ليس غريبًا أن يبدو السؤال منطقيًا في ظاهره: كيف ينتشر الفساد بهذا الحجم في بلد لا يخلو برلمانه من حقوقيين، بل إن رئيس مجلس النواب نفسه محامٍ، ومن المفترض أن تكون هذه الفئة أقدر على فهم القانون وأكثر حرصًا على سيادته؟
لكن المفارقة الحقيقية ليست في عدد الحقوقيين داخل البرلمان اللبناني، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يعملون داخله. فالمعرفة القانونية وحدها لا تصنع نظامًا عادلًا عندما تكون البنية السياسية نفسها قائمة على المحاصصة والزبائنية وحماية المصالح الضيّقة.
في لبنان، لم يكن القانون دائمًا أداة لتقييد السلطة ومحاسبتها، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على ترتيبات النفوذ. والنائب الحقوقي ليس كائنًا خارج السياق؛ فهو غالبًا ابن كتلة سياسية أو زعامة طائفية أو شبكة مصالح مالية أوصلته إلى البرلمان. لذلك، يصبح ولاؤه الأول لهذه الشبكة، لا لمنطق الدولة المجرّد. وهكذا، تتحوّل الخبرة القانونية من أداة للرقابة إلى أداة لصياغة قوانين أكثر إحكامًا في حماية الوضع القائم، أو، في أفضل الأحوال، إلى خبرة عاجزة عن التغيير.
والسبب الثاني أعمق من الأشخاص: إنه النظام التوافقي الطائفي الذي يجعل المساءلة شبه مستحيلة. فحين تتوزّع السلطة والمنافع على الطوائف والزعامات، تُفهم أيّ محاولة لمحاسبة فاسد على أنها استهداف لطائفته أو لموقعها في التوازن السياسي. وفي مثل هذا المناخ، لا يستطيع النائب، حتى لو كان صادق النيّة، أن يواجه منظومة تحمي أفرادها بالتبادل، وتعتبر المحاسبة تهديدًا للسلم الأهلي المزعوم.
ويُضاف إلى ذلك أن القضاء غير المستقلّ يكاد يُفرغ القوانين من مضمونها. فالقانون، مهما كان صارمًا، يبقى حبرًا على ورق إذا كانت التعيينات القضائية خاضعة للسياسة، وإذا كانت الملفات الحسّاسة تُدار وفق الحسابات الطائفية والولاءات الحزبية. وهنا، تصبح خبرة المحامي في البرلمان بلا سلطة حقيقية؛ لأنها لا تقترن بقضاء قادر على التطبيق، ولا بإرادة سياسية مستعدّة للمساس بمصالح النخب.
لذلك، فإن كون الحقوقيين يشكّلون أكثر من عُشر أعضاء البرلمان لا يعني بالضرورة وجود حصانة للقانون، بل قد يعني أحيانًا أن القانون نفسه صار جزءًا من هندسة الفساد. فالمشكلة ليست في نقص المحامين، بل في غياب الإرادة السياسية التي تضع القانون فوق الجميع، وفي نظام يفضّل المحاصصة على المواطنة، والولاء على المساءلة، والمصلحة الضيّقة على المصلحة العامة. وحتى يتغيّر هذا النظام، سيظلّ وجود الحقوقيين في البرلمان مفارقة شكلية أكثر ممّا هو ضمانة حقيقية.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
