وقد يندرج ذلك تحت وصف قانوني كالاختراق. ومن يكرّر التهديد أو الإلحاح أو استغلال معلومات خاصة هو مضايِق أو مبتزّ، ومن يستخدم الحساب الوهمي لخداع الناس أو انتحال صفة هو محتال.
ويشيع وصف هؤلاء بـ«العدوانيين الخفيين» أو «الجبناء الرقميين»؛ لأنهم يهاجمون من وراء الشاشة دون كشف هوياتهم، لكنه ليس تشخيصًا نفسيًا. وأدقّ وصف مركّب مختصر هو: «متطفّل رقمي منتحل للهوية، ومتنمّر إلكتروني، ومنتهك للخصوصية»، مع تعديله بحسب الفعل المرتكَب فعلًا.
لماذا لا تقضي المنصات على الحسابات الوهمية نهائيًا؟
عدم القضاء عليها ليس مجرد قصور تقني، بل نتيجة معادلة مركّبة تجمع بين صعوبة التمييز، والتكلفة الباهظة، وتعارض المصالح التجارية، ومخاوف الخصوصية، والقيود القانونية.
فالمنصات أصبحت جيّدة في اكتشاف الحسابات الآلية، لكنها تواجه صعوبة أكبر مع الحسابات الوهمية التي يديرها بشر حقيقيون، خاصةً مع «مزارع الاحتيال البشرية» والتهجين بين العمل البشري والأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويُضاف إلى ذلك أن التحقّق الصارم من الهوية مكلف جدًا، وتصبح كلفته ضخمة إذا طُبّق على مليارات المستخدمين. كما أن الحسابات الوهمية، من منظور تجاري ضيّق، تضخّم أعداد المستخدمين ومعدلات التفاعل، وهي مؤشرات ترتبط بالإعلانات والنمو.
وهناك أيضًا مخاوف تتعلق بالخصوصية؛ فالتحقّق الإجباري يجبر الناس على تسليم بيانات حسّاسة، ويضرّ بفئات تحتاج إلى عدم الكشف عن هوياتها لأسباب مشروعة. وتزيد القيود القانونية الأمر تعقيدًا، إذ إن تعريف «الحساب الوهمي» أو «البوت» غامض، وبعض التشريعات تُحمّل المسؤولية لمنشئ الحساب، لا للمنصة.
ولهذا تتّبع المنصات استراتيجية «إدارة المخاطر» لا «الحل الجذري»؛ فهي تزيل مليارات الحسابات الوهمية سنويًا، وتستثمر في كشف البوتات، وتقدّم تحقّقًا اختياريًا أو مدفوعًا، لكنها تترك المشكلة الأساسية قائمة؛ لأن حلّها الجذري يتعارض مع مصالحها التجارية ويثير إشكالات قانونية واجتماعية كبرى.
الخلاصة
يمكن فهم هؤلاء بوصفهم دخلاء رقميين يستخدمون التخفّي والحسابات المزيّفة لتحويل دوافع نفسية واجتماعية، كالغيرة والانتقام والتحكّم والملل والتطبيع، إلى سلوكيات مؤذية في بيئة تقنية منخفضة المساءلة.
لكن التسمية الدقيقة تبقى مرتبطة بالفعل نفسه؛ فليس كل صاحب حساب وهمي متنمّرًا، وليس كل متنمّر بالضرورة مخترقًا. فالوصف يتبع السلوك، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع على من يقوم بالفعل المؤذي، لا على الوسيلة وحدها.
وفي المقابل، لا يمكن انتظار المنصات وحدها لحلّ المشكلة؛ لأنها توازن بين الأمان والتكلفة والنمو والخصوصية والقانون. لذلك تبقى المواجهة العملية مسؤولية مشتركة بين المستخدم والمنصة والجهات المختصة، وتشمل: ضبط الخصوصية، وعدم التفاعل مع الحساب المشبوه، وتوثيق الأدلة، والإبلاغ والحظر، وتفعيل التحقّق بخطوتين، وتقليل المعلومات الشخصية المنشورة، واللجوء إلى الجهات المختصة عند التهديد أو التشهير أو الاختراق أو الابتزاز.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
