لا تُطوى صفحة الحرب بمجرّد صمت المدافع، ولا يستعيد جنوب لبنان أمنه وسيادته بإعلان إطار تفاوضي أو التوصّل إلى وقف لإطلاق النار. فقد تتوقّف المواجهات العسكرية، فيما تبقى الحرب ممتدّة في نتائجها: بيوت مهدّمة، وقرى مهجّرة، وعودة متعذّرة، ومصادر رزق مفقودة. وحين يصبح الوصول إلى المنزل أو الحقل مجازفة، ويُحال بين الجنوبي وأرضه، يتجاوز السؤال موعد انتهاء القتال إلى ما هو أشدّ خطورة: أيّ مصير ينتظر الأرض التي أُجبر أهلها على مغادرتها تحت وطأة الحرب؟
ما يتهدّد الجنوب أبعد من الخسائر المادية، مهما اتّسع نطاقها وبلغت فداحتها. فالمنزل ليس جدراناً تُهدم ثم تُشيّد، والأرض ليست مساحة تُحدَّد على الخرائط وتُثبَت ملكيتها في السجلات العقارية. إنهما امتداد لذاكرة الناس، وحاضنة لعلاقاتهم الاجتماعية، وأساس لدورتهم الاقتصادية، وموضع انتمائهم المتوارث. وحين تُقطع صلة الإنسان بأرضه بالقوة، أو يُستدام قطعها بالخوف، يغدو التهجير جرحاً وطنياً مفتوحاً، تتجاوز آثاره حدود القرى المنكوبة لتصيب المجتمع اللبناني في تماسكه واستقراره ومستقبله.
ولا يحتاج لبنان إلى استغراق في الحسابات العسكرية ليدرك عمق الاختلال في موازين القوة مع إسرائيل. فالتفوّق الجوي والتكنولوجي والتسليحي يجعل المواجهة التقليدية شديدة التفاوت، لكنه لا يمنح الطرف الأقوى تفويضاً بفرض إرادته، ولا يجعل سيادة الطرف الأضعف حقاً منقوصاً أو امتيازاً مشروطاً بامتلاك ترسانة موازية. فحقّ الدول في أراضيها وحمايتها لا يستمدّ مشروعيته من قدرتها على مجاراة خصومها عسكرياً، كما لا يجوز اختزال حماية المدنيين في معادلات الردع أو إخضاعها وحدها لمنطق القوّة.
وتبدأ المعضلة حين يُختزل وقف إطلاق النار في ترتيب مؤقّت لإدارة المواجهة، عوض أن يؤسّس لاستقرار فعلي. عندها، تنحسر أصوات القصف، لكن أسباب الخوف تبقى، وتعجز البلدات المدمّرة عن استعادة حياتها، ويظلّ النازح أسير انتظار لا يملك تحديد نهايته. فالعودة لا تتحقّق بمجرّد فتح طريق أو السماح بعبوره؛ إنها مسار متكامل يقتضي ضمانات أمنية فعلية، وإعادة إعمار، واستعادة سبل العيش، وصون الممتلكات، وإنهاء الظروف التي أكرهت السكان على الرحيل.
وما دامت أراضٍ لبنانية ترزح تحت الاحتلال، أو تستمرّ قيود تحول دون عودة أهلها بأمان، يبقى الحديث عن سلام مكتمل سابقاً لأوانه. كذلك، فإن أيّ ترتيبات أمنية تفتقر إلى مرجعية سيادية لبنانية واضحة، ولا تكفل حماية السكان وأرضهم، تظلّ قابلة للتحوّل إلى أمر واقع تفرضه القوّة، مهما أُحيطت بتعابير دبلوماسية أو قُدّمت باعتبارها تدابير للاستقرار. فالعبرة في مضمون الترتيبات ونتائجها، وفي قدرتها على تثبيت الحقوق والسيادة.
غير أنّ الدفاع عن الجنوب يقتضي سياسة تتجاوز الاكتفاء بالشعارات إلى تحمّل المسؤوليات. وفي مقدّمتها مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها وأرضها. والمطلوب أن يستعيد لبنان قراره الوطني، وأن تتقدّم مؤسساته الشرعية إلى موقعها الطبيعي في إدارة شؤونه السيادية، وأن يضطلع الجيش اللبناني بدور محوري في حماية الحدود وتثبيت السيادة، وفق قدراته والقرارات الدولية ذات الصلة. ويتطلّب ذلك توحيد الموقف الداخلي بوصفه ضرورة وطنية ملحّة؛ فالانقسام يستنزف قدرة لبنان على التفاوض، ويترك مصير القرى وأهلها مكشوفاً أمام التجاذبات الإقليمية وحسابات القوى الخارجية.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن تُقاس جدوى أيّ وقف للنار بقدرته على الإجابة عن أسئلة الناس وحقوقهم: ما قيمته إذا بقي الجنوبي ممنوعاً من العودة إلى أرضه؟ وأيّ أفق لإعادة الإعمار ما لم تقترن بضمانات تحول دون تجدّد التدمير؟ وكيف يستقرّ سلام يشعر في ظلّه السكان بأن بقاءهم في قراهم معلّق على توازنات عسكرية وسياسية تتجاوز إرادتهم وقدرتهم على التأثير؟
يحتاج الجنوب إلى سياسة وطنية واضحة تحمي الإنسان والأرض معاً، وتترجم التضامن معه إلى التزامات قابلة للتنفيذ. ويحتاج أهله إلى ضمانات تمكّنهم من العودة والعمل والاستقرار، وتضع حدّاً لاستنزافهم بوعود مؤجّلة وانتظار مفتوح. فإعادة بناء الحجر ضرورة لا تحتمل الإبطاء، وتوازيها ضرورة إعادة بناء ثقة المواطن بالدولة، وبقدرتها على حمايته وصون حقوقه وتأمين شروط بقائه في أرضه.
قد يُسكت وقف إطلاق النار المدافع، لكنه لا يكفي وحده لاستعادة الحياة. فالسيادة تُختبر في قدرة المواطن على الإقامة في منزله، والوصول إلى أرضه، والعمل فيها، والاطمئنان إلى غده. ومن هذه القدرة تستمدّ الشعارات والاتفاقات معناها وقيمتها. أمّا السلام الذي يستحقّ اسمه، فيقتضي إنهاء الاحتلال وصون الحقوق وضمان العودة الآمنة والكريمة، ووضع حدّ لحال التعليق التي تُبقي القرى بين الخوف والانتظار، وتفتح المجال لفرض وقائع جديدة على حساب أهلها.
فجنوب لبنان أرض لبنانية، وأهله أصحاب حقّ أصيل فيها؛ لهم أن يعيشوا عليها بأمان وكرامة، وللبنان أن يمارس سيادته الكاملة عليها. ولا يجوز تحويله إلى منطقة تُفرَّغ من سكانها ثم يُتفاوض على مصيرها، أو إلى ورقة في حسابات الآخرين ومساوماتهم. وأيّ اتفاق لا يردّ إلى أهله حقّهم في الحياة على أرضهم، ولا يضمن سيادة الدولة اللبنانية عليها، سيُبقي أسباب الحرب قائمة، ويؤجّل انفجارها من دون أن يؤسّس لنهايتها.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
