لا يمكن لأي سرد أن يحيط بكل ما تعرّضت له أماكن العبادة والمزارات في لبنان، لكن يمكن رسم صورة متكاملة لما تناقلته وسائل الإعلام والتقارير، على أن تبقى هذه الصورة مؤشرًا إلى نمط عام، لا حصرًا قانونيًا لكل حادثة.
فما جرى في حريصا ليس حادثًا عابرًا، بل كشف عن مفارقة أعمق في المشهد اللبناني: غضب عارم على مؤثرة أهانت مكانًا مقدسًا، بينما يخفت الصوت نفسه أمام السياسيين الذين أوصلوا البلد إلى الانهيار، وأمام انتهاكات العدو الإسرائيلي الذي يدمّر الكنائس والمساجد ويدنّس الرموز الدينية.
هذا لا يعني أن أحدًا لم يُدن السياسيين أو العدو الإسرائيلي، بل يعني أن الغضب الشعبي لا يتوزع بالتساوي؛ لأنه يتحرك وفق حسابات القوة والخوف والمصلحة، لا وفق حجم الجريمة وحده.
في مشهد المؤثرين وصنّاع المحتوى، يبرز مزار سيدة لبنان في حريصا بوصفه نموذجًا مؤلمًا. فقد تداول الناس أخبارًا عن مؤثرة تونسية ورفاقها أقدموا على سلوك استعراضي داخل حرم المزار؛ فلم يكتفوا بالتصوير العابر، بل استعرضوا الملابس، واستخدموا نبرة ساخرة، ونطقوا اسم المكان بطريقة تفتقر إلى الاحترام. وهنا أضع اللوم أيضًا على الشاب اللبناني الذي كان يرافقهم، والذي يعلم تمامًا حرمة المكان، لكنه لم يتصرف كما يجب.
كما انتشر سابقًا مقطع مصور لخلاف وشتائم داخل المزار، فضلًا عن صور لكتابات وشعارات حزبية على حائط الدرج المؤدي إلى التمثال، وإن كانت إدارة المزار قد أوضحت أن بعض تلك الصور قديمة، وأن إعادة نشرها قد تكون بهدف التحريض الطائفي.
تمثل المؤثرة هدفًا سهلًا وآمنًا؛ فهي من داخل المجتمع، ويمكن ملاحقتها قضائيًا، كما أن انتقادها لا يجرّ حربًا ولا قصفًا. فالإساءة إلى مكان مقدس تمسّ الهوية مباشرة، وتُنتج رد فعل فوريًا؛ لأنها تُرى بوصفها خيانة من القريب، لا عدوانًا من البعيد. وخيانة القريب أشد وقعًا من عدوان العدو المعروف.
كما أن المقطع المصور الصادم ينتشر بسرعة عبر الخوارزميات، ويخلق غضبًا جماعيًا يمكن التعبير عنه من دون تكلفة سياسية كبيرة.
وفي باب التخريب والاعتداءات المباشرة، يظهر دير مار شليطا في القبيات بعكار، حيث عمد مجهولون، في أيار 2026، إلى تخريب محتوياته الأثرية، وتحطيم تماثيل دينية، وإضرام النار داخله، وترك آثار دماء في المكان.
كذلك، تعرّضت كنيسة السيدة في عجلتون للاعتداء؛ فسُرقت محتوياتها، وكُسّر أثاثها، وأُطلقت النار على أرضها. وطال التخريب مزار مار شربل في جديدة الفاكهة بالبقاع، ما دفع وزير الثقافة إلى المطالبة بملاحقة العابثين.
ولم تقتصر الحوادث على ذلك، بل شملت تمثال العذراء في زوق مكايل، ومشهد الميلاد في فاريا، حيث وُضع مسدس مكان تمثال الطفل يسوع، ومزارًا للعذراء في يانوح، وكنيسة مار جرجس في الجية، حيث سُرقت تماثيل وحُطّمت أخرى.
أما خلال العمليات العسكرية للعدو الإسرائيلي، فقد اتخذ الانتهاك شكلًا أوسع وأكثر منهجية. ففي يارون، دُمّر دير الراهبات المخلصيات وكنيسة مار جرجس، وحُطّم تمثال السيد المسيح. كما دُمّرت كنائس في دردغيا وعلما الشعب وسردا ودبل والنبطية.
ووُثّقت حادثة قيام جندي إسرائيلي بوضع سيجارة في فم تمثال للعذراء مريم، فضلًا عن تحطيم تمثال للمسيح في دبل باستخدام فأس، واقتحام دير ميماس، والعبث بمحتوياته، ومحاكاة طقوس دينية بطريقة ساخرة.
وأمام هذا العدو الهمجي، يتحول الغضب إلى صمت مرير؛ فالعجز أمام آلة الحرب لا ينتج غضبًا فعالًا، بل يولّد إنكارًا أو انسحابًا. كما أن الاستقطاب السياسي يجعل أي موقف من العدو الإسرائيلي عرضةً للتصنيف الفوري: هل هو مع المقاومة أم مع التطبيع؟ مع المحور أم مع السيادة؟ وهذا يدفع كثيرين إلى التهرب من فتح الملف.
كذلك، تضخّم وسائل الإعلام والخوارزميات الحادثة الفردية الصادمة، بينما يمرّ تدمير كنيسة في يارون أو تدنيس تمثال في دبل بوصفه خبرًا عابرًا، أو يُدفن تحت أخبار أخرى. ويخلق التكرار اليومي نوعًا من التطبيع مع الكارثة.
وهكذا تتبدى الصورة مركّبة: استهتار من بعض المؤثرين، وتخريب على أيدي مجهولين، ودمار منهجي يطاول الكنائس والمساجد والمواقع التراثية في جنوب لبنان.
لكن الغضب على المؤثرة لا يتحول تلقائيًا إلى انقلاب على السياسيين؛ لأن بنية النظام اللبناني تقف حاجزًا أمام أي حراك وطني شامل. فالاستقطاب الطائفي يسبق المواطنة، ويجعل من الصعب استحضار النخوة الوطنية في مواجهة سياسيين من طوائف أخرى؛ لأن الخوف من الفتنة يسبق الغضب من الفساد.
كما تجعل الزبائنية كثيرين أسرى زعماء يوزعون الوظائف والخدمات مقابل الولاء، فيصعب الانقلاب عليهم من دون خسارة مصالح يومية. كذلك، فإن الإحباط وفقدان الثقة، بعد ثورة عام 2019 وما واجهته من قمع وإخفاق، جعلا كثيرين مقتنعين بأن أي حراك جديد لن يجدي نفعًا.
ويُضاف إلى ذلك غياب القيادة الجامعة القادرة على تحويل الغضب إلى برنامج وطني موحد، بعيدًا عن الحسابات الطائفية، فضلًا عن أولوية المعيشة التي تستهلك طاقة الناس في النضال من أجل الخبز والدواء والكهرباء، فلا يبقى لديهم فائض للثورة.
ويستفيد بعض السياسيين من هذا كله؛ إذ يفضّلون أن يبقى الغضب موجّهًا نحو قضايا رمزية أو أخلاقية، لا نحو ملفات الفساد والانهيار والمسؤولية عن الحرب.
وهكذا يتبيّن أن الصورتين ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لمفارقة واحدة. فالغضب موجود، لكنه يُوجَّه إلى الجهة التي يشعر الناس بأنهم قادرون على مواجهتها، ويخفت أمام الجهة التي يشعرون بالعجز حيالها.
ويستفيد النظام السياسي من تحويل الغضب إلى قضية رمزية تصرف النظر عن الملفات الحساسة، ومن تحويله إلى خوف من الفتنة يمنع المحاسبة. وتضخّم وسائل الإعلام ما تريد، وتُخفت ما تريد، فيما يبتلع الخوف من الفتنة أي حراك وطني.
ويترك ضعف الدولة فراغًا كبيرًا: فلا قانون رادع، ولا إدارة صارمة، ولا وحدة وطنية؛ فيتحول الغضب إلى فورات موسمية. ويؤكد هذا التنوع أن حرمة المقدسات في لبنان تتعرض لتهديدات من مصادر متعددة، وأن حمايتها لا تحتاج إلى استنكار عابر، بل إلى قانون رادع، وإدارة صارمة، ووعي مجتمعي يرفض تحويل أماكن العبادة إلى ساحات للاستعراض أو الفتنة أو الحرب.
ليس الأمر نقصًا في النخوة اللبنانية، بل هو حصار بنيوي: دولة ضعيفة، واستقطاب طائفي، وزبائنية، وإعلام موجّه، وخوف من الفتنة، وعجز أمام آلة الحرب. ويجعل هذا الحصار الغضب يُفرَّغ في القضايا الآمنة، ويخفت في القضايا التي تهدد النظام أو تتطلب وحدة وطنية. لكن ذلك لا يبرر هذا الخفوت.
المطلوب غضب متساوٍ: ضد من يهين المقدسات من الداخل، وضد من يدمّرها من الخارج، وضد من يستغل القضيتين لصرف الناس عن ملفاتهم الحقيقية. والمطلوب أيضًا محاسبة المؤثرة، بغض النظر عن الجهة التي حرّكتها، ومحاسبة السياسيين على الفساد والانهيار، لا الاكتفاء بالغضب على القضايا الرمزية. كما يجب رفض الانجرار إلى الفتنة التي يريدها المستفيدون، والمطالبة بإعلام مسؤول لا يضخّم الحادثة بما يتجاوز حجمها، ولا يدفن الانتهاكات الكبرى، والعمل على تفكيك الاستقطاب الطائفي والزبائنية من أجل بناء وحدة وطنية قادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.
فمن يهين المقدسات في حريصا، ومن يدنّسها في دبل، ومن يتركها تنهار تحت وطأة الفساد، كلهم شركاء في الإساءة إلى لبنان. والخلاصة أن الغضب على مؤثرة حقيقي ومشروع، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى ثورة ضد السياسيين، ولا إلى مواجهة مع العدو الإسرائيلي؛ لأن آليات النظام الطائفي الزبائني قادرة على استيعابه أو تحويله أو قمعه. والمطلوب هو تحويل هذا الغضب إلى وعي شامل: لا نخوة منقوصة، ولا غضب انتقائي، بل محاسبة للجميع، وحماية للمقدسات من الداخل والخارج، وبناء دولة تحمي الإنسان والمكان.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
